58 - بَاب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا 6066 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا كَذَا لِلْجَمِيعِ ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَ بَابٍ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ . وأورد فيه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ فَقَطْ ، وَزَعَمَ ابْنُ بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ - أَيِ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ - ، ثُمَّ حَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ مُطَابَقَتَهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبُغْضَ وَالْحَسَدَ يَنْشَآنِ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَتَأَوَّلَانِ أَفْعَالَ مَنْ يُبْغِضَانِهِ وَيَحْسُدَانِهِ عَلَى أَسْوَأِ التَّأْوِيلِ اهـ . وَالَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا كُلِّهَا أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ . قَوْلُهُ فِيهِ ( وَلَا تَنَاجَشُوا ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ بِالْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، مِنَ النَّجْشِ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيَقَعَ غَيْرُهُ فِيهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَحُكْمُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ ، وَالَّذِي فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ وَلَا تَنَافَسُوا بِالْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَمَعْنٍ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ ، وَرَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْوَرَكَانِيِّ ، وَأَبِي مُصْعَبٍ ، وَأَبِي حُذَافَةَ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِلَفْظِ وَلَا تَنَاجَشُوا كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمَنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ كَذَلِكَ فَاخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ على أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهَا عَلَى مَالِكٍ ، إِلَّا أَنِّي مَا وَجَدْتُ مَا يُعَضِّدُ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ هَذِهِ ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى شَيْءٍ وَيَنْفَرِدَ وَاحِدٌ بِخِلَافِهِ وَيَكُونَ مَحْفُوظًا ، وَلَمْ أَرَ الْحَدِيثَ فِي نُسْخَتِي مِنْ مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَصْلًا ، فَلَا أَدْرِي سَقَطَ عَلَيْهِ أَوْ سَقَطَ مِنَ النُّسْخَةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ الْوَرَكَانِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ وَوَقَعَ فِيهِ عِنْدَهُ وَلَا تَنَافَسُوا كَالْجَمَاعَةِ ، وَلَكِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، فَمَا أَدْرِي هَلْ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ عَلَى وِفَاقِ الْجَمَاعَةِ أَوْ عَلَى مَا عِنْدَنَا وَلَمْ يَعْتَنِ بِبَيَانِ ذَلِكَ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى إِنَّ الْحُمَيْدِيَّ سَاقَهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ قَدْ مَضَتْ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ ، وَلَيْسَ فِيهَا هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا وَلَكِنَّ فِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ قَالَ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ فَسَاقَهُ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ بِتَمَامِهِ دُونَ اللَّفْظَةِ الَّتِي أَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا ، وَقَالَ : هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ ، وَأَغْفَلَهُ أَبُو مَسْعُودٍ ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ فِيهِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ ، وَمَنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ سَوَاءٌ . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ طَاوُسٍ تَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَسَاقَهُ ، وَفِيهِ وَلَا تَنَافَسُوا ، قَالَ : فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ لَا مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ وَكَأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحُمَيْدِيَّ مَعَ تَتَبُّعِهِ وَاعْتِنَائِهِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ الِاخْتِلَافِ ، وَكَذَا أَغْفَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ عَلَى شَرْطِ فِي التَّمْهِيدِ وَكَذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَلَوْ تَفَطَّنَ لَهَا لَسَاقَهَا فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ كَعَادَتِهِ فِي أَنْظَارِهَا ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا فَلَعَلَّهَا مِنْ تَغْيِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا · ص 499 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا · ص 137 باب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا أي : هذا باب في قوله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخره هكذا وقع في رواية الأكثرين ، إلا أن لفظ باب لم يقع في رواية أبي ذر ، وقال المفسرون : نزلت هذه الآية في رجلين من الصحابة اغتابا سلمان رضي الله تعالى عنه ، قوله : اجْتَنِبُوا أي امتنعوا ، واحترزوا كثيرا من الظن ، وقال سعيد بن جبير : هو الرجل يسمع من أخيه كلاما ، لا يريد به سوءا ، فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءا ، وقال الزجاج : هو أن يظن بأهل الخير سوءا ، وقوله : كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ يدل على أنه لم ينه عن جميع الظن ، والظن على أربعة أوجه : محظور ، ومأمور به ، ومباح ، ومندوب إليه . ( فالمحظور ) هو سوء الظن بالله تعالى ، وكذلك الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم عدالة محظور . ( والمأمور به ) هو ما لم ينصب عليه دليل يوصل إلى العلم به ، وقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فيه ، والاقتصار على غالب الظن ، وإجراء الحكم واجب ، وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول ، وتحري القبلة ، وتقويم المستهلكات ، وأرش الجنايات التي لم يرد مقاديرها بتوقيف من قبل الشرع ، فهذا ونظائره قد تعبدنا فيه بغالب الظن . ( والظن المباح ) كالشك في الصلاة إذا كان إماما ، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بالتحري ، والعمل بغالب الظن ، فإنه فعله كان مباحا ، وإن عدل إلى غيره من البناء على اليقين جاز . ( والظن المندوب إليه ) كإحسان الظن بالأخ المسلم يندب إليه ، ويثاب عليه . وتفسير وَلا تَجَسَّسُوا قد مضى . 94 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والظن ؛ فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تناجشوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا . وجه المطابقة بين هذا الحديث والآية المذكورة أن البغض والحسد ينشآن عن سوء الظن . وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز . والحديث مضى في الباب الذي قبله غير أن هناك زيادة ، قوله : ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام وهاهنا زيادة ، قوله : ولا تناجشوا من النجش بالنون والجيم والشين المعجمة ، وهو أن يزيد في ثمن المبيع بلا رغبة ؛ ليخدع غيره فيوقعه ، فيزاد عليه ، وقد مر هذا في البيوع ، ووقع في جميع الروايات عن مالك بلفظ : ولا تنافسوا ، وكذا أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى التميمي ، وأخرج من طريق الأعمش ، عن أبي صالح بلفظ : لا تناجشوا ، كما وقع عند البخاري رحمه الله ، والمنافسة هي التنافس ، وهي الرغبة في الشيء ، والانفراد به ، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه .