6070 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ : كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى ؟ قَالَ : يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ : عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، وَيَقُولُ : عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ : إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا ؛ فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ) فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ ، وَصَفْوَانُ مَازِنِيٌّ بَصْرِيٌّ وَأَبُوهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ الزَّاي مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَظَالِمِ عَنْ صَفْوَانَ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ آخُذُ بِيَدِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي تَفْسِيرِ هُودٍ : بَيْنَمَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ السَّائِلِ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : حَدِّثْنِي ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( كَيْفَ سَمِعْتَ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٍ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ وَهِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي النَّجْوَى ؟ ) هِيَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمَرْءُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ ، أَوْ يُسْمِعُ غَيْرَهُ سِرًّا دُونَ مَنْ يَلِيهِ ، قَالَ الرَّاغِبُ : نَاجَيْتَهُ إِذَا سَارَرْتَهُ ، وَأَصْلُهُ أَنْ تَخْلُوَ فِي نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ ، وَقِيلَ أَصْلُهُ مِنَ النَّجَاةِ ، وَهِيَ أَنْ تَنْجُوَ بِسِرِّكَ مِنْ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ ، وَالنَّجْوَى أَصْلُهُ الْمَصْدَرُ ، وَقَدْ يُوصَفُ بِهَا فَيُقَالُ هُوَ نَجْوَى وَهُمْ نَجْوَى ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْمُنَاجَاةُ الَّتِي تَقَعُ مِنَ الرَّبِّ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ النَّجْوَى لِمُقَابَلَةِ مُخَاطَبَةِ الْكُفَّارِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ هُنَاكَ . قَوْلُهُ : ( يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ : يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ ؛ أَيْ يَقْرَبُ مِنْهُ قُرْبَ كَرَامَةٍ وَعُلُوِّ مَنْزِلَةٍ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا فَاءٌ أَيْ جَانِبَهُ ، وَالْكَنَفُ أَيْضًا السَّتْرُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَالْأَوَّلُ مَجَازٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ فِي كَنَفِ فُلَانٍ أَيْ فِي حِمَايَتِهِ وَكِلَاءَتِهِ . وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ صَحَّفَهُ تَصْحِيفًا شَنِيعًا ؛ فَقَالَ بِالْمُثَنَّاةِ بَدَلَ النُّونِ ، وَيُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظٍ يَجْعَلُهُ فِي حِجَابِهِ . زَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَسِتْرِهِ . قَوْلُهُ : ( فَيَقُولُ : عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ؛ فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا ؟ زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٍ : فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : فَيَقُولُ لَهُ : اقْرَأْ صَحِيفَتَكَ فَيَقْرَأُ ، وَيُقَرِّرُهُ بِذَنْبٍ ذَنْبٍ ، وَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ أَتَعْرِفُ ؟ قَوْلُهُ : ( فَيَقُولُ نَعَمْ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ أَيْ رَبِّ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٍ فَيَقُولُ : أَعْرِفُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَقُولُ : إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : فَيَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً ؛ فَيَقُولُ : لَا بَأْسَ عَلَيْكَ ، إِنَّكَ فِي سِتْرِي ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى ذُنُوبِكَ غَيْرِي . زَادَ هَمَّامٌ ، وَسَعِيدٌ ، وَهِشَامٌ فِي رِوَايَتِهِمْ : فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٍ فَيُطْوَى وَهُوَ خَطَأٌ . وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ : وَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُنَافِقُ ، وَلِبَعْضِهِمُ : الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٍ : وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ هُودٍ أَنَّ الْأَشْهَادَ جَمْعُ شَاهِدٍ مِثْلُ أَصْحَابٍ وَصَاحِبٍ ، وَهُوَ أَيْضًا جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي الْحَدِيثِ تَفَضُّلُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ بِسِتْرِهِ لِذُنُوبِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ أَنْفَذَ الْوَعِيدَ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّنْ يَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَسِتْرَهُ أَحَدًا إِلَّا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ؛ فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يُنَادَى عَلَيْهِمْ عَلَى رُؤوسِ الْأَشْهَادِ بِاللَّعْنَةِ . قُلْتُ : قَدِ اسْتَشْعَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا ؛ فَأَوْرَدَ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ هَذَا الْحَدِيثَ وَمَعَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ : إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجنَةِ . . الْحَدِيثَ ، فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالذُّنُوبِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَرَبِّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - دُونَ مَظَالِمِ الْعِبَادِ ، فَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى الْمُقَاصَصَةِ ، وَدَلَّ حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعُصَاةِ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ ثُمَّ يُخْرَجُ مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ هذه الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْعُصَاةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقِيَامَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا مَنْ مَعْصِيَتُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، فَدَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ عَلَى قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ تَكُونُ مَعْصِيَتُهُ مَسْتُورَةً فِي الدُّنْيَا فَهَذَا الَّذِي يَسْتُرُهَا اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامَةِ وَهُوَ بِالْمَنْطُوقِ ، وَقِسْمٌ تَكُونُ مَعْصِيَتُهُ مُجَاهَرَةً فَدَلَّ مَفْهُومُهُ عَلَى أَنَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَنْ تَكُونُ مَعْصِيَتُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ فَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا : قِسْمٌ تَرْجَحُ سَيِّئَاتُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ فَهَؤُلَاءِ يَقَعُونَ فِي النَّارِ ، ثُمَّ يُخْرَجُونَ بِالشَّفَاعَةِ ، وَقِسْمٌ تَتَسَاوَى سَيِّئَاتُهُمْ وَحَسَنَاتُهُمْ فَهَؤُلَاءِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَهُمُ التَّقَاصُّ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ وَهُوَ يَفْعَلُ فِي عِبَادِهِ مَا يَشَاءُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ · ص 503 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ستر المؤمن على نفسه · ص 139 98 - حدثنا مسدد ، حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن صفوان بن محرز أن رجلا سأل ابن عمر كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى ؟ قال : يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه ، فيقول : عملت كذا وكذا فيقول : نعم ، ويقول : عملت كذا وكذا فيقول : نعم ، فيقرره ، ثم يقول : إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم . قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة ؛ لأن الترجمة في ستر المؤمن ، والحديث في ستر الله عز وجل ، وأجيب بأن ستر الله مستلزم لستره ، وقيل : هو ستره إذ أفعال العبد مخلوقة لله تعالى . وأبو عوانة بفتح العين المهملة الوضاح اليشكري ، وصفوان بن محرز بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء ، وبالزاي في آخره المازني البصري ما له في البخاري سوى هذا الحديث ، وحديث آخر تقدم في بدء الخلق عنه ، عن عمران بن حصين ، وقد ذكرهما في عدة مواضع . والحديث مضى في المظالم عن موسى بن إسماعيل ، وفي التفسير عن مسدد ، وسيأتي في التوحيد عن مسدد أيضا ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : في النجوى هي المسارة التي تقع بين الله عز وجل وبين عبده المؤمن يوم القيامة ، قوله : يدنو من الدنو وهو القرب الرتبي لا القرب المكاني ، قوله : كنفه بفتح الكاف والنون بعدهما فاء ، وهو الساتر ، أي حتى يحيط به عنايته التامة ، وقد صحفه بعضهم تصحيفا شنيعا فقال : بالتاء المثناة من فوق بدل النون ، قوله : عملت بلفظ الخطاب كذا وكذا مرتين متعلق بالقول لا بالعمل ، قوله : فيقرره أي يجعله مقرا بذلك ، والحديث من المتشابهات ، فحكمه التفويض أو التأويل بما يليق به .