69 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وَمَا يُنْهَى عَنْ الْكَذِبِ 6094 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا ، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وَمَا يُنْهَى عَنِ الْكَذِبِ ) قَالَ الرَّاغِبُ : أَصْلُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْقَوْلِ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا وَعْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَلَا يَكُونَانِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ إِلَّا فِي الْخَبَرِ ، وَقَدْ يَكُونَانِ فِي غَيْرِهِ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالطَّلَبِ ، وَالصِّدْقُ مُطَابَقَةُ الْقَوْلِ الضَّمِيرَ وَالْمُخْبَرَ عَنْهُ ، فَإِنِ انْخَرَمَ شَرْطٌ لَمْ يَكُنْ صِدْقًا ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا أَوْ مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا عَلَى اعْتِبَارَيْنِ ، كَقَوْلِ الْمُنَافِقِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ صَدَقَ لِكَوْنِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ كَذَلِكَ ، ويَصِحُّ أَنْ يُقَالَ كَذَبَ لِمُخَالَفَةِ قَوْلِهِ لِضَمِيرِهِ . وَالصِّدِّيقُ مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الصِّدْقُ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ فِي كُلِّ مَا يَحِقُّ فِي الِاعْتِقَادِ ، وَيَحْصُلُ نَحْوَ صَدَقَ ظَنِّي ، وَفِي الْفِعْلِ نَحْوَ صَدَقَ فِي الْقِتَالِ ، وَمِنْهُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا اهـ مُلَخَّصًا . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ مَعَ الصَّادِقِينَ فَقِيلَ : مَعْنَاهُ مِثْلَهُمْ ، وَقِيلَ : مِنْهُمْ . قُلْتُ : وَأَظُنُّ الْمُصَنِّفَ لَمَّحَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَمَا أَدَّاهُ صِدْقُهُ فِي الْحَدِيثِ إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ لَهُ مَا وَقَعَ مِنْ تَرْكِ الْمُسْلِمِينَ كَلَامَهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ ، حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ ، وَقَالَ فِي قِصَّتِهِ : مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ ، أَعْظَمُ من نَفْسِي مِنْ صِدْقِي أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُ فَأَهْلَكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : الْكَذِبُ مِنْ قَبَائِحِ الذُّنُوبِ ، وَلَيْسَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ ، بَلْ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ ، وَلِذَلِكَ يُؤْذَنُ فِيهِ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الْمَصْلَحَةِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ - إِذَا لَمْ يَنْشَأْ عَنْهُ ضَرَرٌ - مُبَاحًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ ، فَلَا يُبَاحُ مِنْهُ إِلَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ : الْكَذِبُ يُجَانِبُ الْإِيمَانَ وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا وَقَالَ : الصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ قَالَ : يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ، وَشَاهِدُ الْمَرْفُوعِ مِنْ مُرْسَلِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ فِي الْمُوَطَّأِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : ظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَمْلُ حَدِيثِ صَفْوَانَ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ . قَوْلُهُ : ( جَرِيرٌ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ، وَأَمَّا جَرِيرٌ الْمَذْكُورُ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَهُوَ ابْنُ حَازِمٍ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الْهِدَايَةِ ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ الْمُوصِولَةُ إِلَى الْمَطْلُوبِ ، هَكَذَا وَقَعَ أَوَّلُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ : عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ ، فَإِنَّ الصِّدْقَ . وَفِيهِ : وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( إِلَى الْبِرِّ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَصْلُهُ التَّوَسُّعُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرَاتِ كُلِّهَا ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ الْخَالِصِ الدَّائِمِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - : إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ ، وَكَذَا زَادَهَا فِي الشِّقِّ الثَّانِي . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْه اللَّهِ صِدِّيقًا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْقِ . قَوْلُهُ : ( إنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ) قَالَ الرَّاغِبُ : أَصْلُ الْفَجْرِ الشَّقُّ ، فَالْفُجُورُ شَقُّ سِتْرِ الدِّيَانَةِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ إِلَى الْفَسَادِ ، وَعَلَى الِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلشَّرِّ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَكُونُ وَهُوَ وَزْنُ الْأَوَّلِ ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِظْهَارُهُ لِلْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى ، وَإِلْقَاءُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ بَلَاغًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً مُفِيدَةً ، وَلَفْظُهُ : لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ ، فَيُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ ، فَيُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ ، وَهُوَ قَصْدُهُ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ ، وَعَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ كَثُرَ مِنْهُ فَيُعْرَفُ بِهِ . قُلْتُ : وَالتَّقْيِيدُ بِالتَّحَرِّي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَلَفْظُهُ : وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ ، وَكَذَا قَالَ فِي الْكَذِبِ ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ ، وَأَوَّلُهُ عِنْدَهُ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ ، وَفِيهِ : وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ ، وَقَالَ فِيهِ : وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ فَذَكَرَهُ ، وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ تَوَقَّى الْكَذِبَ بِالْقَصْدِ الصَّحِيحِ إِلَى الصِّدْقِ صَارَ لَهُ الصِّدْقُ سَجِيَّةً حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْوَصْفَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ فِيهِمَا يَخْتَصُّ بِمَنْ يَقْصِدُ إِلَيْهِمَا فَقَطْ ، وإِنْ كَانَ الصَّادِقُ فِي الْأَصْلِ مَمْدُوحًا ، وَالْكَاذِبُ مَذْمُومًا . ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ فِي بِلَادِنَا وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْحُمَيْدِيُّ ، وَنَقَلَ أَبُو مَسْعُودٍ عَنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ مُثَنَّى ، وَابْنِ بَشَّارٍ زِيَادَةً : وَهِيَ إِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِبِ ; لِأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ مِنْهُ جِدٌّ وَلَا هَزْلٌ ، وَلَا يَعِدُ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ ثُمَّ يُخْلِفُهُ فَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي كِتَابِهِ ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَلَيْسَتْ عِنْدَنَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ ، وَالرَّوَايَا جَمْعُ رَوَّيَةٍ بِالتَّشْدِيدِ ، وَهُوَ مَا يَتَرَوَّى فِيهِ الْإِنْسَانُ قَبْلَ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ ، وَقِيلَ هُوَ جَمْعُ رِوَايَةٍ أَيْ لِلْكَذِبِ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ . قُلْتُ : لَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فِي الْأَطْرَافِ لِأَبِي مَسْعُودٍ وَلَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ فَلَعَلَّهُمَا ذَكَرَاهُ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وَمَا يُنْهَى عَنْ الْكَذِبِ · ص 523 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ · ص 152 باب قول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وما ينهى عن الكذب . أي : هذا باب في ذكر قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية ، قوله : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي مثلهم أو منهم ، والصادقون هم الذين يصدقون في قولهم وعملهم ، وقيل : في أيمانهم يوفون بما عاهدوا ، قوله : وما ينهى ، أي الباب أيضا في باب ما ينهى عن الكذب . 118 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا . وجه المطابقة بينه وبين الآية المذكورة ظاهر ، وهو أن الصدق يهدي إلى الجنة ، والآية فيها أيضا الأمر بالكون مع الصادقين ، والكون معهم أيضا يهدي إلى الجنة . وعثمان بن أبي شيبة أخو أبي بكر بن أبي شيبة ، واسم أبي شيبة إبراهيم ، وهو جد عثمان ؛ لأنه ابن محمد بن إبراهيم ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وعبد الله هو ابن مسعود . والحديث أخرجه مسلم في الأدب أيضا ، عن عثمان ، وعن أخيه أبي بكر بن أبي شيبة . قوله : يهدي من الهداية ، وهي الدلالة الموصلة إلى البغية ، قوله : إلى البر بكسر الباء الموحدة وتشديد الراء ، وهو العمل الصالح الخالص من كل مذموم ، وهو اسم جامع للخيرات كلها ، قوله : صديقا بكسر الصاد وتشديد الدال ، وهو صيغة المبالغة ، قوله : إلى الفجور وهو الميل إلى الفساد ، وقيل : الانبعاث في المعاصي ، وهو جامع للشرور وهما متقابلان ، قال الله عز وجل : إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ قوله : حتى يكتب ، أي يحكم له ، وفي رواية الكشميهني حتى يكون ، والمراد : الإظهار للمخلوقين إما للملأ الأعلى ، وإما أن يلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم ، وإلا فحكم الله أزلي ، والغرض أنه يستحق وصف الصديقين وثوابهم ، وصفة الكذابين وعقابهم ، وكيف لا وإنه من علامات النفاق ، ولعله لم يقل في الصديق بلفظ يكتب إشارة إلى أن الصديق من جملة الذين قال الله فيهم : الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ فإن قلت : حديث عبد الله هذا يعارضه حديث صفوان بن سليم الذي رواه مالك عنه أنه قيل للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : أيكون المؤمن كذابا ؟ قال : لا ، وحديث : يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب ، قلت : المراد بالمؤمن في حديث صفوان المؤمن الكامل ، أي لا يكون المؤمن المستكمل لأعلى درجات الإيمان كذابا حتى يغلبه الكذب ؛ لأن كذابا وزنه فعال ، وهو من أبنية المبالغة لمن يكثر الكذب منه ، ويتكرر حتى يعرف به ، وكذلك الكذوب ، وكذلك الكلام في الحديث الآخر .