باب قول الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا . وجه المطابقة بينه وبين الآية المذكورة ظاهر ، وهو أن الصدق يهدي إلى الجنة ، والآية فيها أيضا الأمر بالكون مع الصادقين ، والكون معهم أيضا يهدي إلى الجنة . وعثمان بن أبي شيبة أخو أبي بكر بن أبي شيبة ، واسم أبي شيبة إبراهيم ، وهو جد عثمان ؛ لأنه ابن محمد بن إبراهيم ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وعبد الله هو ابن مسعود .
والحديث أخرجه مسلم في الأدب أيضا ، عن عثمان ، وعن أخيه أبي بكر بن أبي شيبة . قوله : يهدي من الهداية ، وهي الدلالة الموصلة إلى البغية ، قوله : إلى البر بكسر الباء الموحدة وتشديد الراء ، وهو العمل الصالح الخالص من كل مذموم ، وهو اسم جامع للخيرات كلها ، قوله : صديقا بكسر الصاد وتشديد الدال ، وهو صيغة المبالغة ، قوله : إلى الفجور وهو الميل إلى الفساد ، وقيل : الانبعاث في المعاصي ، وهو جامع للشرور وهما متقابلان ، قال الله عز وجل : ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾قوله : حتى يكتب ، أي يحكم له ، وفي رواية الكشميهني حتى يكون ، والمراد : الإظهار للمخلوقين إما للملأ الأعلى ، وإما أن يلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم ، وإلا فحكم الله أزلي ، والغرض أنه يستحق وصف الصديقين وثوابهم ، وصفة الكذابين وعقابهم ، وكيف لا وإنه من علامات النفاق ، ولعله لم يقل في الصديق بلفظ يكتب إشارة إلى أن الصديق من جملة الذين قال الله فيهم : الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ فإن قلت : حديث عبد الله هذا يعارضه حديث صفوان بن سليم الذي رواه مالك عنه أنه قيل للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : أيكون المؤمن كذابا ؟ قال : لا ، وحديث : يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب ، قلت : المراد بالمؤمن في حديث صفوان المؤمن الكامل ، أي لا يكون المؤمن المستكمل لأعلى درجات الإيمان كذابا حتى يغلبه الكذب ؛ لأن كذابا وزنه فعال ، وهو من أبنية المبالغة لمن يكثر الكذب منه ، ويتكرر حتى يعرف به ، وكذلك الكذوب ، وكذلك الكلام في الحديث الآخر .