81 - بَاب الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : خَالِطِ النَّاسَ ، وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ ، وَالدُّعَابَةِ مَعَ الْأَهْلِ 6129 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ قَوْلُهُ : ( بَابُ الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَعَ النَّاسِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : خَالِطِ النَّاسَ وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مِنَ الْكَلْمِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الْجَرْحُ وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَرُوِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ الْكَافِ وَالنُّونُ مُشَدَّدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ . وَقَوْلُهُ : وَدِينَكَ يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ وَالرَّفْعُ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ بِمُوَحَّدَتَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : خَالِطُوا النَّاسَ وَصَافُوهُمْ بِمَا يَشْتَهُونَ ، وَدِينُكُمْ لَا تَكْلِمُنَّهُ وَهَذِهِ بِضَمِّ الْمِيمِ لِلْجَمِيعِ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ : خَالِطُوا النَّاسَ وَزَايِلُوهُمْ فِي الْأَعْمَالِ وَعَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ : وَانْظُرُوا أَلَّا تَكْلِمُوا دِينَكُمْ . قَوْلُهُ : ( وَالدُّعَابَةُ مَعَ الْأَهْلِ ) هُوَ بَقِيَّةُ التَّرْجَمَةِ مَعْطُوفٌ عَلَى الِانْبِسَاطِ فهو بِالْجَرِّ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى بَابٍ فَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ ، وَالدُّعَابَةُ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدَ الْأَلِفٍ مُوَحَّدَةٌ هِيَ الْمُلَاطَفَةُ فِي الْقَوْلِ بِالْمِزَاحِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا ، قَالَ : إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا ، وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ لَا تُمَارِ أَخَاكَ وَلا تُمَازِحْهُ الْحَدِيثَ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا فِيهِ إِفْرَاطٌ أَوْ مُدَاوَمَةٌ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَالتَّفَكُّرِ فِي مُهِمَّاتِ الدِّينِ ، وَيَئُولُ كَثِيرًا إِلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَالْإِيذَاءِ وَالْحِقْدِ وَسُقُوطِ الْمَهَابَةِ وَالْوَقَارِ ، وَالَّذِي يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْمُبَاحُ ، فَإِنْ صَادَفَ مَصْلَحَةً مِثْلَ تَطَييبِ نَفْسِ الْمُخَاطَبِ ، وَمُؤَانَسَتِهِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : مِنَ الْغَلَطِ أَنْ يُتَّخَذَ الْمِزَاحُ حِرْفَةً ، وَيُتَمَسَّكُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَزَحَ ، فَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ مَعَ الرِّيحِ حَيْثُ دَارَ ، وَيَنْظُرُ رَقْصَهُمْ ، وَيُتَمَسَّكُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِعَائِشَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِمْ . وذكر فيه حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ النُّغَيْرِ ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ · ص 543 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الانبساط إلى الناس · ص 169 باب الانبساط إلى الناس . أي : هذا باب في بيان جواز الانبساط إلى الناس ، وفي رواية الكشميهني مع الناس ، والمراد به أن يتلقى الناس بوجه بشوش ، وينبسط معهم بما ليس فيه ما ينكره الشرع ، وما يرتكب فيه الإثم ، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أحسن الأمة أخلاقا وأبسطهم وجها ، وقد وصفه الله عز وجل بذلك بقوله : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ فكان ينبسط إلى النساء والصبيان ، ويداعبهم ويمازحهم ، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم : إني لأمزح ولا أقول إلا حقا ، فينبغي للمؤمن الاقتداء بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : خالط الناس ، ودينك لا تكلمنه . ذكر هذا التعليق عن عبد الله بن مسعود إشارة إلى أن الانبساط مع الناس والمخالطة بهم مشروع ، ولكن بشرط أن لا يحصل في دينه خلل ، ويبقى صحيحا ، وهو معنى قوله : ودينك لا تكلمنه من الكلم بفتح الكاف وسكون اللام ، وهو الجرح ، ويجوز في دينك الرفع والنصب : أما الرفع فعلى أنه مبتدأ ، ولا تكلمنه خبره ، وأما النصب فعلى شريطة التفسير ، والتقدير : لا تكلمن دينك ، وفسر المذكور المقدر فافهم . وقد وصل التعليق المذكور الطبراني في الكبير من طريق عبد الله بن بابا بباءين موحدتين ، عن ابن مسعود : خالطوا الناس وصافوهم بما يشتهون ودينكم فلا تكلمنه . والدعابة مع الأهل . والدعابة بالجر عطفا على الانبساط ، وهي من بقية الترجمة ، وهي بضم الدال ، وتخفيف العين المهملة ، وبعد الألف باء موحدة وهي الملاطفة في القول بالمزاح من دعب يدعب فهو دعاب ، قال الجوهري ، أي لعاب ، والمداعبة الممازحة ، وأما المزاح فهو بضم الميم ، وقد مزح يمزح ، والاسم المزاح بالضم ، والمزاحة أيضا ، وأما المزح بكسر الميم فهو مصدر ، وروى الترمذي من حديث أبي هريرة قال : قالوا يا رسول الله ، إنك تلاعبنا ، قال : إني لا أقول إلا حقا ، وحسنه الترمذي ، فإن قلت : قد أخرج من حديث ابن عباس رفعه : لا تمار أخاك ، أي لا تخاصمه ، ولا تمازحه الحديث . قلت : يجمع بينهما بأن المنهي عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه ؛ لأنها تئول إلى الإيذاء والمخاصمة ، وسقوط المهابة والوقار ، والذي يسلم من ذلك هو المباح فافهم . 153 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا أبو التياح قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير : يا با عمير ، ما فعل النغير . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو التياح مضى عن قريب في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : يسروا . والحديث أخرجه مسلم في الصلاة ، وفي الاستئذان ، وفي فضائل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي الربيع الزهراني ، وأخرجه الترمذي في الصلاة ، وفي البر عن هناد عن وكيع ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن إسماعيل بن مسعود وغيره ، وأخرجه ابن ماجه في الأدب عن علي بن محمد الطنافسي . قوله : يخالطنا ، أي يلاطفنا بطلاقة الوجه والمزح ، قوله : يا با عمير أصله يا أبا عمير حذفت الألف للتخفيف ، وعمير تصغير عمر ، وهو ابن أبي طلحة الأنصاري ، واسمه زيد بن سهل ، وهو أخو أنس بن مالك لأمه ، وأمهما أم سليم ، مات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يداعب معه النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : يا با عمير ، ما فعل النغير بضم النون وفتح الغين المعجمة مصغر نغر بضم النون وفتح الغين ، وهو جمع نغرة طير كالعصفور محمر المنقار ، وبتصغيره جاء الحديث ، والجمع : نغران كصرد وصردان ، ومعنى : ما فعل النغير ، أي ما شأنه وحاله ؟ وقال الراغب : الفعل التأثير من جهة مؤثره ، والعمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد وهو أخص من الفعل ؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد ، وقد ينسب إلى الجمادات .