6130 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ ، فَيَلْعَبْنَ مَعِي . وحَدِيثُ عَائِشَةَ كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ ، وَمُحَمَّدٌ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِيَ ) أَيْ مِنْ أَقْرَانِهَا . قَوْلُهُ : ( يَتَقَمَّعَنَ ) بِمُثَنَّاةٍ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُنَّ يَتَغَيَّبْنَ مِنْهُ ، وَيَدْخُلْنَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَمْعِ التَّمْرَةِ أَيْ يَدْخُلْنَ فِي السِّتْرِ كَمَا يُدْخِلْنَ التَّمْرَةَ فِي قِمَعِهَا . قَوْلُهُ : ( فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ ) بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَيْ يُرْسِلُهُنَّ . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ صُوَرِ الْبَنَاتِ وَاللَّعِبِ مِنْ أَجْلِ لَعِبِ الْبَنَاتِ بِهِنَّ ، وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ ، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ ، وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْعَ اللَّعِبِ لِلْبَنَاتِ لِتَدْرِيبِهِنَّ مِنْ صِغَرِهِنَّ عَلَى أَمْرِ بُيُوتِهِنَّ وَأَوْلَادِهِنَّ . قَالَ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَإِلَيْهِ مَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَحَكَى عَنِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ لِابْنَتِهِ الصُّوَرَ ، وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَقَدْ تَرْجَمَ ابْنُ حِبَّانَ الْإِبَاحَةَ لِصِغَارِ النِّسَاءِ اللَّعِبَ بِاللِّعَبِ ، تَرْجَمَ إِبَاحَةَ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ اللَّعِبَ بِالْبَنَاتِ ، فَلَمْ يُقَيَّدْ بِالصِّغَرِ وَفِيهِ نَظَرٌ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ : ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ لِعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : إِنْ كَانَتِ اللُّعَبُ كَالصُّورَةِ فَهُوَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ، وَإِلَّا فَقَدْ يُسَمَّى مَا لَيْسَ بِصُورَةٍ لُعْبَةً ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْحَلِيمِيُّ فَقَالَ : إِنْ كَانَتْ صُورَةٌ كَالْوَثَنِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ ، وَقِيلَ : مَعْنَى الْحَدِيثِ اللَّعِبُ مَعَ الْبَنَاتِ أَيِ الْجَوَارِي ، وَالْبَاءُ هُنَا بِمَعْنَى مَعَ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ ، وَرَدَّهُ . قُلْتُ : وَيَرُدُّهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي الْجَامِعِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكُنَّ جِوَارِي يَأْتِينَ فَيَلْعَبْنَ بِهَا مَعِيَ وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، عَنْ هِشَامٍ كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ وَهُنَّ اللُّعَبُ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَغَيْرُهُ ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي هَتْكِهِ السِّتْرَ الَّذِي نَصَبَتْهُ عَلَى بَابِهَا قَالَتْ : فَكَشَفَ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَلَى بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ : مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ قَالَتْ : بَنَاتِي . قَالَتْ : وَرَأَى فِيهَا فَرَسًا مَرْبُوطًا لَهُ جَنَاحَانِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قُلْتُ : فَرَسٌ . قَالَ : فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ ؟ قُلْتُ : أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ خَيْلٌ لَهَا أَجْنِحَةٌ ؟ فَضَحِكَ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِاللُّعَبِ غَيْرُ الْآدَمِيَّاتِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّعِبَ بِالْبَنَاتِ لَيْسَ كَالتَّلَهِّي بِسَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا الْوَعِيدُ : وَإِنَّمَا أَرْخَصَ لِعَائِشَةَ فِيهَا لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغٍ . قُلْتُ : وَفِي الْجَزْمِ بِهِ نَظَرٌ ، لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ ; لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِنْتَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً إِمَّا أَكْمَلَتْهَا أَوْ جَاوَزَتْهَا أَوْ قَارَبَتْهَا . وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَطْعًا ، فَيَتَرَجَّحُ في رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فِي خَيْبَرَ ، وَيُجْمَعُ بِمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنَ التَّعَارُضِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ · ص 543 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الانبساط إلى الناس · ص 170 154 - حدثنا محمد ، أخبرنا أبو معاوية ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان لي صواحب يلعبن معي ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي . مطابقته للترجمة من حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينبسط إلى عائشة حيث يرضى بلعبها بالبنات ، ويرسل إليها صواحبها حتى يلعبن معها ، وكانت عائشة حينئذ غير بالغة ، فلذلك رخص لها ، والكراهة فيها قائمة للبوالغ . ومحمد هو ابن سلام ، وجوز الكرماني أن يكون محمد بن المثنى ، وأبو معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي ، وهشام هو ابن عروة ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها . والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن أبي كريب عن أبي معاوية . قوله : بالبنات وهي التماثيل التي تسمى لعب البنات وهي مشهورة ، وقال الداودي : يحتمل أن تكون الباء بمعنى مع ، والبنات الجواري ، قوله : صواحب جمع صاحبة ، وهي الجواري من أقرانها ، قوله : إذا دخل ، أي البيت ، قوله : ينقمعن منه ، أي يذهبن ويستترن من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو من الانقماع من باب الانفعال ، وهو رواية الكشميهني ، وعند غيره : يتقمعن من التقمع من باب التفعل ، ومادته قاف وميم وعين مهملة ، وقال أبو عبيد : يتقمعن يعني يدخلن البيت ، ويغبن ، ويقال : الإنسان قد انقمع وتقمع إذا دخل في الشيء . وقال الأصمعي : ومنه سمي القمع الذي يصب فيه الدهن وغيره ؛ لدخوله في الإناء ، قوله : فيسربهن بالسين المهملة ، أي يرسلهن من التسريب وهو الإرسال والتسريح ، والسارب الذاهب ، يقال : سرب عليه الخيل ، وهو أن يبعث عليه الخيل قطعة بعد قطعة ، قوله : إلي بتشديد الياء المفتوحة ، واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور اللعب من أجل لعب البنات بهن ، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور ، وبه جزم عياض ، ونقله عن الجمهور ، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدربهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن . قال : وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ ، وإليه مال ابن بطال ، وقد ترجم له ابن حبان الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب ، وترجم له النسائي إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات ، ولم يقيد بالصغر ، وفيه نظر ، وجزم ابن الجوزي بأن الرخصة لعائشة في ذلك كان قبل التحريم ، وقال المنذري : إن كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم ، وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة . وقال الخطابي في هذا الحديث : إن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد ، وإنما أرخص لعائشة رضي الله تعالى عنها فيها ؛ لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ .