باب الانبساط إلى الناس
حدثنا محمد ، أخبرنا أبو معاوية ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان لي صواحب يلعبن معي ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي . مطابقته للترجمة من حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينبسط إلى عائشة حيث يرضى بلعبها بالبنات ، ويرسل إليها صواحبها حتى يلعبن معها ، وكانت عائشة حينئذ غير بالغة ، فلذلك رخص لها ، والكراهة فيها قائمة للبوالغ . ومحمد هو ابن سلام ، وجوز الكرماني أن يكون محمد بن المثنى ، وأبو معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي ، وهشام هو ابن عروة ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها .
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن أبي كريب عن أبي معاوية . قوله : بالبنات وهي التماثيل التي تسمى لعب البنات وهي مشهورة ، وقال الداودي : يحتمل أن تكون الباء بمعنى مع ، والبنات الجواري ، قوله : صواحب جمع صاحبة ، وهي الجواري من أقرانها ، قوله : إذا دخل ، أي البيت ، قوله : ينقمعن منه ، أي يذهبن ويستترن من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو من الانقماع من باب الانفعال ، وهو رواية الكشميهني ، وعند غيره : يتقمعن من التقمع من باب التفعل ، ومادته قاف وميم وعين مهملة ، وقال أبو عبيد : يتقمعن يعني يدخلن البيت ، ويغبن ، ويقال : الإنسان قد انقمع وتقمع إذا دخل في الشيء . وقال الأصمعي : ومنه سمي القمع الذي يصب فيه الدهن وغيره ؛ لدخوله في الإناء ، قوله : فيسربهن بالسين المهملة ، أي يرسلهن من التسريب وهو الإرسال والتسريح ، والسارب الذاهب ، يقال : سرب عليه الخيل ، وهو أن يبعث عليه الخيل قطعة بعد قطعة ، قوله : إلي بتشديد الياء المفتوحة ، واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور اللعب من أجل لعب البنات بهن ، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور ، وبه جزم عياض ، ونقله عن الجمهور ، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدربهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن .
قال : وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ ، وإليه مال ابن بطال ، وقد ترجم له ابن حبان الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب ، وترجم له النسائي إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات ، ولم يقيد بالصغر ، وفيه نظر ، وجزم ابن الجوزي بأن الرخصة لعائشة في ذلك كان قبل التحريم ، وقال المنذري : إن كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم ، وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة . وقال الخطابي في هذا الحديث : إن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد ، وإنما أرخص لعائشة رضي الله تعالى عنها فيها ؛ لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ .