22 - بَاب فَضْلِ الْعِشَاءِ 566 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ ، قَالَتْ : أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ : نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ، فَخَرَجَ فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ : مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرَكُمْ . قَوْله : ( بَابُ فَضْلِ الْعِشَاءِ ) لَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْعِشَاءِ بِفَضِيلَةٍ ظَاهِرَةٍ ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ : مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ فَعَلَى هَذَا فِي التَّرْجَمَةِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : بَابُ فَضْلِ انْتِظَارِ الْعِشَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْله : ( عَنْ عُرْوَةَ ) عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ . قَوْله : ( وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ ، وَإِنَّمَا فَشَا الْإِسْلَامُ فِي غَيْرِهَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ . قَوْله : ( حَتَّى قَالَ عُمَرُ ) زَادَ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي بَابِ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ : حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ : الصَّلَاةَ . وَهِيَ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ مَثَلًا صَلِّ الصَّلَاةَ ، وَسَاغَ هَذَا الْحَذْفُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ . قَوْله : ( نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ) أَيِ الْحَاضِرُونَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الصَّبْرِ عَنِ النَّوْمِ ، وَمَحَلُّ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ . وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي رَقَدَ بَعْضُهُمْ لَا كُلُّهُمْ ، وَنُسِبَ الرُّقَادُ إِلَى الْجَمِيعِ مَجَازًا . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ الْعِشَاءِ · ص 56 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فضل العشاء · ص 179 22 - باب فضل العشاء فيه حديثان : الأول : 566 - حدثنا يحيى بن بكير : ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، أن عائشة أخبرته ، قالت : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء ، وذلك قبل أن يفشو الإسلام ، فلم يخرج حتى قال عمر : نام النساء والصبيان ، فخرج ، فقال لأهل المسجد : ( ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم ) . قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم ) ، قد فهمت منه عائشة - رضي الله عنها - أن الصلاة لم يكن يجتمع لها بغير المدينة . وقد خرجه البخاري في موضع آخر ، وفيه : قال : ( ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة ) ، ولعل هذا مدرج من قول الزهري أو عروة ، وقد كان يصلى بالمدينة في غير مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كمسجد قباء وغيره من مساجد قبائل الأنصار . وقد روي ما يدل على أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه لا يصليها أحد من أهل الأديان غير المسلمين . ففي ( صحيح مسلم ) من حديث منصور ، عن الحكم ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة عشاء الآخرة ، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده ، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك ؟ فقال حين خرج : ( إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ) ، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى . وخرج الإمام أحمد من رواية عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود ، قال : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء ، ثم خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة ، فقال : ( أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم ) ، قال : وأنزلت هؤلاء الآيات : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ . وخرجه يعقوب بن شيبة في ( مسنده ) ، وقال : صالح الإسناد . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من رواية عاصم بن حميد السكوني ، أنه سمع معاذ بن جبل قال : رقبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العتمة ، فتأخر حتى خرج ، فقال : ( أعتموا بهذه الصلاة ؛ فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ، ولم تصلها أمة قبلكم ) . وعاصم هذا ؛ وثقه ابن حبان والدارقطني ، وهو من أصحاب معاذ . وخرج أبو مسلم الكجي في ( سننه ) من حديث الشعبي ، قال : بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر صلاة العشاء ذات ليلة حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، ثم جاء ، فقال : ( هذه الصلاة لم يعطها أحد من الأمم قبلكم - أو غيركم - ؛ فمن كان طالبا إلى الله عز وجل حاجة لآخرة أو دنيا فليطلبها في هذه الصلاة ) . وقد دلت هذه الأحاديث على فضل ذكر الله تعالى في الأوقات التي يغفل عموم الناس فيها ، ولهذا فضل التهجد في وسط الليل على غيره من الأوقات ؛ لقلة من يذكر الله في تلك الحال . وفي ( المسند ) عن أبي ذر ، قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي قيام الليل أفضل ؟ قال : ( جوف الليل الغابر - أو نصف الليل - وقليل فاعله ) . وفي الترمذي عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن ) . قال بعض السلف : ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة ، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس هلك الناس . ورويناه مرفوعا بإسناد ضعيف ، عن ابن عمر - مرفوعا - : ( ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل عن الفارين ، وذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي تحات ورقه من الصريد ) - والصريد : البرد الشديد - ( والذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل رطب ويابس ، وذاكر الله في الغافلين يعرف مقعده من الجنة ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل العشاء · ص 63 ( باب فضل العشاء ) أي هذا باب في بيان فضل العشاء ، ووجه المناسبة بين هذه الأبواب ظاهر . 43 - ( حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، أن ( عائشة ) أخبرته قالت : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء ، وذلك قبل أن يفشو الإسلام ، فلم يخرج حتى قال عمر : نام النساء والصبيان فخرج فقال لأهل المسجد : ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم ) . قال بعضهم : لم أر من تكلم على هذه الترجمة ، فإنه ليس في الحديثين اللذين ذكرهما المؤلف في هذا الباب ما يقتضي اختصاص العشاء بفضيلة ظاهرة ، وكأنه مأخوذ من قوله : ( ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم ) ، فعلى هذا في الترجمة حذف ، تقديره : باب فضل انتظار العشاء ، ( قلت ) : هذا القائل نفى أولا كلام الناس على هذه الترجمة ، ثم ذكر شيئا ادعى أنه تفرد به ، وهو ليس بشيء ؛ لأن كلامه آل إلى أن الفضل لانتظار العشاء لا للعشاء ، والترجمة في أن الفضل للعشاء ، فنقول : مطابقته للترجمة من حيث إن العشاء عبادة قد اختصت بالانتظار لها من بين سائر الصلوات ، وبهذا ظهر فضلها ، فحسن قوله باب فضل العشاء . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : كلهم ذكروا غير مرة ، والليث هو ابن سعد ، وعقيل - بضم العين - بن خالد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وعروة بن الزبير بن العوام . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه الإخبار بتأنيث الفعل المفرد من الماضي ، وفيه القول ، وفيه عن عروة وعند مسلم في رواية يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة ، وفيه رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابية . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه ) أخرجه البخاري أيضا في باب النوم قبل العشاء لمن غلب عليه ، وهو الباب الذي يلي الباب الذي قبل الباب الذي نحن فيه ، وأخرجه مسلم أيضا بإسناد الباب ، ولفظ مسلم : ( أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة من الليالي بصلاة العشاء ، وهي التي تدعى العتمة ) . قال ابن شهاب : وذكر لي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : وما كان لكم أن تبرزوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصلاة ، وذلك حين صاح عمر - رضي الله تعالى عنه - قال ابن شهاب : ولا يصلي يومئذ إلا بالمدينة ، قال : وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول . وأخرج مسلم من حديث أم كلثوم ، عن عائشة : ( أعتم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل ، وحتى نام أهل المسجد ، ثم خرج فصلى ، وقال : إنه لوقتها ، لولا أن يشق على أمتي ) . ( ذكر معناه ) قوله : ( أعتم ) ، أي : دخل في العتمة ، ومعناه : أخر صلاة العتمة . وذكر ابن سيده : العتمة : ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق ، وقيل : عن وقت صلاة العشاء الآخرة ، وقيل : هي بقية الليل ، وفي ( المصنف ) : حدثنا وكيع ، حدثنا شريك ، عن أبي فزارة ، عن ميمون بن مهران قال : قلت لابن عمر : من أول من سماها العتمة ؟ قال : الشيطان ، قوله : ( وذلك قبل أن يفشو الإسلام ) ، أي : قبل أن يظهر ، يعني : في غير المدينة ، وإنما فشا الإسلام في غيرها بعد فتح مكة ، قوله : ( حتى قال عمر - رضي الله عنه - ، وفي رواية للبخاري تأتي من رواية صالح ، عن ابن شهاب : ( حتى ناداه عمر الصلاة ) بالنصب بفعل مضمر تقديره : صل الصلاة ، ونحوها ، قوله : ( نام النساء والصبيان ) أراد بهم الحاضرين في المسجد لا النائمين في بيوتهم ، وإنما خص هؤلاء بالذكر ؛ لأنهم مظنة قلة الصبر على النوم ومحل الشفقة والرحمة ، قوله : ( ما ينتظرها ) ، أي : الصلاة في هذه الساعة ، وذلك إما أنه لا يصلي حينئذ إلا بالمدينة ، وإما لأن سائر الأقوام ليست في أديانهم صلاة في هذا الوقت ، قوله : ( غيركم ) بالرفع صفة لأحد ، ووقع صفة للنكرة ؛ لأنه لا يتعرف بالإضافة إلى المعرفة ، لتوغله في الإبهام ، اللهم إلا إذا أضيف إلى المشتهر بالمغايرة ، ويجوز أن يكون بدلا من لفظ أحد ، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه : أن قوله : ( أعتم ليلة ) يدل على أن غالب أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تقديم العشاء ، وفيه جواز النوم قبل العشاء ، وهو الذي بوب عليه البخاري ، باب النوم قبل العشاء لمن غلب ، وفيه الدلالة على فضيلة العشاء ، كما بيناها في أول الباب ، وفيه جواز الإعلام للإمام بأن يخرج للصلاة إذا كان في بيته ، وفيه لطف النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وتواضعه حيث لم يقل شيئا عند مناداة عمر - رضي الله عنه .