102 - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَقَدْ قَالَ : إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَقَوْلِهِ : إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ، كَقَوْلِهِ : لَا مُلْكَ إِلَّا الِلَّهِ ، فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا 6183 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ، وَقَدْ قَالَ : إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَقَوْلِهِ : إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ، كَقَوْلِهِ : لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ ، فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا غَرَضُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَصْرَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ الْأَحَقَّ بِاسْمِ الْكَرْمِ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَمَّى كَرْمًا ، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِنَّمَا الْمُفْلِسُ مَنْ ذُكِرَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ مَنْ يُفْلِسُ فِي الدُّنْيَا لَا يُسَمَّى مُفْلِسًا ، وَبِقَوْلِهِ إِنَّمَا الصُّرَعَةُ كَذَلِكَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ ؛ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غَيْرُهُ مَلِكًا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُلْكَ الْحَقِيقِيَّ وَإِنْ سُمِّيَ غَيْرُهُ مَلِكًا ، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ الْمُلُوكَ ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ عِدَّةُ أَمْثِلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالَ الْمَلِكُ ؛ فِي صَاحِبِ يُوسُفَ وَغَيْرِهِ ، وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ تَرْكُ الْمُبَالَغَةِ وَالْإِغْرَاقِ فِي الْوَصْفِ إِذَا كَانَ الْمَوْصُوفُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الْمُفْلِسُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الرِّقَاقِ ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الصُّرَعَةُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا ، وَحَدِيثُ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ أَبْغَضِ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ هُنَا بِلَفْظِ : لَا مُلْكَ إِلَّا لِلَّهِ ؛ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَحَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا ، وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّائِقُ لِلسِّيَاقِ . قَوْلُهُ : ( وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدٍ . وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ : لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ كَرْمًا ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ ، إِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ : لَا تَقُولُوا الْكَرْمَ ، وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبَ وَالْحَبْلَةَ . قَالُوا : وَفِي قَوْلِهِ فِي الْبَابِ وَيَقُولُونَ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ حُذِفَ هُنَا ، وَكَأَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ : يَقُولُونَ ؛ بِغَيْرِ وَاوٍ ، أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ ، وَذَكَرَهُ بِالْوَاوِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ ، وَقَالَ مَرَّةً : يَبْلُغُ بِهِ ، وَقَالَ مَرَّةً : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، وَعَمْرٍو النَّاقِدِ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا السَّنَدِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُولُوا كَرْمٌ ، فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ . وَقَوْلُهُ : وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ ، وهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ؛ أَيْ : يَقُولُونَ الْكَرْمُ شَجَرُ الْعِنَبِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ : إِنَّ اسْمَ الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ فِي الْكُتُبِ الْكَرْمُ مِنْ أَجْلِ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى الْخَلِيقَةِ ، وَإِنَّكُمْ تَدْعُونَ الْحَائِطَ مِنَ الْعِنَبِ الْكَرْمَ الْحَدِيثَ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ تَأْكِيدُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِمَحْوِ اسْمِهَا ، وَلِأَنَّ فِي تَبْقِيَةِ هَذَا الِاسْمِ لَهَا تَقْرِيرًا لِمَا كَانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِنْ تَكَرُّمِ شَارِبِهَا فَنَهَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا كَرْمًا ، وَقَالَ : إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ وَهُدَى الْإِسْلَامِ ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْعِنَبَ كَرْمًا لِأَنَّ الْخَمْرَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْهُ تَحُثُّ عَلَى السَّخَاءِ وَتَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ : وَالْخَمْرُ مُشْتَقَّةُ الْمَعْنَى مِنَ الْكَرْمِ وَقَالَ آخَرُ : شُقِقْتُ مِنَ الصِّبَى وَاشْتُقَّ مِنِّي كَمَا اشْتُقَّتْ مِنَ الْكَرْمِ الْكُرُومُ فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْكَرْمِ حَتَّى لَا يُسَمُّوا أَصْلَ الْخَمْرِ بِاسْمٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الْكَرْمِ ، وَجُعِلَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّقِي شُرْبَهَا وَيَرَى الْكَرَمَ فِي تَرْكِهَا أَحَقَّ بِهَذَا الِاسْمِ ، انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُ الْأَزْهَرِيِّ : سُمِّيَ الْعِنَبُ كَرْمًا لِأَنَّهُ ذُلِّلَ لِقَاطِفِهِ وَلَيْسَ فِيهِ سُلَّاءٌ يَعْقِرُ جَانِيهِ وَيَحْمِلُ الْأَصْلَ مِنْهُ مِثْلَ مَا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فَأَكْثَرُ ، وَكُلِّ شَيْءٍ كَثُرَ فَقَدْ كَرُمَ ، فَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقِ لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَنْسَبُ لِلنَّهْيِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : النَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا وَعَنْ تَسْمِيَةِ شَجَرِهَا أَيْضًا لِلْكَرَاهِيَةِ . وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ ، عَنِ الْمَازِرِيِّ أَنَّ السَّبَبَ فِي النَّهْيِ أَنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الْخَمْرُ وَكَانَتْ طِبَاعُهُمْ تَحُثُّهُمْ عَلَى الْكَرَمِ كَرِهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسَمَّى هَذَا الْمُحَرَّمُ بِاسْمٍ تَهِيجُ طِبَاعُهُمْ إِلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْمُحَرِّكِ لَهُمْ ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ مَحِلَّ النَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ تَسْمِيَةُ الْعِنَبِ كَرْمًا ، وَلَيْسَتِ الْعِنَبَةُ مُحَرَّمَةً ، وَالْخَمْرُ لَا تُسَمَّى عِنَبَةً بَلِ الْعِنَبُ قَدْ يُسَمَّى خَمْرًا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ . قُلْتُ : وَالَّذِي قَالَهُ الْمَازِرِيُّ مُوَجَّهٌ ; لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى إِرَادَةِ حَسْمِ الْمَادَّةِ بِتَرْكِ تَسْمِيَةِ أَصْلِ الْخَمْرِ بِهَذَا الِاسْمِ الْحَسَنِ ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ تَارَةً عَنِ الْعِنَبِ وَتَارَةً عَنْ شَجَرَةِ الْعِنَبِ فَيَكُونُ التَّنْفِيرُ بِطَرِيقِ الْفَحْوَى ; لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ تَسْمِيَةِ مَا هُوَ حَلَالٌ فِي الْحَالِ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ لِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ بِالْقُوَّةِ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْ تَسْمِيَةِ مَا يُنْهَى عَنْهُ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ أَحْرَى . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ مَا مُلَخَّصُهُ : لَمَّا كَانَ اشْتِقَاقُ الْكَرَمِ مِنَ الْكَرْمِ ، وَالْأَرْضُ الْكَرِيمَةُ هِيَ أَحْسَنُ الْأَرْضِ فَلَا يَلِيقُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِلَّا عَنْ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ خَيْرُ الْحَيَوَانِ ، وَخَيْرُ مَا فِيهِ قَلْبُهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا صَلَحَ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَهُوَ أَرْضٌ لِنَبَاتِ شَجَرَةِ الْإِيمَانِ . قَالَ : وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ - بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى أَوْ بِهِمَا أَوْ مُشْتَقًّا مِنْهُ أَوْ مُسَمًّى بِهِ - إِنَّمَا يُضَافُ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَأَهْلَهُ وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى مَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ، وَفِي تَشْبِيهِ الْكَرْمِ بِقَلْبِ الْمُؤْمِنِ مَعْنًى لَطِيفٌ ; لِأَنَّ أَوْصَافَ الشَّيْطَانِ تَجْرِي مَعَ الْكَرْمَةِ كَمَا يَجْرِي الشَّيْطَانُ فِي بَنِي آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ، فَإِذَا غَفَلَ الْمُؤْمِنُ عَنْ شَيْطَانِهِ أَوْقَعَهُ فِي الْمُخَالَفَةِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ غَفَلَ عَنْ عَصِيرِ كَرْمِة تَخَمَّرَ فَتَنَجَّسَ . وَيُقَوِّي التَّشَبُّهَ أَيْضًا أَنَّ الْخَمْرَ يَعُودُ خَلًّا مِنْ سَاعَتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالتَّخْلِيلِ فَيَعُودُ طَاهِرًا ، وكَذَا الْمُؤْمِنُ يَعُودُ مِنْ سَاعَتِهِ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ طَاهِرًا مِنْ خَبَثِ الذُّنُوبِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي كَانَ مُتَنَجِّسًا بِاتِّصَافِهِ بِهَا إِمَّا بِبَاعِثٍ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ مَوْعِظَةٍ وَنَحْوِهَا وَهُوَ كَالتَّخْلِيلِ ، أَوْ بِبَاعِثٍ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ كَالتَّخَلُّلِ . فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمُعَالَجَةِ قَلْبِهِ لِئَلَّا يَهْلِكَ وَهُوَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْمُومَةِ . ( تَنْبِيهٌ ) : الْحَبْلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ وَائِلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَحُكِيَ ضَمُّهَا ، وَسُكُونُ الْمُوَحَّدَةِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا وَهُوَ أَشْهَرُ : هِيَ شَجَرَةُ الْعِنَبِ ، وَقِيلَ : أَصْلُ الشَّجَرَةِ ، وَقِيلَ : الْقَضِيبُ مِنْهَا . وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ : الْحَبَلُ بِفَتْحَتَيْنِ شَجَرُ الْعِنَبِ ، الْوَاحِدَ حَبْلَةُ ، وَبِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ الْكَرْمُ ، وَقِيلَ : الْأَصْلُ مِنْ أَصُولِهِ ، وَهُوَ أَيْضًا اسْمُ ثَمَرِ السَّمَرِ وَالْعِضَاهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ · ص 582 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الكرم قلب المؤمن · ص 203 باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما الكرم قلب المؤمن أي : هذا باب في ذكر قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنما الكرم قلب المؤمن ، هذا قطعة من آخر حديث رواه أبو هريرة ، ويأتي الآن في هذا الباب من رواية سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، ورواه مسلم من رواية الأعرج عنه ، قال : قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : لا يقولن أحدكم الكرم ، فإن الكرم قلب المؤمن ، وله من رواية ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : لا تسموا العنب الكرم ، فإن الكرم الرجل المسلم ، وفي رواية له من حديث علقمة بن وائل ، عن أبيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : لا تقولوا الكرم ، ولكن قولوا العنب ، والحبلة . قوله : إنما الكرم قلب المؤمن ، أي : لما فيه من نور الإيمان ، والتقوى ، قال الله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وقال في الباب الذي قبله : لا تسموا العنب الكرم ، وقال هنا : إنما الكرم قلب المؤمن ، قالت العلماء : سبب كراهة ذلك أن لفظ الكرم كانت العرب تطلقها على شجر العنب ، وعلى الخمر المتخذة من العنب سموها كرما لكونها متخذة منها ، ولأنها تحمل على الكرم ، والسخاء ، فكره الشارع إطلاق هذه اللفظة على العنب ، وشجره ؛ لأنهم إذا سمعوا اللفظ فربما تذكروا بها الخمر ، وهيجت نفوسهم إليها فيقعوا فيها ، أو قاربوا ، وقال : إنما يستحق هذا الاسم قلب المؤمن ؛ لأنه منبع الكرم ، والتقوى ، والنور ، والهدى ، والمشهور في اللغة أن الكرم بسكون الراء العنب ، قال الأزهري : سمي العنب كرما لكرمه ؛ وذلك لأنه ذلل لقاطعه ، ويحمل الأصل عنه مثل ما تحمل النخلة ، وأكثر ، وكل شيء كثر ، فقد كرم ، وقال ابن الأنباري : سمي كرما ؛ لأن الخمر منه ، وهي تحث على السخاء ، وتأمر بمكارم الأخلاق ، كما سموها راحا ، ولذلك قال : لا تسموا العنب كرما كره أن يسمى أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم ، وجعل المؤمن الذي يتقي شربها ، ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم الحسن تأكيدا لحرمته ، وأسقط الخمر عن هذه الرتبة تحقيرا لها . وقد قال : إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة كقوله : إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب ، كقوله : لا ملك إلا الله ، فوصفه بانتهاء الملك ، ثم ذكر الملوك أيضا ، فقال : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها مقصود البخاري من ذكر هذا الكلام الذي فيه أدوات الحصر أن الحصر فيه ادعائي لا حقيقي ، فكذلك الحصر في قوله : إنما الكرم قلب المؤمن ، فكأن الكرم الحقيقي القلب لا الشجر ، وإنما هو على سبيل الادعاء لا على الحقيقة ، ألا ترى أنه يطلق على غيره . قوله : إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة ، ومعنى الحديث كما أخرجه الترمذي ، ولكن ليس فيه أداة الحصر ، قال : حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : أتدرون من المفلس ، قالوا : المفلس فينا يا رسول الله ، من لا درهم له ، ولا متاع ، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيقعد فيقتص هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا ، أخذ من خطاياهم فطرح عليه ، ثم يطرح في النار ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . قوله : كقوله إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب أراد أن قوله : إنما المفلس كقوله إنما الصرعة ، وهذا حديث رواه أبو هريرة ، وقد مضى قبل هذا الباب بخمسة وعشرين بابا . قوله : كقوله لا ملك إلا الله أراد أن فيه الحصر كما فيما قبله ؛ لأن كلمة لا ، وكلمة إلا صريح في النفي ، والإثبات فمقتضاه حصر لفظ الملك بفتح الميم ، وكسر اللام على الله ، لكن قد أطلق على غيره ، وفي نفس الأمر الملك حقيقة هو الله تعالى ، والباقي بالتجوز ، وروي لا ملك إلا لله بضم الميم ، وسكون اللام . قوله : فوصفه بانتهاء الملك ، وهو عبارة عن انقطاع الملك عنده ، أي : لا ملك بعده . قوله : فقال : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ذكر هذا لبيان أن الملك يطلق على غير الله تعالى بدليل قوله تعالى : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وهو جمع ملك ، وفي القرآن شيء كثير من هذا القبيل كقوله تعالى : وَقَالَ الْمَلِكُ في صاحب يوسف وغيره ، ولكن كما ذكرنا كل ذلك بطريق التجوز لا بطريق الحقيقة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الكرم قلب المؤمن · ص 204 204 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويقولون الكرم ، إنما الكرم قلب المؤمن مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعلي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة . والحديث أخرجه مسلم في الأدب أيضا عن عمرو الناقد . قوله : ويقولون الكرم بالرفع مبتدأ وخبره محذوف تقديره : يقولون الكرم شجر العنب ، ويجوز أن يكون الكرم خبر مبتدأ محذوف تقديره : يقولون شجر العنب الكرم ، وكأن الواو فيه عاطفة على شيء محذوف تقديره : لا يقولون الكرم قلب المؤمن ، ويقولون الكرم شجر العنب ، وقد رواه ابن أبي عمر في مسنده ، عن سفيان بغير واو ، وكذا رواه الإسماعيلي من طريقه .