باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الكرم قلب المؤمن
باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما الكرم قلب المؤمن أي : هذا باب في ذكر قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنما الكرم قلب المؤمن ، هذا قطعة من آخر حديث رواه أبو هريرة ، ويأتي الآن في هذا الباب من رواية سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، ورواه مسلم من رواية الأعرج عنه ، قال : قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : لا يقولن أحدكم الكرم ، فإن الكرم قلب المؤمن ، وله من رواية ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : لا تسموا العنب الكرم ، فإن الكرم الرجل المسلم ، وفي رواية له من حديث علقمة بن وائل ، عن أبيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : لا تقولوا الكرم ، ولكن قولوا العنب ، والحبلة . قوله : إنما الكرم قلب المؤمن ، أي : لما فيه من نور الإيمان ، والتقوى ، قال الله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وقال في الباب الذي قبله : لا تسموا العنب الكرم ، وقال هنا : إنما الكرم قلب المؤمن ، قالت العلماء : سبب كراهة ذلك أن لفظ الكرم كانت العرب تطلقها على شجر العنب ، وعلى الخمر المتخذة من العنب سموها كرما لكونها متخذة منها ، ولأنها تحمل على الكرم ، والسخاء ، فكره الشارع إطلاق هذه اللفظة على العنب ، وشجره ؛ لأنهم إذا سمعوا اللفظ فربما تذكروا بها الخمر ، وهيجت نفوسهم إليها فيقعوا فيها ، أو قاربوا ، وقال : إنما يستحق هذا الاسم قلب المؤمن ؛ لأنه منبع الكرم ، والتقوى ، والنور ، والهدى ، والمشهور في اللغة أن الكرم بسكون الراء العنب ، قال الأزهري : سمي العنب كرما لكرمه ؛ وذلك لأنه ذلل لقاطعه ، ويحمل الأصل عنه مثل ما تحمل النخلة ، وأكثر ، وكل شيء كثر ، فقد كرم ، وقال ابن الأنباري : سمي كرما ؛ لأن الخمر منه ، وهي تحث على السخاء ، وتأمر بمكارم الأخلاق ، كما سموها راحا ، ولذلك قال : لا تسموا العنب كرما كره أن يسمى أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم ، وجعل المؤمن الذي يتقي شربها ، ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم الحسن تأكيدا لحرمته ، وأسقط الخمر عن هذه الرتبة تحقيرا لها . وقد قال : إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة كقوله : إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب ، كقوله : لا ملك إلا الله ، فوصفه بانتهاء الملك ، ثم ذكر الملوك أيضا ، فقال : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها مقصود البخاري من ذكر هذا الكلام الذي فيه أدوات الحصر أن الحصر فيه ادعائي لا حقيقي ، فكذلك الحصر في قوله : إنما الكرم قلب المؤمن ، فكأن الكرم الحقيقي القلب لا الشجر ، وإنما هو على سبيل الادعاء لا على الحقيقة ، ألا ترى أنه يطلق على غيره .
قوله : إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة ، ومعنى الحديث كما أخرجه الترمذي ، ولكن ليس فيه أداة الحصر ، قال : حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : أتدرون من المفلس ، قالوا : المفلس فينا يا رسول الله ، من لا درهم له ، ولا متاع ، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيقعد فيقتص هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا ، أخذ من خطاياهم فطرح عليه ، ثم يطرح في النار ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . قوله : كقوله إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب أراد أن قوله : إنما المفلس كقوله إنما الصرعة ، وهذا حديث رواه أبو هريرة ، وقد مضى قبل هذا الباب بخمسة وعشرين بابا . قوله : كقوله لا ملك إلا الله أراد أن فيه الحصر كما فيما قبله ؛ لأن كلمة لا ، وكلمة إلا صريح في النفي ، والإثبات فمقتضاه حصر لفظ الملك بفتح الميم ، وكسر اللام على الله ، لكن قد أطلق على غيره ، وفي نفس الأمر الملك حقيقة هو الله تعالى ، والباقي بالتجوز ، وروي لا ملك إلا لله بضم الميم ، وسكون اللام .
قوله : فوصفه بانتهاء الملك ، وهو عبارة عن انقطاع الملك عنده ، أي : لا ملك بعده . قوله : فقال : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ذكر هذا لبيان أن الملك يطلق على غير الله تعالى بدليل قوله تعالى : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وهو جمع ملك ، وفي القرآن شيء كثير من هذا القبيل كقوله تعالى : وَقَالَ الْمَلِكُ في صاحب يوسف وغيره ، ولكن كما ذكرنا كل ذلك بطريق التجوز لا بطريق الحقيقة .