124 - بَاب تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ ، فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ 6222 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ ، عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ ؛ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي ، وَرَدِّ السَّلَامِ ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ . وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ ؛ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ - أَوْ قَالَ : حَلْقَةِ الذَّهَبِ - وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَالدِّيبَاجِ ، وَالسُّنْدُسِ ، وَالْمَيَاثِرِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ ) ؛ أَيْ مَشْرُوعِيَّةُ التَّشْمِيتِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يُعَيَّنِ الْحُكْمُ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : ظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ : فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ ، فَذَكَرَ فِيهَا : وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَذَكَرَ مِنْهَا التَّشْمِيتَ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي يَعْلَى : إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلْيَقُلْ مَنْ عِنْدَهُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَنَحْوُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا ابْنُ مُزَيْنٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا إِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ ، وَقَوَّاهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي حَوَاشِي السُّنَنِ فَقَالَ : جَاءَ بِلَفْظِ الْوُجُوبِ الصَّرِيحِ ، وَبِلَفْظِ الْحَقِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ ، وَبِلَفْظِ عَلَى الظَّاهِرَةِ فِيهِ ، وَبِصِيغَةِ الْأَمْرِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِ ، وَبِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ أَثْبَتُوا وُجُوبَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ بِدُونِ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ ، وَرَجَّحَهُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ ، وَذَهَبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَيُجْزِئُ الْوَاحِدُ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ الْقَوْلُ الثَّانِي ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ لَا تُنَافِي كَوْنَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِنْ وَرَدَ فِي عُمُومِ الْمُكَلَّفِينَ فَفَرْضُ الْكِفَايَةِ يُخَاطَبُ بِهِ الْجَمِيعُ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى مُبْهَمٍ فَإِنَّهُ يُنَافِي كَوْنَهُ فَرْضَ عَيْنٍ . قَوْلُهُ : ( فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَوَّلَهُ : حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ وَأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ . ثم ذكر المصنف حَدِيثُ الْبَرَاءِ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَبْعٍ ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ ؛ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مُعْظَمِهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ التَّفْصِيلُ الَّذِي فِي التَّرْجَمَةِ ، وَإِنَّمَا ظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ عَاطِسٍ يُشَمَّتُ عَلَى التَّعْمِيمِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا التَّفْصِيلُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي ، قَالَ : وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ بِلَفْظِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَيَذْكُرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ لَكِنِ الْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ بِبَعْضِ الْعَاطِسِينَ وَهُمُ الْحَامِدُونَ ، قَالَ : وَهَذَا مِنَ الْأَبْوَابِ الَّتِي أَعْجَلَتْهُ الْمَنِيَّةُ عَنْ تَهْذِيبِهَا ، كَذَا قَالَ . وَالْوَاقِعُ أَنَّ هَذَا الصَّنِيعَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَلْ قَدْ أَكْثَرَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ ، فَطَالَمَا تَرْجَمَ بِالتَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ إِطْلَاقٍ أَوْ تَعْمِيمٍ ، وَيُكْتَفَى مِنْ دَلِيلِ التَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ بِالْإِشَارَةِ إِمَّا لِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ أَوْ فِي حَدِيثٍ آخِرَ كَمَا صَنَعَ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِهِ مِنْ تَقْيِيدِ الْأَمْرِ بِتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ بِمَا إِذَا حَمِدَ ، وَهَذَا أَدَقُّ التَّصَرُّفَيْنِ ، وَدَلَّ إِكْثَارُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عَمْدٍ مِنْهُ لَا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ تَهْذِيبِهِ ، بَلْ عَدَّ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ مِنْ دَقِيقِ فَهْمِهِ وَحُسْنِ تَصَرُّفِهِ فِي إِيثَارِ الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى شَحْذًا لِلذِّهْنِ وَبَعْثًا لِلطَّالِبِ عَلَى تَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ . وَقَدْ خُصَّ مِنْ عُمُومِ الْأَمْرِ بِتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ جَمَاعَةٌ : الْأَوَّلُ مَنْ لَمْ يَحْمَدْ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ . الثَّانِي الْكَافِرُ ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : كَانَتِ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ : يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ ، فَكَانَ يَقُولُ : يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحْ بَالَكُمْ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِذَا نَظَرْنَا إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إِنَّ التَّشْمِيتَ الدُّعَاءُ بِالْخَيْرِ دَخَلَ الْكُفَّارُ فِي عُمُومِ الْأَمْرِ بِالتَّشْمِيتِ ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَنْ خَصَّ التَّشْمِيتَ بِالرَّحْمَةِ لَمْ يَدْخُلُوا . قَالَ : وَلَعَلَّ مَنْ خَصَّ التَّشْمِيتَ بِالدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ بَنَاهُ عَلَى الْغَالِبِ لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِوَضْعِ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ . قُلْتُ : وَهَذَا الْبَحْثُ أَنْشَأَهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعِ فَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ بِالتَّشْمِيتِ ، لَكِنْ لَهُمْ تَشْمِيتٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ الدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَإِصْلَاحِ الْبَالِ وَهُوَ الشَّأْنُ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ تَشْمِيتِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ بِخِلَافِ الْكُفَّارِ . الثَّالِثُ الْمَزْكُومُ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْعُطَاسُ فَزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ بِالتَّشْمِيتِ يَشْمَلُ مَنْ عَطَسَ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ ، لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : يُشَمِّتُهُ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ وَثَلَاثًا ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ زُكَامٌ هَكَذَا أَخْرَجَهُ مَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ كَذَلِكَ ، وَلَفْظُهُ : شَمِّتْ أَخَاكَ . وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، وَقَالَ فِيهِ : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَفَعَهُ مُوسَى بْنُ قَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ أَيْضًا . وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ : إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ ، ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ ، ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَقُلْ : إِنَّكَ مَضْنُوكٌ قَالَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ : لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ ، وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ . وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : فَشَمِّتْهُ ثَلَاثًا ، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ زُكَامٌ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : شَمِّتُوهُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ دَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ ؛ مَوْقُوفٌ أَيْضًا . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَهُ فَشَمَّتَهُ ، ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ فِي الرَّابِعَةِ : أَنْتَ مَضْنُوكٌ ؛ مَوْقُوفٌ أَيْضًا . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ ، لَكِنْ قَالَ : فِي الثَّالِثَةِ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ : شَمِّتْهُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ رِيحٌ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ إِذَا تَتَابَعَ عَلَيْهِ الْعُطَاسُ ثَلَاثًا ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ : إِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاسُ مُتَتَابِعًا فَالسُّنَّةُ أَنْ يُشَمِّتَهُ لِكُلِّ مَرَّةٍ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، رَوَيْنَاهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُلُ مَزْكُومٌ هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فَقَالَا : قَالَ سَلَمَةُ : عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا شَاهِدٌ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ أَوِ الثَّالِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ ا هـ كَلَامُهُ ، وَنُقِلَتْه مِنْ نُسْخَةٍ عَلَيْهَا خَطُّهُ بِالسَّمَاعِ عَلَيْهِ ، وَالَّذِي نَسَبَهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ إِعَادَةِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَاطِسِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِهَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو عَوَانَةَ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ السُّنِّيِّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَفَاوِتَةٌ ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِعَادَةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ مَا نَسَبَهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ عِنْدَهُمَا : ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ أَوِ الثَّالِثَةَ فِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ لَفْظَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ وَالْبَاقِي مِثْلَ سِيَاقِ مُسْلِمٍ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أُخْرَى ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إِلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ عَطَسَ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِثْلَ أَبِي دَاوُدَ سَوَاءٌ ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ عِنْدَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ فَأَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي الثَّانِيَةِ : أَنْتَ مَزْكُومٌ . وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ : قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ : أَنْتَ مَزْكُومٌ ، وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ رَوَوْهُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِلثَّالِثَةِ ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ رواية مَنْ قَالَ : فِي الثَّالِثَةِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ قَالَ : فِي الثَّانِيَةِ ، وَقَدْ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ فِي مُصَنَّفِهِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ : عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَمَّتَهُ ، ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ ، ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ : أَنْتَ مَزْكُومٌ هَكَذَا رَأَيْتُ فِيهِ : ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَلَفْظُهُ : ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُلُ مَزْكُومٌ وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ لَكِنِ الْأَكْثَرُ عَلَى تَرْكِ ذِكْرِ التَّشْمِيتِ بَعْدَ الْأُولَى ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ قَالَ : يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلَاثًا ; فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ وَجَعَلَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَفَادَ تَكْرِيرَ التَّشْمِيتِ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ لِمُخَالَفَةِ جَمِيعِ أَصْحَابِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ فِي سِيَاقِهِ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ عِكْرِمَةَ الْمَذْكُورِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ وَكِيعًا فَإِنَّ فِي حِفْظِهِ مَقَالًا ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ سَوَاءٌ تَتَابَعَ عُطَاسُهُ أَمْ لَا ، فَلَوْ تَتَابَعَ وَلَمْ يَحْمَدْ لِغَلَبَةِ الْعُطَاسِ عَلَيْهِ ثُمَّ كَرَّرَ الْحَمْدَ بِعَدَدِ الْعُطَاسِ فَهَلْ يُشَمَّتُ بِعَدَدِ الْحَمْدِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ . وَظَاهِرُ الْخَبَرِ نَعَمْ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى ، وَابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ النَّهْيَ عَنِ التَّشْمِيتِ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَلَفْظُهُ : إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسُهُ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَهُوَ مَزْكُومٌ ، وَلَا يُشَمِّتُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ رَجُلٌ لَمْ أَتَحَقَّقْ حَالَهُ ، وَبَاقِي إِسْنَادِهِ صَحِيحٌ . قُلْتُ : الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ ، وَمُحَمَّدٌ مُوَثَّقٌ ، وَأَبُوهُ يُقَالُ لَهُ : الْحَرَّانِيُّ ؛ ضَعِيفٌ ، قَالَ فِيهِ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الصَّحَابِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ زَادَ فَإِنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ ، وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ . قُلْتُ : إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ الضَّعْفَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ، إِذَ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْغَرَابَةِ الضَّعْفُ ، وَأَمَّا وَصْفُ التِّرْمِذِيِّ إِسْنَادَهُ بِكَوْنِهِ مَجْهُولًا فَلَمْ يُرِدْ جَمِيعَ رِجَالِ الْإِسْنَادِ فَإِنَّ مُعْظَمَهُمْ مُوَثَّقُونَ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ تَغْيِيرُ اسْمِ بَعْضِ رُوَاتِهِ وَإِبْهَامُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ أَخْرَجَاهُ مَعًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا ؛ فَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ فَفِيهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ حَمِيدَةَ - أَوْ عُبَيْدَةَ - بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهَا ، وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ ، وَالْحَدِيثُ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ ، وَيَزِيدُ هُوَ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ وَهُوَ صَدُوقٌ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ ، وَيَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأُمُّهُ حَمِيدَةُ رَوَى عَنْهَا أَيْضًا زَوْجُهَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، وَذَكَرَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَأَبُوهَا عُبَيْدُ بْنُ رِفَاعَةَ ذَكَرُوهُ فِي الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَهُ رُؤْيَةٌ ، قَالَهُ ابْنُ السَّكَنِ ، قَالَ : وَلَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : رِوَايَتُهُ مُرْسَلَةٌ وَحَدِيثُهُ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَمَّا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ فَفِيهَا عَنْ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَبِيهَا كَذَا سَمَّاهُ عُمَرُ وَلَمْ يُسَمِّ أُمَّهُ وَلَا أَبَاهَا ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ ، فمن ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْهُولٍ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ لَا عُمَرُ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَابْنُ السُّنِّيِّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ فَقَالُوا : يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَالُوا : حَمِيدَةُ ؛ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَجْهُولٌ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِخَيْرٍ، وَصِلَةٌ وَتَوَدُّدٌ لِلْجَلِيسِ ، فَالْأَوْلَى الْعَمَلُ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : دَلَّ حَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَلَى أَنَّهُ يُشَمَّتُ ثَلَاثًا وَيُقَالُ : أَنْتَ مَزْكُومٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا ، فَالْعَمَلُ بِهَا أَوْلَى . ثُمَّ حَكَى النَّوَوِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَقُولُ لِمَنْ تَتَابَعَ عُطَاسُهُ أَنْتَ مَزْكُومٌ فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ ؟ عَلَى أَقْوَالٍ ، وَالصَّحِيحُ فِي الثَّالِثَةِ ، قَالَ : وَمَعْنَاهُ أنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يُشَمَّتُ بَعْدَهَا لِأَنَّ الَّذِي بِكَ مَرَضٌ وَلَيْسَ مِنَ الْعُطَاسِ الْمَحْمُودِ النَّاشِئِ عَنْ خِفَّةِ الْبَدَنِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ . قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ مَرَضًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُشَمَّتَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَحْوَجُ إِلَى الدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِهِ ، قُلْنَا : نَعَمْ ، لَكِنْ يُدْعَى لَهُ بِدُعَاءٍ يُلَائِمُهُ لَا بِالدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ لِلْعَاطِسِ بَلْ مِنْ جِنْسِ دُعَاءِ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ بِالْعَافِيَةِ . وَذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ : يُكَرَّرُ التَّشْمِيتُ إِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاسُ إِلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ مَزْكُومٌ فَيَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ ، قَالَ : وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعُمُومَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إِلَّا فِي مَوْضِعِ الْعِلَّةِ وَهُوَ الزُّكَامُ ، قَالَ : وَعِنْدَ هَذَا يَسْقُطُ الْأَمْرُ بِالتَّشْمِيتِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالزُّكَامِ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُشَمَّتَ مَنْ عُلِمَ أَنَّ بِهِ زُكَامًا أَصْلًا ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الْعِلَّةُ دُونَ التَّعْلِيلِ وَلَيْسَ الْمُعَلَّلُ هُوَ مُطْلَقُ التَّرْكِ لِيَعُمَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ ، بَلِ الْمُعَلَّلُ هُوَ التَّرْكُ بَعْدَ التَّكْرِيرِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : لَا يَلْزَمُ تَكَرُّرُ التَّشْمِيتِ لِأَنَّهُ مَزْكُومٌ ، قَالَ : وَيَتَأَيَّدُ بِمُنَاسَبَةِ الْمَشَقَّةِ النَّاشِئَةِ عَنِ التَّكْرَارِ . الرَّابِعُ مِمَّنْ يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ الْعَاطِسِينَ مَنْ يَكْرَهُ التَّشْمِيتَ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ مَنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَكْرَهُ التَّشْمِيتَ أَنَّهُ لَا يُشَمَّتُ إِجْلَالًا لِلتَّشْمِيتِ أَنْ يُؤَهَّلَ لَهُ مَنْ يَكْرَهُهُ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَتْرُكُ السُّنَّةَ لِذَلِكَ ؟ قُلْنَا : هِيَ سُنَّةٌ لِمَنْ أَحَبَّهَا ، فَأَمَّا مَنْ كَرِهَهَا وَرَغِبَ عَنْهَا فَلَا . قَالَ : وَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي السَّلَامِ وَالْعِيَادَةِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُشَمَّتُ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَمُنَاقَضَةً لِلْمُتَكَبِّرِ فِي مُرَادِهِ وَكَسْرًا لِسَوْرَتِهِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِجْلَالِ التَّشْمِيتِ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ لَفْظَ التَّشْمِيتِ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ فَهُوَ يُنَاسِبُ الْمُسْلِمَ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْخَامِسُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يُسْتَثْنَى أَيْضًا مَنْ عَطَسَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَإِنَّهُ يَتَعَارَضُ الْأَمْرُ بِتَشْمِيتِ مَنْ سَمِعَ الْعَاطِسَ وَالْأَمْرُ بِالْإِنْصَاتِ لِمَنْ سَمِعَ الْخَطِيبَ ، وَالرَّاجِحُ الْإِنْصَاتُ لِإِمْكَانِ تَدَارُكِ التَّشْمِيتِ بَعْدَ فَرَاغِ الْخَطِيبِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ . وَعَلَى هَذَا ، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُ التَّشْمِيتِ حَتَّى يَفْرُغُ الْخَطِيبُ أَوْ يُشْرَعُ لَهُ التَّشْمِيتُ بِالْإِشَارَةِ ؟ فَلَوْ كَانَ الْعَاطِسُ الْخَطِيبُ فَحَمِدَ وَاسْتَمَرَّ فِي خُطْبَتِهِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ ، وَإِنْ حَمِدَ فَوَقَفَ قَلِيلًا لِيُشَمَّتَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُشْرَعَ تَشْمِيتُهُ . السَّادِسُ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَثْنَى مَنْ كَانَ عِنْدَ عُطَاسِهِ فِي حَالَةٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ ، كَمَا إِذَا كَانَ عَلَى الْخَلَاءِ أَوْ فِي الْجَمَاعَةِ فَيُؤَخِّرُ ثُمَّ يَحْمَدُ اللَّهَ فَيُشَمَّتُ ، فَلَوْ خَالَفَ فَحَمِدَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ هَلْ يَسْتَحِقُّ التَّشْمِيتَ ؟ فِيهِ نَظَرٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ · ص 618 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تشميت العاطس إذا حمد الله · ص 225 باب تشميت العاطس إذا حمد الله أي : هذا باب في بيان مشروعية تشميت العاطس بشرط أن يحمد الله تعالى ، ولم يعين الحكم اكتفاء بما جاء من حديث الباب . فيه أبو هريرة . أي في تشميت العاطس جاء حديث أبي هريرة ، يحتمل أن يكون الحديث الذي يأتي في الباب الذي بعده ، ويحتمل أن يريد به الحديث الذي ذكر في الباب ، وهو قوله : فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته . 244 - حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن الأشعث بن سليم ، قال : سمعت معاوية بن سويد بن مقرن ، عن البراء رضي الله عنه ، قال : أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع ، أمرنا بعيادة المريض ، واتباع الجنازة ، وتشميت العاطس ، وإجابة الداعي ، ورد السلام ، ونصر المظلوم ، وإبرار المقسم ، ونهانا عن سبع : عن خاتم الذهب ، أو قال : حلقة الذهب ، وعن لبس الحرير ، والديباج ، والسندس ، والمياثر . مطابقته للترجمة في قوله : وتشميت العاطس ، وقال ابن بطال ما ملخصه : إن الترجمة مقيدة بالحمد ، والحديث مطلق ، وظاهره أن كل عاطس يشمت على التعميم ، والمناسب للترجمة حديث أبي هريرة ؛ لأنه مقيد بالحمد ، وكان ينبغي أن يقدم حديث أبي هريرة ، ثم يذكر حديث البراء ، ثم اعتذر عنه بأن هذا من الأبواب التي أعجلته المنية عن تهذيبها ، وقال بعضهم نصرة للبخاري ما ملخصه : إنه يرد عذره المذكور ، وإنه إنما الذي فعله إما إشارة إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده ، وإما في حديث آخر ، وعد العلماء ذلك من دقيق فهمه وحسن تصرفه ، فإن إيثار الأخفى على الأجلى شحذا للذهن وبعثا للطالب على تتبع طرق الحديث . انتهى ، قلت : أما كلام ابن بطال ، فإنه غير جلي ؛ لأنه لو قدم المقيد على المطلق لأورد عليه بأن المقيد جزء المطلق وتقديم المتضمن للجزء أولى ، والذي قصده يفهم من هذا الوضع على أن الترتيب ليس بشرط ، وأما كلام بعضهم ، فلا يجدي شيئا ؛ لأن من وقف على حديث من أحاديث الكتاب يتعسر عليه أن يقف على ما وقع في بعض طرقه ، وفي تحصيل حديث آخر ، وقوله : فإن في إيثار الأخفى إلى آخره تنويه للناظر ، وإحالة على تتبع أمر مجهول ، وهذا ليس بدأب عند العلماء . وحديث البراء هذا مضى في الجنائز عن أبي الوليد ، وفي المظالم عن سعيد بن الربيع ، وفي اللباس عن آدم ، وفي الطب عن حفص بن عمر ، وفي النكاح عن الحسن بن الربيع ، وسيأتي في النذور . قوله : وتشميت العاطس ظاهر الأمر فيه يدل على أنه واجب ، وكذلك أحاديث أخر في هذا الباب يدل ظاهرها على الوجوب ، وبه قال ابن المزين من المالكية ، وأهل الظاهر ، وقال بعض الناس : إنه فرض عين ، وعند جمهور العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة إنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وذهب عبد الوهاب ، وجماعة من المالكية أنه مستحب . ثم قوله : وتشميت العاطس عام خص به جماعة الأول : من لم يحمد ، وسيأتي في باب مفرد ، والثاني : الكافر ، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : كانت اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجاء أن يقول : يرحمكم ، وكان يقول : يهديكم الله ، ويصلح بالكم ، والثالث : المزكوم إذا تكرر منه العطاس وزاد على الثلاث ، وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : شمته واحدة ، وثنتين ، وثلاثا ، فما كان بعد ذلك فهو زكام ، وأخرجه أبو داود من رواية الليث ، عن ابن عجلان ، وقال فيه : لا أعلمه إلا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن العاص شمتوه ثلاثا ، فإن زاد ، فهو داء يخرج من رأسه ، وهو موقوف أيضا ، ومن طريق عبد الله بن الزبير أن رجلا عطس عنده فشمت ، ثم عطس ، فقال في الرابعة : أنت مضنوك ، أي : مزكوم ، والضناك بالضم الزكام ، قاله ابن الأثير ، الرابع : من يكره التشميت ، قيل : كيف يترك السنة ، وأجيب بأنها سنة لمن أحبها ، فأما من كرهها ، ورغب عنها فلا ، ويطرد ذلك في السلام ، والعيادة ، وقال ابن دقيق العيد : والذي عندي أنه لا يمتنع إلا من خاف منه ضررا ، فأما غيره فيشمت امتثالا للأمر ، ويناقضه للتكبر في مراده ، قلت : قد جرت العادة عند سلاطين مصر أنه إذا عطس لا يشمته أحد ، وإذا دخل عليه أحد لا يسلم عليه ، والذي قاله الشيخ يعمل فيه بالتفصيل المذكور ، والخامس : عند الخطبة يوم الجمعة ؛ لأن التشميت يخل بالإنصات المأمور به ، والسادس : من عطس وهو يجامع ، أو في الخلاء فيؤخر ، ثم يحمد ، ويشمته من سمعه ، فلو خالف فحمد في تلك الحالة هل يستحق التشميت ، قال بعضهم : فيه نظر ، قلت : النظر أنه يشمت لظاهر الحديث . قوله : وإبرار المقسم ، أي : تصديق من أقسم عليك ، وهو أن تفعل ما سأله ، ويروى وإبرار القسم . قوله : أو قال : حلقة الذهب شك من الراوي . قوله : والسندس هو ما رق من الديباج ، ورفع . قوله : والمياثر جمع الميثرة ، بكسر الميم من الوثارة بالثاء المثلثة ، والراء ، وهي مركب كانت النساء تصنعه لأزواجهن على السروج ، فإن قلت : المنهيات خمسة لا سبعة هنا ، قلت : السادس : القسي ، والسابع : آنية الفضة ، ذكرهما في كتاب اللباس .