باب تشميت العاطس إذا حمد الله
حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن الأشعث بن سليم ، قال : سمعت معاوية بن سويد بن مقرن ، عن البراء رضي الله عنه ، قال : أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع ، أمرنا بعيادة المريض ، واتباع الجنازة ، وتشميت العاطس ، وإجابة الداعي ، ورد السلام ، ونصر المظلوم ، وإبرار المقسم ، ونهانا عن سبع : عن خاتم الذهب ، أو قال : حلقة الذهب ، وعن لبس الحرير ، والديباج ، والسندس ، والمياثر . مطابقته للترجمة في قوله : وتشميت العاطس ، وقال ابن بطال ما ملخصه : إن الترجمة مقيدة بالحمد ، والحديث مطلق ، وظاهره أن كل عاطس يشمت على التعميم ، والمناسب للترجمة حديث أبي هريرة ؛ لأنه مقيد بالحمد ، وكان ينبغي أن يقدم حديث أبي هريرة ، ثم يذكر حديث البراء ، ثم اعتذر عنه بأن هذا من الأبواب التي أعجلته المنية عن تهذيبها ، وقال بعضهم نصرة للبخاري ما ملخصه : إنه يرد عذره المذكور ، وإنه إنما الذي فعله إما إشارة إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده ، وإما في حديث آخر ، وعد العلماء ذلك من دقيق فهمه وحسن تصرفه ، فإن إيثار الأخفى على الأجلى شحذا للذهن وبعثا للطالب على تتبع طرق الحديث . انتهى ، قلت : أما كلام ابن بطال ، فإنه غير جلي ؛ لأنه لو قدم المقيد على المطلق لأورد عليه بأن المقيد جزء المطلق وتقديم المتضمن للجزء أولى ، والذي قصده يفهم من هذا الوضع على أن الترتيب ليس بشرط ، وأما كلام بعضهم ، فلا يجدي شيئا ؛ لأن من وقف على حديث من أحاديث الكتاب يتعسر عليه أن يقف على ما وقع في بعض طرقه ، وفي تحصيل حديث آخر ، وقوله : فإن في إيثار الأخفى إلى آخره تنويه للناظر ، وإحالة على تتبع أمر مجهول ، وهذا ليس بدأب عند العلماء .
وحديث البراء هذا مضى في الجنائز عن أبي الوليد ، وفي المظالم عن سعيد بن الربيع ، وفي اللباس عن آدم ، وفي الطب عن حفص بن عمر ، وفي النكاح عن الحسن بن الربيع ، وسيأتي في النذور . قوله : وتشميت العاطس ظاهر الأمر فيه يدل على أنه واجب ، وكذلك أحاديث أخر في هذا الباب يدل ظاهرها على الوجوب ، وبه قال ابن المزين من المالكية ، وأهل الظاهر ، وقال بعض الناس : إنه فرض عين ، وعند جمهور العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة إنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وذهب عبد الوهاب ، وجماعة من المالكية أنه مستحب . ثم قوله : وتشميت العاطس عام خص به جماعة الأول : من لم يحمد ، وسيأتي في باب مفرد ، والثاني : الكافر ، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : كانت اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجاء أن يقول : يرحمكم ، وكان يقول : يهديكم الله ، ويصلح بالكم ، والثالث : المزكوم إذا تكرر منه العطاس وزاد على الثلاث ، وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : شمته واحدة ، وثنتين ، وثلاثا ، فما كان بعد ذلك فهو زكام ، وأخرجه أبو داود من رواية الليث ، عن ابن عجلان ، وقال فيه : لا أعلمه إلا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن العاص شمتوه ثلاثا ، فإن زاد ، فهو داء يخرج من رأسه ، وهو موقوف أيضا ، ومن طريق عبد الله بن الزبير أن رجلا عطس عنده فشمت ، ثم عطس ، فقال في الرابعة : أنت مضنوك ، أي : مزكوم ، والضناك بالضم الزكام ، قاله ابن الأثير ، الرابع : من يكره التشميت ، قيل : كيف يترك السنة ، وأجيب بأنها سنة لمن أحبها ، فأما من كرهها ، ورغب عنها فلا ، ويطرد ذلك في السلام ، والعيادة ، وقال ابن دقيق العيد : والذي عندي أنه لا يمتنع إلا من خاف منه ضررا ، فأما غيره فيشمت امتثالا للأمر ، ويناقضه للتكبر في مراده ، قلت : قد جرت العادة عند سلاطين مصر أنه إذا عطس لا يشمته أحد ، وإذا دخل عليه أحد لا يسلم عليه ، والذي قاله الشيخ يعمل فيه بالتفصيل المذكور ، والخامس : عند الخطبة يوم الجمعة ؛ لأن التشميت يخل بالإنصات المأمور به ، والسادس : من عطس وهو يجامع ، أو في الخلاء فيؤخر ، ثم يحمد ، ويشمته من سمعه ، فلو خالف فحمد في تلك الحالة هل يستحق التشميت ، قال بعضهم : فيه نظر ، قلت : النظر أنه يشمت لظاهر الحديث .
قوله : وإبرار المقسم ، أي : تصديق من أقسم عليك ، وهو أن تفعل ما سأله ، ويروى وإبرار القسم . قوله : أو قال : حلقة الذهب شك من الراوي . قوله : والسندس هو ما رق من الديباج ، ورفع .
قوله : والمياثر جمع الميثرة ، بكسر الميم من الوثارة بالثاء المثلثة ، والراء ، وهي مركب كانت النساء تصنعه لأزواجهن على السروج ، فإن قلت : المنهيات خمسة لا سبعة هنا ، قلت : السادس : القسي ، والسابع : آنية الفضة ، ذكرهما في كتاب اللباس .