9 - بَاب السَّلَامِ لِلْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِ الْمَعْرِفَةِ 6236 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ السَّلَامِ لِلْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِ الْمَعْرِفَةِ ) أَيْ مَنْ يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ ؛ أَيْ لَا يَخُصُّ بِالسَّلَامِ مَنْ يَعْرِفُهُ دُونَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ . وَصَدْرُ التَّرْجَمَةِ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ السَّلَامُ فِيهِ لِلْمَعْرِفَةِ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ : إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَمُرَّ الرَّجُلُ بِالْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّي فِيهِ ، وَأَنْ لَا يُسَلِّمَ إِلَّا عَلَى مَنْ يَعْرِفُهُ ، وَلَفْظُ الطَّحَاوِيِّ : إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ السَّلَامَ لِلْمَعْرِفَةِ . ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي يَزِيدُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ كَمَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ) هُوَ مَرْثَدٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ، تُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيتَهُ وَلَا تَخُصُّ ذَلِكَ بِمَنْ تَعْرِفُ ، وَفِي ذَلِكَ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَاسْتِعْمَالُ التَّوَاضُعِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ الَّذِي هُوَ شِعَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ . قُلْتُ : وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفِ احْتَمَلَ أَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُ مِنْ مَعَارِفِهِ ، فَقَدْ يُوقِعُهُ فِي الِاسْتِيحَاشِ مِنْهُ ، قَالَ : وَهَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِ ، فَلَا يَبْتَدِئُ السَّلَامَ عَلَى كَافِرٍ . قُلْتُ : قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ ابْتِدَاءَ الْكَافِرِ بِالسَّلَامِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَشْرُوعِيَّةُ السَّلَامِ لِلْمُسْلِمِ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : مَنْ عَرَفْتَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا : مِنْ لَمْ تَعْرِفْ ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ ، بَلْ إِنْ عَرَفَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَوْ سَلَّمَ احْتِيَاطًا لَمْ يَمْتَنِعْ حَتَّى يَعْرِفَ أَنَّهُ كَافِرٌ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَامِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْرِفَةِ اسْتِفْتَاحٌ لِلْمُخَاطَبَةِ لِلتَّأْنِيسِ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ إِخْوَةً فَلَا يَسْتَوْحِشُ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ ، وَفِي التَّخْصِيصِ مَا قَدْ يُوقِعُ فِي الِاسْتِيحَاشِ ، وَيُشْبِهُ صُدُودَ الْمُتَهَاجِرَيْنِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ . وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ فِي الْمُشْكِلِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ ، وَفِيهِ : فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ صَلَّى هُوَ وَصَاحِبُهُ - ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَهَذَا لَا يُنَافِي حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَمِّ السَّلَامِ لِلْمَعْرِفَةِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو ذَرٍّ سَلَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَوْ لِأَنَّ حَاجَتَهُ كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ أَبِي بَكْرٍ . قُلْتُ : وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي لَا يَكْفِي فِي تَخْصِيصِ السَّلَامِ ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَقْرِيرِ الشَّرْعِ بِتَعْمِيمِ السَّلَامِ ، وَقَدْ سَاقَ مُسْلِمٌ قِصَّةَ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ بِطُولِهَا وَلَفْظُهُ : وجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ ثُمَّ صَلَّى فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ السَّلَامِ فَقَالَ : وَعَلَيْكَ وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، الْحَدِيثَ . وَفِي لَفْظٍ قَالَ : وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ فَأَتَيْتُهُ فَإِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، مَنْ أَنْتَ ؟ ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ تَوَجَّهَ بَعْدَ الطَّوَافِ إِلَى مَنْزِلِهِ وَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْزِلَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ وَحْدَهُ . ويُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي الْمَبْعَثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ أَنَّهُ قَامَ يَلْتَمِسُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَعْرِفُهُ وَيَكْرَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَهُ أَنَّهُ غَرِيبٌ ، فَاسْتَتْبَعَهُ حَتَّى دَخَلَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب السَّلَامِ لِلْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِ الْمَعْرِفَةِ · ص 23 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إطعام الطعام من الإسلام · ص 37 فصل خرج البخاري ومسلم : 12 - من حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . وخرجه مسلم أيضا . جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام ، وإفشاء السلام . وفي المسند عن عمرو بن عبسة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإسلام ؟ قال : لين الكلام ، وإطعام الطعام . ومراده : الإسلام التام الكامل . وهذه الدرجة في الإسلام فضل ، وليست واجبة ، إنما هي إحسان . وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد فواجبة إذا كانت من غير حق ، فإن كانت السلامة من حق كان أيضا فضلا . وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وترك الأذى في وصف المتقين في قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فهذا إحسان وفضل وهو بذل النداء واحتمال الأذى . وجمع في الحديث بين إطعام الطعام وإفشاء السلام ؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل ، وهو أكمل الإحسان . وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام وواجباته ؛ فمن أتى بفرائض الإسلام ، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس - كان خيرا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة وأفضل أيضا . وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة فهو خير من غيره مطلقا ، ولا أن إطعام الطعام ولين الكلام خير من أركان الإسلام ومبانيه الخمس ؛ فإن إطعام الطعام وإفشاء السلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وقد زعم الحليمي وغيره أنه قال : خير الأشياء كذا ، والمراد تفضيله من وجه دون وجه ، وفي وقت دون وقت ، أو لشخص دون شخص . ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها ، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء ، لا خيرها مطلقا . وهذا فيه نظر ، وهو مخالف للظاهر . ولو كان هذا حقا لما احتيج إلى تأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له : يا خير البرية ! فقال : ذاك إبراهيم . وقد تأوله الأئمة ، فقال الإمام أحمد : هو على وجه التواضع . ولكن هذا يقرب من قول من تأول أفضل بمعنى فاضل ، وقال : إن أفعل لا تقتضي المشاركة ، وهذا غير مطرد عند البصريين ، ويتأول ما ورد منه . وحكي عن الكوفيين أنه مطرد لا يحتاج إلى تأويل . وقوله : وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف - هذا أفضل أنواع إفشاء السلام . وفي المسند عن ابن مسعود مرفوعا : إن من أشراط الساعة السلام بالمعرفة . ويخرج من عموم ذلك من لا تجوز بداءته بالسلام كأهل الكتاب عند جمهور العلماء .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب السلام للمعرفة وغير المعرفة · ص 236 باب السلام للمعرفة وغير المعرفة أي : هذا باب في بيان أن السلام سنة للمعرفة ، أي : لأجل معرفة من يعرفه وغير من يعرفه أراد أنه لا يخص السلام بمن يعرفه ، ويترك من لا يعرفه ، وروى الطحاوي ، والطبراني ، والبيهقي من حديث ابن مسعود مرفوعا أن من أشراط الساعة أن يمر الرجل بالمسجد لا يصلي فيه ، وأن لا يسلم إلا على من يعرف ، ولفظ الطحاوي أن من أشراط الساعة السلام للمعرفة ، وهذا يوافق الترجمة . 9 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، قال : حدثني يزيد ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ، وعلى من لم تعرف . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويزيد من الزيادة ابن أبي حبيب ، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني ، والإسناد كله مصريون . ومضى الحديث في كتاب الإيمان في باب إفشاء السلام من الإسلام ، فإنه أخرجه هناك عن قتيبة عن الليث . قوله : أي الإسلام ، أي : أي أعمال الإسلام ؟