حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب إطعام الطعام من الإسلام

من حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . وخرجه مسلم أيضا . جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام ، وإفشاء السلام .

وفي المسند عن عمرو بن عبسة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإسلام ؟ قال : لين الكلام ، وإطعام الطعام . ومراده : الإسلام التام الكامل . وهذه الدرجة في الإسلام فضل ، وليست واجبة ، إنما هي إحسان .

وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد فواجبة إذا كانت من غير حق ، فإن كانت السلامة من حق كان أيضا فضلا . وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وترك الأذى في وصف المتقين في قوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فهذا إحسان وفضل وهو بذل النداء واحتمال الأذى . وجمع في الحديث بين إطعام الطعام وإفشاء السلام ؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل ، وهو أكمل الإحسان .

وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام وواجباته ؛ فمن أتى بفرائض الإسلام ، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس - كان خيرا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة وأفضل أيضا . وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة فهو خير من غيره مطلقا ، ولا أن إطعام الطعام ولين الكلام خير من أركان الإسلام ومبانيه الخمس ؛ فإن إطعام الطعام وإفشاء السلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وقد زعم الحليمي وغيره أنه قال : خير الأشياء كذا ، والمراد تفضيله من وجه دون وجه ، وفي وقت دون وقت ، أو لشخص دون شخص .

ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها ، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء ، لا خيرها مطلقا . وهذا فيه نظر ، وهو مخالف للظاهر . ولو كان هذا حقا لما احتيج إلى تأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له : يا خير البرية ! فقال : ذاك إبراهيم .

وقد تأوله الأئمة ، فقال الإمام أحمد : هو على وجه التواضع . ولكن هذا يقرب من قول من تأول أفضل بمعنى فاضل ، وقال : إن أفعل لا تقتضي المشاركة ، وهذا غير مطرد عند البصريين ، ويتأول ما ورد منه . وحكي عن الكوفيين أنه مطرد لا يحتاج إلى تأويل .

وقوله : وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف - هذا أفضل أنواع إفشاء السلام . وفي المسند عن ابن مسعود مرفوعا : إن من أشراط الساعة السلام بالمعرفة . ويخرج من عموم ذلك من لا تجوز بداءته بالسلام كأهل الكتاب عند جمهور العلماء .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث