17 - بَاب إِذَا قَالَ : مَنْ ذَا ؟ فَقَالَ : أَنَا 6250 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي ، فَدَقَقْتُ الْبَابَ ، فَقَالَ : مَنْ ذَا ؟ فَقُلْتُ : أَنَا ، فَقَالَ : أَنَا أَنَا ، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا قَالَ : مَنْ ذَا ؟ فَقَالَ : أَنَا ) سَقَطَ لَفْظُ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْكَرَاهَةِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عَنْ شُعْبَةَ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : ( أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلًا . قَوْلُهُ : ( فَدَقَقْتُ ) بِقَافَيْنِ لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ : فَدَفَعْتُ بِفَاءٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَضَرَبْتُ الْبَابَ ، وَهِيَ تُؤَيِّدُ رِوَايَةَ فَدَقَقْتُ بِالْقَافَيْنِ ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلِمُسْلِمٍ فِي أُخْرَى : دَعَوْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : أَنَا . فَقَالَ : أَنَا أَنَا ، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ : أَنَا أَنَا ، وَفِي أُخْرَى : كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ : كَرِهَ ذَلِكَ بِالْجَزْمِ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : إِنَّمَا كَرِهَ قَوْلَ أَنَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ إِلَّا إِنْ كَانَ الْمُسْتَأْذِنُ مِمَّنْ يَعْرِفُ الْمُسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ صَوْتَهُ وَلَا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ ، وَالْغَالِبُ الِالْتِبَاسُ . وَقِيلَ : إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ جَابِرًا لَمْ يَسْتَأْذِنْ بِلَفْظِ السَّلَامِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ طَلَبَ الدُّخُولَ ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي حَاجَتِهِ فَدَقَّ الْبَابَ لِيُعْلِمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَجِيئِهِ ، فَلِذَلِكَ خَرَجَ لَهُ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : إِنَّمَا كَرِهَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهُ بِغَيْرِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ الْبَابَ عَرَفَ أَنَّ ثُمَّ ضَارِبًا ، فَلَمَّا قَالَ : أَنَا ، كَأَنَّهُ أَعْلَمَهُ أَنَّ ثَمَّ ضَارِبًا فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى مَا عَرَفَ مَنْ ضَرَبَ الْبَابَ ، قَالَ : وَكَانَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الِاسْتِئْذَانِ . قُلْتُ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ ، وَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ يَنُوبُ عَنْ ضَرْبِ الْبَابِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الدَّاخِلَ قَدْ يَكُونُ لَا يَسْمَعُ الصَّوْتَ بِمُجَرَّدِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى ضَرْبِ الْبَابِ لِيَبْلُغَهُ صَوْتُ الدَّقِّ فَيَقْرُبَ أَوْ يَخْرُجَ فَيَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ ، وَكَلَامُهُ الْأَوَّلُ سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : قَوْلُهُ : أَنَا لَا يَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ وَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَا اسْتَعْمَلَهُ وَكَانَ حَقَّ الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ : أَنَا جَابِرٌ ؛ لِيَقَعَ تَعْرِيفُ الِاسْمِ الَّذِي وَقَعَتِ الْمَسْأَلَةُ عَنْهُ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى الْمَسْجِدَ وَأَبُو مُوسَى يَقْرَأُ . قَالَ : فَجِئْتُ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ : أَنَا بُرَيْدَةُ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ : جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : أَنَا أُمُّ هَانِئٍ الْحَدِيثُ فِي صَلَاةِ الضُّحَى ، قَالَ النَّوَوِيُّ : إِذَا لَمْ يَقَعِ التَّعْرِيفُ إِلَّا بِأَنْ يَكُنِّيَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ : أَنَا الشَّيْخُ فُلَانٌ أَوِ الْقَارِئُ فُلَانٌ أَوِ الْقَاضِي فُلَانٌ إِذَا لَمْ يَحْصُلِ التَّمْيِيزُ إِلَّا بِذَلِكَ . وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ السَّبَبَ فِي كَرَاهَةِ قَوْلِ : أَنَا أَنَّ فِيهَا نَوْعًا مِنَ الْكِبْرِ ، كَأَنَّ قَائِلَهَا يَقُولُ : أَنَا الَّذِي لَا أَحْتَاجُ أَذْكُرُ اسْمِي وَلَا نَسَبِي . وَتَعَقَّبَهُ مُغْلَطَايْ بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي حَقِّ جَابِرٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ وَيَعْتَادَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَشْرُوعِيَّةُ دَقِّ الْبَابِ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ هَلْ كَانَ بِآلَةٍ أَوْ بِغَيْرِ آلَةٍ . قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ أَبْوَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ تُقْرَعُ بِالْأَظَافِيرِ . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ مِنْهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْأَدَبِ ، وَهُوَ حَسَنٌ لِمَنْ قَرُبَ مَحَلُّهُ مِنْ بَابِهِ ، أَمَّا مَنْ بَعُدَ عَنِ الْبَابِ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُهُ صَوْتُ الْقَرْعِ بِالظُّفْرِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَعَ بِمَا فَوْقَ ذَلِكَ بِحَسَبِهِ . وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي قَرْعِهِمْ بَابَهُ بِالْأَظَافِيرِ أَنَّ بَابَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حِلَقٌ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ فَعَلُوهُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا وَأَدَبًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا قَالَ مَنْ ذَا فَقَالَ أَنَا · ص 37 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا قال من ذا فقال أنا · ص 244 باب إذا قال : من ذا ، فقال : أنا أي : هذا باب يذكر فيه إذا قال رجل لمن دق بابه : من ذا ، يعني : من ذا الذي يدق الباب ، فقال الداق : أنا ، ولم يذكر حكمه اكتفاء بما في حديث الباب ، وسقط لفظ باب في رواية أبي ذر . 23 - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن المنكدر ، قال : سمعت جابرا رضي الله عنه يقول : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي ، فدققت الباب ، فقال : من ذا ، فقلت : أنا ، فقال : أنا أنا كأنه كرهها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث أخرجه مسلم في الاستئذان عن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن نمير وغيره ، وأخرجه أبو داود في الأدب عن مسدد ، وأخرجه الترمذي في الاستئذان عن سويد بن نصر ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن حميد بن مسعدة ، وأخرجه ابن ماجه في الأدب عن أبي بكر بن أبي شيبة . قوله : فدققت بقافين في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي ، والسرخسي فدفعت من الدفع ، وفي رواية الإسماعيلي فضربت الباب . قوله : من ذا ، أي : من ذا الذي يدق الباب ، فقال جابر : أنا ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : أنا أنا كأنه كرهه ، أي : كره ذلك ، ويروى كأنه كرهها ، أي : هذه اللفظة ، وأنا الثاني تأكيد للأول ، وإنما أكده ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم انفعل من ذلك ، ولهذا ، قال جابر : كأنه كرهه ؛ لأن قوله هذا لا يكون جوابا عما سأل ، إذ الجواب المفيد أنا جابر ، وإلا فلا بيان فيه إلا إذا كان المستأذن يعرف بصوته ، ولا يلتبس بغيره ، وفي رواية مسلم فخرج وهو يقول : أنا أنا ، وفي أخرى كأنه كره ذلك ، وفي رواية أبي داود الطيالسي في مسنده ، عن شعبة كره ذلك بالجزم ، وبهذا يرد قول من يقول : إن الحديث لا يدل على الكراهة جزما ، قال الداودي : هذا كان قبل نزول آية الاستئذان .