21 - بَاب مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنْ اقْتَرَفَ ذَنْبًا وَلَمْ يَرُدَّ سَلَامَهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ تَوْبَتُهُ ، وَإِلَى مَتَى تَتَبَيَّنُ تَوْبَةُ الْعَاصِي ؟ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : لَا تُسَلِّمُوا عَلَى شَرَبَةِ الْخَمْرِ 6255 - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلَامِنَا ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي : هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا ؟ حَتَّى كَمَلَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً ، وَآذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا ، وَمَنْ لَمْ يَرُدَّ سَلَامَهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ تَوْبَتُهُ ، وَإِلَى مَتَى تَتَبَيَّنُ تَوْبَةُ الْعَاصِي ؟ ) أَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ فَأَشَارَ إِلَى الْخِلَافِ فِيهِ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ عَلَى الْفَاسِقِ وَلَا الْمُبْتَدِعِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى السَّلَامِ بِأَنْ خَافَ تَرَتُّبَ مَفْسَدَةٍ فِي دَيْنٍ أَوْ دُنْيَا إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ سَلَّمَ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَزَادَ : وَيَنْوِي أَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَأَنَّهُ قَالَ : اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْكُمْ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : تَرْكُ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ ، وَبِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَجُوزُ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الدَّلِيلَ أَعَمُّ مِنَ الدَّعْوَى . وَأَلْحَقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي مَنْ يَتَعَاطَى خَوَارِمَ الْمُرُوءَةِ ، كَكَثْرَةِ الْمِزَاحِ وَاللَّهْوِ وَفُحْشِ الْقَوْلِ وَالْجُلُوسِ فِي الْأَسْوَاقِ لِرُؤْيَةِ مَنْ يَمُرُّ مِنَ النِّسَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : لَا يُسَلَّمُ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْدِيبِ لَهُمْ وَالتَّبَرِّي مِنْهُمْ . وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي فَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا فَقِيلَ : يُسْتَبْرَأُ حَالُهُ سَنَةً ، وَقِيلَ : سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، وَقِيلَ : خَمْسِينَ يَوْمًا كَمَا فِي قِصَّةِ كَعْبٍ ، وَقِيلَ : لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مَحْدُودٌ بَلِ الْمَدَارُ عَلَى وُجُودِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ مُدَّعَاهُ فِي تَوْبَتِهِ ، وَلَكِنْ لَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي سَاعَةٍ وَلَا يَوْمٍ ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْجِنَايَةِ وَالْجَانِي . وَقَدِ اعْتَرَضَ الدَّاوُدِيُّ عَلَى مَنْ حَدَّهُ بِخَمْسِينَ لَيْلَةً أَخْذًا مِنْ قِصَّةِ كَعْبٍ فَقَالَ : لَمْ يَحِدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسِينَ ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ كَلَامَهُمْ إِلَى أَنْ أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ ؛ يَعْنِي فَتَكُونُ وَاقِعَةَ حَالٍ لَا عُمُومَ فِيهَا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُ وَمَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا عَظِيمًا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ فَلَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَمَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَاحْتَجَّ الْبُخَارِيُّ لِذَلِكَ بِقِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ انْتَهَى . وَالتَّقْيِيدُ بِمَنْ لَمْ يَتُبْ جَيِّدٌ لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ بِقِصَّةِ كَعْبٍ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ وَتَابَ ، وَلَكِنْ أَخَّرَ الْكَلَامَ مَعَهُ حَتَّى قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ، وَقَضَيْتُهُ أَنْ لَا يُكَلَّمَ حَتَّى تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْقَبُولِ فِي قِصَّةِ كَعْبٍ كَانَ مُمْكِنًا ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَكْفِي ظُهُورُ عَلَامَةِ النَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ وَأَمَارَةِ صِدْقِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( اِقْتَرَفَ ) أَيِ اكْتَسَبَ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْأَكْثَرِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الِاقْتِرَافُ التُّهْمَةُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : لَا تُسَلِّمُوا عَلَى شَرَبَةِ الْخَمْرِ ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ شَارِبٍ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يَجْمَعْهُ اللُّغَوِيُّونَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا قَالُوا شَارِبٌ وَشَرْبٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ انْتَهَى . وَقَدْ قَالُوا : فَسَقَةٌ وَكَذَبَةٌ فِي جَمْعِ فَاسِقٍ وَكَاذِبٍ ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِلَفْظِ : لَا تُسَلِّمُوا عَلَى شُرَّابِ الْخَمْرِ ، وَبِهِ إِلَيْهِ قَالَ : لَا تَعُودُوا شُرَّابَ الْخَمْرِ إِذَا مَرِضُوا ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ الصَّحِيحِ : وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : لَا تُسَلِّمُوا عَلَى مَنْ شَرِبَ الْخَمْرِ وَلَا تَعُودُوهُمْ إِذَا مَرِضُوا وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ إِذَا مَاتُوا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ أَضْعَفَ مِنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ ) هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، وَذَكَرَ قِطَعًا يَسِيرَةً مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَقَدْ سَاقَهُ فِي الْمَغَازِي بِطُولِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَقَوْلُهُ : وَآتِي هُوَ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مِنَ الْإِتْيَانِ ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ : عَنْ كَلَامِنَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَلَامٌ كَثِيرٌ آخِرُهُ : فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا قِصَّتُهُ مَعَ أَبِي قَتَادَةَ وَتَسَوُّرُهُ عَلَيْهِ الْحَائِطَ وَامْتِنَاعُ أَبِي قَتَادَةَ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ وَمِنْ جَوَابِهِ لَهُ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ . وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ هُنَا ، وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ تَرْكِ السَّلَامِ تَأْدِيبًا وَتَرْكِ الرَّدِّ أَيْضًا ، وَهُوَ مِمَّا يُخَصُّ بِهِ عُمُومُ الْأَمْرِ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَعَكَسَ ذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ ؛ فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمُرُّ بِمُسلَّمٍ وَلَا نَصْرَانِيٍّ وَلَا صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّا أُمِرْنَا بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى دَلِيلِ الْخُصُوصِ . وَاسْتَثْنَى ابْنُ مَسْعُودٍ مَا إِذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ الْمُسْلِمُ لِضَرُورَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ ، كَقَضَاءِ حَقِّ الْمُرَافَقَةِ ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : كُنْتُ رِدْفًا لِابْنِ مَسْعُودٍ ، فَصَحِبَنَا دَهْقَانُ ، فَلَمَّا انْشَعَبَتْ لَهُ الطَّرِيقُ أَخَذَ فِيهَا ، فَأَتْبَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَصَرَهُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . فَقُلْتُ : أَلَسْتَ تَكْرَهُ أَنْ يُبْدَءُوا بِالسَّلَامِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ حَقُّ الصُّحْبَةِ . وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ ، وَحُمِلَ عَلَيْهِ سَلَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنْ اقْتَرَفَ ذَنْبًا وَلَمْ يَرُدَّ سَلَامَهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ تَوْبَتُهُ وَإِلَى مَتَى تَتَبَيَّنُ تَوْبَةُ الْعَاصِي · ص 43 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من لم يسلم على من اقترف ذنبا ولم يرد سلامه حتى تتبين توبته · ص 247 باب من لم يسلم على من اقترف ذنبا ، ولم يرد سلامه حتى تتبين توبته ، وإلى متى تتبين توبة العاصي أي : هذا باب في بيان أمر من لا يسلم على من اقترف ، أي : على من اكتسب ذنبا ، هذا تفسير الأكثرين ، وقال أبو عبيدة الاقتراف التهمة هذا حكم ، وقوله : وإلى متى تتبين توبة العاصي حكم آخر ، فالحكم الأول فيه خلاف ، فعند الجمهور لا يسلم على الفاسق ، ولا على المبتدع ، وقال النووي : وإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين ، أو دنيا إن لم يسلم سلم ، وكذا قال ابن العربي ، وزاد : إن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، فكأنه قال : الله رقيب عليكم ، وقال ابن وهب : يجوز ابتداء السلام على كل أحد ، ولو كان كافرا ، واحتج بقوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ورد عليه بأن الدليل أعم من المدعى ، والحكم الثاني هو قوله : وإلى متى تتبين توبة العاصي ، أي : إلى متى يظهر صحة توبته ، وأراد أن مجرد التوبة لا توجب الحكم بصحتها ، بل لا بد من مضي مدة يعلم فيها بالقرائن صحتها من ندامته على الفائت ، وإقباله على التدارك ونحوه ، وقال ابن بطال : ليس في ذلك حد محدود ، ولكن معناه أنه لا تتبين توبته من ساعته ، ولا يومه حتى يمر عليه ما يدل على ذلك ، وقيل يستبرأ حاله بسنة ، وقيل : بستة أشهر ، وقيل : بخمسين يوما كما في قصة كعب ، ورد هذا بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يحده بخمسين يوما ، وإنما أخر كلامهم إلى أن أذن الله عز وجل فيه ، وهي واقعة حال لا عموم فيها ، ويختلف حكم هذا باختلاف الجناية ، والجاني . وقال عبد الله بن عمر : لا تسلموا على شربة الخمر . مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة ، والشربة بفتحتين جمع شارب ، وقال ابن التين : لم يجمعه اللغويون كذلك ، وإنما قالوا : شارب ، وشرب مثل صاحب وصحب ، قلت : عبد الله من الفصحاء ، وأي لغوي يدانيه ، وقد جاء هذا الجمع نحو فسقة في جمع فاسق ، وكذبة في جمع كاذب ، وهذا الأثر وصله البخاري في الأدب المفرد من طريق حبان بن أبي جبلة بفتح الجيم ، والباء الموحدة عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ : لا تسلموا على شارب الخمر ، وأخرج الطبري عن علي رضي الله تعالى عنه نحوه . 28 - حدثنا ابن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن شهاب ، عن عبد الرحمن بن عبد الله أن عبد الله بن كعب قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن تبوك ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ، حتى كملت خمسون ليلة وآذن النبي صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر . هذا حديث طويل في قصة توبة كعب بن مالك ساقها في غزوة تبوك ، واختصره البخاري هنا ، وذكر القدر المذكور لحاجته إليه هنا ، وفيه ما ترجم به من ترك السلام تأديبا وترك الرد أيضا ، فإن قلت : قد أمر بإفشاء السلام ، وهو عام ، قلت : قد خص به هذا العموم عند الجمهور . وابن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير ، وعقيل بضم العين ابن خالد ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي المدني يروي عن أبيه عبد الله بن كعب ، وعبد الله يروي عن أبيه كعب بن مالك الأنصاري . قوله : وآتي بمد الهمزة فعل المتكلم من المضارع من الإتيان وبين قوله : ونهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبين قوله : وآتي جمل كثيرة ، فإذا رجعت إلى هذه في المغازي وقفت عليها ، وآذن بالمد ، أي : أعلم .