30 - بَاب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ 581 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ . حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي نَاسٌ بِهَذَا قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ) يَعْنِي مَا حُكْمُهَا ؟ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ النَّهْيِ ، لِأَنَّ تَعَيُّنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا كَثُرَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ ، وَخَصَّ التَّرْجَمَةَ بِالْفَجْرِ مِنِ اشْتِمَالِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ، لِأَنَّ الصُّبْحَ هِيَ الْمَذْكُورَةُ أَوَّلًا فِي سَائِرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ . قُلْتُ : أَوْ لِأَنَّ الْعَصْرَ وَرَدَ فِيهَا كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بَعْدَهَا ، بِخِلَافِ الْفَجْرِ . قَوْلُهُ : ( هِشَامٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ) هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ بِالتَّصْغِيرِ ، وَوَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ . وَالسِّرُّ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَإِنْ كَانَتْ طَرِيقُ هِشَامٍ أَعْلَى مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( شَهِدَ عِنْدِي ) أَيْ أَعْلَمَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي ، وَلَمْ يُرِدْ شَهَادَةَ الْحُكْمِ . قَوْلُهُ : ( مَرْضِيُّونَ ) أَيْ لَا شَكَّ فِي صِدْقِهِمْ وَدِينِهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ هَمَّامٍ شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ فِيهِمْ عُمَرُ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ حَدَّثَنِي رِجَالٌ أَحَبُّهُمْ إِلَيَّ عُمَرُ . قَوْلُهُ : ( نَاسٌ بِهَذَا ) أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ ، فَإِنَّ مُسَدَّدًا رَوَاهُ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظُهُ حَدَّثَنِي نَاسٌ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ عُمَرُ وَقَالَ فِيهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَوَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عُمَرُ ، وَكَانَ مِنْ أَحَبِّهِمْ إِلَيَّ . قَوْلُهُ : ( بَعْدَ الصُّبْحِ ) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ ، إِذْ لَا بُدَّ مِنْ أَدَاءِ الصُّبْحِ ، فَتَعَيَّنَ التَّقْدِيرُ الْمَذْكُورُ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : هَذَا الْحَدِيثُ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تُشْرِقَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَشْرَقَ ، يُقَالُ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ ارْتَفَعَتْ وَأَضَاءَتْ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ بِلَفْظِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَيُرْوَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ بِوَزْنِ تَغْرُبُ يُقَالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ أَيْ طَلَعَتْ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ أَوْ تَطْلُعَ عَلَى الشَّكِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَكَذَا هُوَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي آخِرَ الْبَابِ بِلَفْظِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ بِالْجَزْمِ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّلُوعِ طُلُوعٌ مَخْصُوصٌ ، أَيْ حَتَّى تَطْلُعَ مُرْتَفِعَةً . قَالَ النَّوَوِيُّ : أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْفَرَائِضِ الْمُؤَدَّاةِ فِيهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي النَّوَافِلِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ كَصَلَاةِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَضَاءِ الْفَائِتَةِ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي قَضَاءِ السُّنَّةِ الْفَائِتَةِ فَالْحَاضِرَةُ أَوْلَى وَالْفَرِيضَةُ الْمَقْضِيَّةُ أَوْلَى ، وَيَلْتَحِقُ مَا لَهُ سَبَبٌ . قُلْتُ : وَمَا نَقَلَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالِاتِّفَاقِ مُتَعَقَّبٌ فَقَدْ حَكَى غَيْرُهُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ الْإِبَاحَةُ مُطْلَقًا وَأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مَنْسُوخَةٌ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ ، وَعَنْ طَائِفَةٍ أُخْرَى الْمَنْعُ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ، وَصَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْمَنْعُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ ، وَحَكَى آخَرُونَ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ ، وَمَا ادَّعَاهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِنَ النَّسْخِ مُسْتَنِدًا إِلَى حَدِيثِ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ . انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُمْ : ادِّعَاءُ التَّخْصِيصِ أَوْلَى مِنَ ادِّعَاءِ النَّسْخِ فَيُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى مَا لَا سَبَبَ لَهُ ، وَيَخُصُّ مِنْهُ مَا لَهُ سَبَبٌ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَعِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ وَعِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ، فَذَهَبَ دَاوُدُ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا وَكَأَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ . قُلْتُ : بَلِ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ ادَّعَى النَّسْخَ كَمَا تَقَدَّمَ ، قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَجُوزُ الْفَرَائِضُ وَمَا لَهُ سَبَبٌ مِنَ النَّوَافِلِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَحْرُمُ الْجَمِيعُ سِوَى عَصْرَ يَوْمِهِ ، وَتَحْرُمُ الْمَنْذُورَةُ أَيْضًا . وَقَالَ مَالِكٌ : تَحْرُمُ النَّوَافِلُ دُونَ الْفَرَائِضِ ، وَوَافَقَهُ أَحْمَدُ ، لَكِنَّهُ اسْتَثْنَى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ . ( تَنْبِيهٌ ) لَمْ يَقَعْ لَنَا تَسْمِيَةُ الرِّجَالِ الْمَرْضِيِّينَ الَّذِينَ حَدَّثُوا ابْنَ عَبَّاسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْعُمْدَةِ تَجَاسَرَ وَزَعَمَ أَنَّهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِيهَا عِنْدَ قَوْلِ مُصَنِّفِهَا : وَفِي الْبَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ . وَلَقَدْ أَخْطَأَ هَذَا الْمُتَجَاسِرُ خَطَأً بَيِّنًا فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ · ص 69 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس · ص 258 30 - باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس فيه حديث عن عمر ، وابن عمر ، وأبي هريرة : فحديث عمر ، قال فيه : 581 - حدثنا حفص بن عمر : ثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب . حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة : سمعت أبا العالية ، عن ابن عباس ، قال : حدثني ناس بهذا . إنما أعاده من طريق شعبة لتصريح قتادة فيه بالسماع من أبي العالية . وقد قال شعبة : لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء : هذا الحديث ، وحديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى ) ، وحديث علي : ( القضاة ثلاثة ) . ذكره أبو داود والترمذي في ( كتابيهما ) عن شعبة ، تعليقا . وقد خرج في ( الصحيحين ) لقتادة عن أبي العالية ، حديث ابن عباس في ( دعاء الكرب ) ، وحديثه : في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء الأنبياءَ . وقد روي هذا الحديث من حديث الحسن ، عن أبي العالية ، وليس بمحفوظ: ذكره العقيلي . وقول ابن عباس : شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر ، معناه : أخبرني بذلك وحدثني به ، ولم يرد أنهم أخبروه به بلفظ الشهادة عنده . وهذا ما استدل به من يسوي بين لفظ الإخبار والشهادة ، وقد نص عليه أحمد في الشهادة بالجنة للصحابة الذين روي أنهم في الجنة ؛ فإن من الناس من قال : يقال : إنهم في الجنة ، ولا نشهد ، فقال أحمد : إذا قال فقد شهد . وسوى بين القول والشهادة في ذلك . وأما في أداء الشهادة عند الحاكم ، فاعتبر أكثر أصحابنا لفظ الشهادة ، وذكر القاضي أبو يعلى في موضع احتمالا آخر ، بأنه لا يشترط ذلك . وكان ابن عباس يروي - أحيانا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما شهده وسمعه منه ، ويقول : أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال ذلك في روايته لخطبة العيد ، وقد سبق حديثه بهذا في ( كتاب العلم ) في ( باب : عظة الإمام النساء وتعليمهن ) . وقوله : ( نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ) ، أول هذا الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا طلع الفجر ، وهو المراد بقوله في هذه الرواية : ( بعد الصبح ) ؛ فإن الصبح هو الفجر ، كما قال تعالى : وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ وقال : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ وفي رواية لمسلم في هذا الحديث : نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس . وهذا قول جمهور العلماء : أن أول وقت النهي عن الصلاة إذا طلع الفجر . وروي معنى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة . وقال النخعي : كانوا يكرهون ذلك . وكرهه سعيد بن المسيب ، قال : هو خلاف السنة . وعطاء والحسن - [قال] : وما سمعت فيه بشيء - والعلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن . وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه . وذكر أبو نصر بن الصباغ من الشافعية : أنه ظاهر مذهب الشافعي . وحكى الترمذي في ( جامعه ) أن أهل العلم أجمعوا عليه ، وكرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين ) . وله طرق متعددة عن ابن عمر . وخرج الطبراني والدارقطني والبزار نحوه من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وله عنه طرق . وروي عن ابن المسيب مرسلا ، وهو أصح . ومراسيل ابن المسيب أصح المراسيل . وفي ( صحيح مسلم ) ، عن حفصة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين . وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن عمرو بن عبسة ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الساعات أفضل ؟ قال : ( جوف الليل الآخر ، ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر فلا صلاة ، إلا الركعتين حتى تصلي الفجر ) . وخرجه ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه ، وقال فيه : ( فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح ، ثم انتهِ حتى تطلع الشمس ) . وخرجه النسائي ، وعنده : ( حتى تصلي الصبح ) . فقد تعارضت الروايتان في حديث عمرو بن عبسة . ومما يدل على أن وقت النهي يدخل بطلوع الفجر : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بلالا يؤذن بليل حتى يرجع قائمكم ويوقظ نائمكم ) . وقد خرجاه في ( الصحيحين ) من حديث ابن مسعود . فإن معنى : ( يرجع قائمكم ) أن المصلي بالليل يمسك عن الصلاة ويكف عنها . وقد رخص طائفة من العلماء في بعض الصلوات بعد طلوع الفجر ، قبل صلاة الفجر ، كالوتر وصلاة الليل . روي عن عمر وعائشة في صلاة الليل . وإلى ذلك ذهب مالك في الوتر وقضاء صلاة الليل . وروي عن عطاء . ونص أحمد عليه في الوتر ، وحكى ابن أبي موسى مذهب أحمد جواز قضاء صلاة الليل فيه بغير خلاف حكاه في المذهب ، وحكى الخلاف في بقية ذوات الأسباب ، كتحية المسجد وغيرها . وقال آخرون : لا يدخل وقت النهي حتى يصلي الفجر . ورويت الرخصة في الصلاة قبل صلاة الفجر عن الحسن وطاوس . والمشهور عند عامة أصحاب الشافعي من مذهبه : الرخصة في ذلك ، حتى يصلي الفجر . وحكي رواية عن أحمد . وفي ( صحيح مسلم ) عن عمرو بن عبسة ، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، أخبرني عن الصلاة ؟ فقال : ( صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ، حتى ترتفع ؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ) - وذكر الحديث . وهذا إنما يدل بمفهومه ، وقد عارض مفهومه منطوق الروايات الأولى ، فيقدم المنطوق عليه . وقوله : ( حتى تشرق الشمس ) هكذا الرواية : ( تشرق ) بضم التاء وكسر الراء ، من قولهم : أشرقت الشمس . وزعم بعضهم : أن الصواب : ( تشرق ) بفتح التاء ، وضم الراء ، من قولهم : شرقت الشمس ، إذا طلعت . قال : ومعنى أشرقت : أضاءت وصفت . قال : والمناسب هنا ذكر طلوعها ، لا ذكر إضاءتها وصفائها . وهذا ليس بشيء ، والصواب : ( تشرق ) ، والمعنى : حتى ترتفع الشمس ، كما بوب عليه البخاري . والنهي يمتد إلى أن ترتفع وتضيء ويصفو لونها ، كما في حديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ) . وسيأتي إن شاء الله . مع أن كلا الحديثين قد روي فيه : ( حتى تطلع الشمس ) ، وهو من رواية بعض رواته بالمعنى الذي فهمه منه . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس · ص 75 باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس أي : هذا باب في بيان حكم الصلاة بعد صلاة الفجر إلى أن ترتفع الشمس وقدر بعضهم بعد ذكر الترجمة يعني ما حكمها قلت : فلا حاجة إلى ذكر ذلك لما قدرنا . 58 - حدثنا حفص بن عمر قال : حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس قال : شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب . مطابقته للترجمة ظاهرة فإن قلت : الحديث مشتمل على الفجر والعصر والترجمة بالاقتصار على الفجر ( قلت ) : لأن الصبح هي المذكورة أولا في سائر أحاديث الباب ولأن العصر صلى بعدها النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف الفجر . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول حفص بن عمر الحوضي وقد مر . الثاني : هشام الدستوائي كذلك . الثالث : قتادة بن دعامة كذلك . الرابع : أبو العالية الرياحي بالياء آخر الحروف واسمه رفيع بالتصغير ووقع مصرحا به عند الإسماعيلي من رواية غندر ، عن شعبة . الخامس : عبد الله بن عباس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم ، وأخرجه أبو داود حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا أبان قال : حدثنا قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس قال : شهد عندي رجال مرضيون وفيهم عمر بن الخطاب وأرضاهم عندي عمر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ، وأخرجه الترمذي حدثنا أحمد بن منيع قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا منصور وهو ابن زاذان ، عن قتادة قال : أخبرنا أبو العالية ، عن ابن عباس قال : سمعت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وكان من أحبهم إلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ، عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وأخرجه النسائي أخبرنا أحمد بن منيع قال : حدثنا هشيم قال : حدثنا منصور ، عن قتادة قال : حدثنا أبو العالية واسمه رفيع ، عن ابن عباس نحو حديث الترمذي وأخرجه ابن ماجه ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ( ح ) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عفان ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس نحو حديث أبو داود ورواه مسدد في مسنده ، ومن طريقه رواه البيهقي ، ولفظه : حدثني ناس أعجبهم إلي عمر رضي الله تعالى عنه ولما رواه الترمذي قال : وفي الباب عن علي ، وابن مسعود ، وأبي سعيد ، وعقبة بن عامر ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وسمرة بن جندب ، وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر ، ومعاذ بن عفراء ، والصنابحي ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة ، وكعب بن مرة ، وأبي أمامة ، وعمرو بن عنبسة ، ويعلى بن أمية ، ومعاوية رضي الله تعالى عنهم ( قلت ) : وفي الباب أيضا ، عن سعد بن أبي وقاص ، وأبي ذر الغفاري ، وأبي قتادة ، وأبي الدرداء ، وحفصة فحديث علي رضي الله تعالى عنه أخرجه عنه إسحاق بن راهويه في مسنده ثم البيهقي من جهته عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين دبر كل صلاة مكتوبة إلا الفجر والعصر ، وحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أخرجه إسحاق بن راهويه أيضا بإسناده ، عن ابن مسعود قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ، وإذا صليت المغرب فالصلاة مقبولة مشهودة حتى تصلي الفجر ثم اجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيض فإن الشمس تطلع بين قرني الشيطان ، وفيه : فإذا مالت الشمس فالصلاة مقبولة مشهودة حتى تصفر الشمس فإن الشمس تغرب بين قرني الشيطان . وحديث أبي سعيد الخدري أخرجه البخاري ومسلم عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس ، وحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أخرجه مسلم عنه يقول : ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس ، وحين تضيف للغروب حتى تغرب ، وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري على ما يأتي ، عن قريب إن شاء الله تعالى ، وحديث ابن عمر أخرجه البخاري عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ) الحديث ، وحديث سمرة بن جندب أخرجه عنه أحمد في مسنده عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تصلوا عند طلوع الشمس فإنها تطلع بين قرني الشيطان ، ولا حين تغيب فإنها تغيب بين قرني الشيطان ، وحديث سلمة بن الأكوع أخرجه عنه إسحاق بن راهويه في مسنده قال : كنت أسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيته صلى بعد العصر ولا بعد الصبح ، وحديث زيد بن ثابت أخرجه عنه أبو يعلى الموصلي : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إذا طلع قرن الشمس أو غاب قرنها فإنها تطلع بين قرني شيطان ، وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه عنه ابن أبي شيبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين ، وحديث معاذ بن عفراء أخرجه البخاري عنه على ما يأتي ، عن قريب إن شاء الله تعالى وحديث الصنابحي ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أخرجه عنها أبو يعلى الموصلي قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة حين تطلع الشمس حتى ترتفع فإنها تطلع بقرن الشيطان وينهى عن الصلاة حين تقارب الغروب حتى تغيب ، وحديث كعب بن مرة أخرجه عنه ، وحديث أبي أمامة أخرجه عنه الحارث بن محمد بن أبي أسامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تصلوا عند طلوع الشمس فإنها تطلع بين قرني الشيطان فيسجد لها كل كافر الحديث ، وحديث عمرو بن عنبسة أخرجه عنه عبد بن حميد في حديث طويل وفيه : إذا صليت الفجر فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإنها تطلع في قرني الشيطان فإن الكفار يصلون لها الحديث ، وحديث أبو يعلى بن أمية أخرجه عنه . ( ذكر معناه ) ، قوله : ( شهد عندي رجال ) يعني بينوا لي وأعلموني به قال الله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ قال الزجاج : معناه بين وقال الكرماني : المراد من الشهادة لازمها وهو الإعلام أي : أعلمني رجال عدول ، قوله : ( مرضيون ) أي : لا شك في صدقهم ودينهم ، قوله : ( وأرضاهم ) أفعل التفضيل للمفعول ، قوله : ( بعد الصبح ) أي : بعد صلاة الصبح لأنه لا جائز أن يكون الحكم فيه معلقا بالوقت إذ لا بد من أداء الصبح ، قوله : ( حتى تشرق ) بضم التاء من الإشراق يقال : أشرقت الشمس ارتفعت وأضاءت ويروى بفتح أوله وضم ثالثه بوزن تغرب يقال : شرقت الشمس أي : طلعت وفي المحكم أشرقت الشمس أضاءت وانبسطت ، وقيل : شرقت وأشرقت أضاءت وشرقت بالكسر دنت للغروب وكذا حكاه ابن القطاع في أفعاله وزعم أنه قول الأصمعي وابن خالويه في كتاب ليس ، وقطرب في كتاب الأزمنة ، وقال عياض : المراد من الطلوع ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد طلوع قرصها . ( ذكر ما يستنبط منه ) احتج به أبو حنيفة على أنه يكره أن يتنفل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس وبه قال الحسن البصري ، وسعيد بن المسيب ، والعلاء بن زياد ، وحميد بن عبد الرحمن ، وقال النخعي : كانوا يكرهون ذلك وهو قول جماعة من الصحابة ، وقال ابن بطال : تواترت الأحاديث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير فدل على أن صلاته عليه السلام مخصوصة به دون أمته . وكره ذلك علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو هريرة ، وسمرة بن جندب ، وزيد بن ثابت ، وسلمة بن عمرو ، وكعب بن مرة ، وأبو أمامة ، وعمرو بن عنبسة ، وعائشة والصنابحي واسمه عبد الرحمن بن عسيلة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وفي مصنف ابن أبي شيبة ، عن أبي العالية قال : لا تصلح الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس ، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس قال : وكان عمر رضي الله تعالى عنه يضرب على ذلك . وعن الأشتر قال : كان خالد بن الوليد يضرب الناس على الصلاة بعد العصر وكرهها سالم ومحمد بن سيرين ، وعن ابن عمر قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلا صلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس قال أبو سعيد : تمرتان بزبد أحب إلي من صلاة بعد العصر ، وعن ابن مسعود : كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس ، وعند غروبها وقال بلال : لم ينه عن الصلاة إلا عند غروب الشمس لأنها تغرب في قرن الشيطان ، ورأى أبو مسعود رجلا يصلي عند طلوع الشمس فنهاه ، وكذا شريح وقال الحسن : كانوا يكرهون الصلاة عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند غروبها حتى تغيب ، وحكاه ابن حزم عن أبي بكرة ، وفي فوائد أبي الشيخ رأى حذيفة رجلا يصلي بعد العصر فنهاه فقال : أويعذبني الله عليها ؟ قال : يعذبك على مخالفة السنة ( فإن قلت ) : : أخرج البخاري ومسلم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعهما سرا ولا علانية ركعتان قبل صلاة الصبح وركعتان بعد العصر ، وفي لفظ لهما : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين ، وروى أبو داود من حديث قيس بن عمرو قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال صلى الله عليه وسلم : الصبح ركعتان ، فقال الرجل : إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلها فصليتهما الآن فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . هكذا رواه أبو داود . وقال قيس بن عمرو : وفي رواية قيس بن قهد بالقاف ( قلت ) : استقرت القاعدة أن المبيح والحاظر إذا تعارضا جعل الحاظر متأخرا ، وقد ورد نهي كثير في أحاديث كثيرة ، وأما حديث الأسود ، عن عائشة فإن صلاته عليه الصلاة والسلام فيه مخصوصة به ، والدليل عليه ما ذكرنا أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير ، وذكر الماوردي من الشافعية وغيره أيضا أن ذلك من خصوصياته صلى الله تعالى عليه وسلم وقال الخطابي أيضا : كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مخصوصا بهذا دون الخلق ، وقال ابن عقيل : لا وجه له إلا هذا الوجه ، وقال الطبري : فعل ذلك تنبيها لأمته أن نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم ، وقال الطحاوي : الذي يدل على الخصوصية أن أم سلمة رضي الله تعالى عنها هي التي روت صلاته إياهما ، قيل له : أفنقضيهما إذا فاتتا بعد العصر ؟ قالت : لا وأما حديث قيس بن عمرو فقال في الإمام : إسناده غير متصل ، ومحمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس وقال ابن حبان : لا يحل الاحتجاج به وقد أكد النهي حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . رواه أبو حفص ، حدثنا محمد بن نوح ، حدثنا شعيب بن أيوب ، حدثنا أسباط بن محمد وأبو نعيم ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصلي صلاة مكتوبة إلا صلى بعدها ركعتين إلا الفجر والعصر ، وزعم ابن العربي أن الصلاة في هذين الوقتين تؤدى فيهما فريضة دون النافلة عند مالك وعند الشافعي تؤدى فيهما الفريضة ، والنافلة التي لها سبب ومذهب آخر لا يصلى فيهما بحال لا فريضة ولا نافلة ، ومذهب آخر تجوز بمكة دون غيرها ، وزعم الشافعي في كتاب اختلاف الحديث وذكر الصلاة التي لها سبب وعددها ثم قال : وهذه الصلاة وأشباهها تصلى في هذه الأوقات بالدلالة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ) وصلى ركعتين كان يصليهما بعد الظهر شغل عنهما بعد العصر ، وأمر أن لا يمنع أحد طاف بالبيت أي ساعة شاء ، والاستثناء الوارد في حديث عقبة إلا بمكة . وله في الجمعة حديث أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في نصف النهار إلا يوم الجمعة ، والجواب عن حديث من نسي أنه مخصوص بحديث عقبة وعن قوله : ( صلى ركعتين كان يصليهما ) أنه من خواصه صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وقوله : ( إلا بمكة ) غريب لم يرد في المشاهير أو كان قبل النهي ( فإن قلت ) : : روي عن أنس كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك يصلون ركعتين قبل المغرب ، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء ( قلت ) : حمل ذلك على أول الأمر قبل النهي أو قبل أن يعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو بكر بن العربي : اختلفت الصحابة فيهما ولم يفعله بعدهم أحد ، وقال النخعي : بدعة . ( حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة سمعت أبا العالية ، عن ابن عباس قال : حدثني ناس بهذا ) . هذا طريق آخر في الحديث المذكور ، عن مسدد ، عن يحيى القطان إلى آخره وذكر هذه الطريقة ليبين أن قتادة سمع هذا الحديث من أبي العالية ولم يصرح بالسماع في طريق الحديث الأول ولمتابعة شعبة هشاما ( فإن قلت ) : كان ينبغي أن يبدأ بالحديث الذي فيه سماع قتادة من أبي العالية ( قلت ) : إنما قدم ذاك الحديث لعلوه ، قوله : ( بهذا ) أي بهذا الحديث بمعناه .