14 بَاب الدُّعَاءِ نِصْفَ اللَّيْلِ 6321 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ ، يَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ قَوْلُهُ : ( بَابُ الدُّعَاءِ نِصْفَ اللَّيْلِ ) أَيْ : بَيَانُ فَضْلِ الدُّعَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى غَيْرِهِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هُوَ وَقْتٌ شَرِيفٌ خَصَّهُ اللَّهُ بِالتَّنْزِيلِ فِيهِ ، فَيَتَفَضَّلُ عَلَى عِبَادِهِ بِإِجَابَةِ دُعَائِهِمْ ، وَإِعْطَاءِ سُؤْلِهِمْ ، وَغُفْرَانِ ذُنُوبِهِمْ ، وَهُوَ وَقْتُ غَفْلَةٍ وَخَلْوَةٍ وَاسْتِغْرَاقٍ فِي النَّوْمِ وَاسْتِلْذَاذٍ لَهُ ، وَمُفَارَقَةُ اللَّذَّةِ وَالدَّعَةِ صَعْبٌ ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ الرَّفَاهِيَةِ ، وَفِي زَمَنِ الْبَرْدِ ، وَكَذَا أَهْلُ التَّعَبِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي قِصَرِ اللَّيْلِ ، فَمَنْ آثَرَ الْقِيَامَ لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى خُلُوصِ نِيَّتِهِ وَصِحَّةِ رَغْبَتِهِ فِيمَا عِنْدَ رَبِّهِ ، فَلِذَلِكَ نَبَّهَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى الدُّعَاءِ فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي تَخْلُو فِيهِ النَّفْسُ مِنْ خَوَاطِرِ الدُّنْيَا وَعُلَقِهَا ، لِيَسْتَشْعِرَ الْعَبْدُ الْجِدَّ وَالْإِخْلَاصَ لِرَبِّهِ . قَوْلُهُ : ( يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا بِوَزْنِ يَتَفَعَّلُ مُشَدَّدًا ، وَلِلنَّسَفِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ : يَنْزِلُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ الزَّايِ . قَوْلُهُ : ( حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : تَرْجَمَ بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَسَاقَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّنَزُّلَ يَقَعُ ثُلُثَ اللَّيْلِ ، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ عَوَّلَ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ فَأَخَذَ التَّرْجَمَةَ مِنْ دَلِيلِ الْقُرْآنِ ، وَذِكْرُ النِّصْفِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى وَقْتِ التَّنَزُّلِ قَبْلَ دُخُولِهِ ؛ لِيَأْتِيَ وَقْتُ الْإِجَابَةِ وَالْعَبْدُ مُرْتَقِبٌ لَهُ مُسْتَعِدٌّ لِلِقَائِهِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَفْظُ الْخَبَرِ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ وَذَلِكَ يَقَعُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي . انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ ، فَأَشَارَ إِلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي وَرَدَتْ بِلَفْظِ النِّصْفِ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا نِصْفَ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ أَوْ ثُلُثَ اللَّيْلِ الْآخِرِ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الرُّؤْيَا مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنِ الْأَغَرِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : شَطْرِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ تُرَدَّدٍ ، وَسَأَسْتَوْعِبُ أَلْفَاظَهُ فِي التَّوْحِيدِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَالَ أَيْضًا : النُّزُولُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ الْحَرَكَةُ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ إِلَى السُّفْلِ ، وَقَدْ دَلَّتِ الْبَرَاهِينُ الْقَاطِعَةُ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَلَى ذَلِكَ ، فَلْيُتَأَوَّلْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ نُزُولُ مَلَكِ الرَّحْمَةِ وَنَحْوُهُ ، أَوْ يُفَوَّضُ مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ مِنْ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ ، وَيَأْتِي مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الدُّعَاءِ نِصْفَ اللَّيْلِ · ص 133 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء نصف الليل · ص 290 باب الدعاء نصف الليل أي : هذا باب في بيان فضل الدعاء في نصف الليل إلى طلوع الفجر ، وقال ابن بطال : هو وقت شريف خصه الله عز وجل بالتنزل فيه ، فيتفضل على عباده بإجابة دعائهم وإعطاء سؤالهم فيه وغفران ذنوبهم ، وهو وقت غفلة وخلوة واستغراق في النوم واستلذاذ له ومفارقة اللذة والدعة ، صعب لا سيما على أهل الرفاهية ، وفي زمن البرد ، وكذا أهل التعب مع قصر الليل ، فالسعيد من يغتنم هذا ، والموفق هو الله عز وجل . 17 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي عبد الله الأغر وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، يقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو عبد الله الأغر ، بفتح الغين المعجمة وتشديد الراء ، واسمه سلمان الجهني المدني . والحديث مضى في باب الصلاة من آخر الليل ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة عن مالك إلخ ، ومضى الكلام فيه . قوله : « يتنزل » إلخ ، والحديث من المتشابهات ، ولا بد من التأويل ، إذ البراهين القاطعة دلت على تنزهه منه ، فالمراد نزول ملك الرحمة ونحوه ، ويروى : ينزل ، قوله : « ثلث الليل الآخر » بكسر الخاء ، وهو صفة الثلث ، قيل : ذكر في الترجمة نصف الليل ، وفي الحديث : الثلث ، وأجيب بأنه حين يبقى الثلث يكون قبل الثلث ، وهو المقصود من النصف ، وقال ابن بطال : عدل المصنف ؛ لأنه أخذ الترجمة من دليل القرآن وذكر النصف ، وقيل : أشار البخاري إلى الرواية التي وردت بلفظ النصف ، وقد أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ : ينزل الله إلى سماء الدنيا نصف الليل أو ثلث الليل الآخر ، وروى الدارقطني من طريق حبيب بن أبي ثابت عن الأغر عن أبي هريرة بلفظ : شطر الليل من غير تردد .