18 بَاب الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ 6329 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، قَالَ : كَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالُوا : صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا ، وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا ، وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ ، وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ ، قَالَ : أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ ، وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ بِهِ إِلَّا مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ ؟ تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا ، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا ، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا . تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ سُمَيٍّ . وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ سُمَيٍّ وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ . وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ . وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ) أَيِ : الْمَكْتُوبَةِ ، وَفِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُشْرَعُ ، مُتَمَسِّكًا بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَلَّمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا قَدْرَ مَا يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ، وَمِنْكَ السَّلَامُ ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ . وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ نَفْيُ اسْتِمْرَارِهِ جَالِسًا عَلَى هَيْئَتِهِ قَبْلَ السَّلَامِ إِلَّا بِقَدْرِ أَنْ يَقُولَ مَا ذَكَرَ ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ أَنْ يُقْبِلَ بِوَجْهِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ : وَأَمَّا الدُّعَاءُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ سَوَاءٌ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ وَالْمَأْمُومُ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْلًا ، وَلَا رُوِيَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ وَخَصَّ بَعْضَهُمْ ذَلِكَ بِصَلَاتَيِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَلَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ أُمَّتَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ رَآهُ مَنْ رَآهُ عِوَضًا مِنَ السُّنَّةِ بَعْدَهُمَا ، قَالَ : وَعَامَّةُ الْأَدْعِيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّلَاةِ إِنَّمَا فَعَلَهَا فِيهَا ، وَأَمَرَ بِهَا فِيهَا ، قَالَ : وَهَذَا اللَّائِقُ بِحَالِ الْمُصَلِّي ؛ فَإِنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى رَبِّهِ مُنَاجِيهِ ، فَإِذَا سَلَّمَ مِنْهَا انْقَطَعَتِ الْمُنَاجَاةُ ، وَانْتَهَى مَوْقِفُهُ وَقُرْبُهُ ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ سُؤَالَهُ فِي حَالِ مُنَاجَاتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْأَلُ إِذَا انْصَرَفَ عَنْهُ ؟ ثُمَّ قَالَ : لَكِنَّ الْأَذْكَارَ الْوَارِدَةَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى بِهَا أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا ، وَيَدْعُوَ بِمَا شَاءَ ، وَيَكُونُ دُعَاؤُهُ عَقِبَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الذِّكْرُ ، لَا لِكَوْنِهِ دُبُرَ الْمَكْتُوبَةِ . قُلْتُ : وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّفْيِ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : يَا مُعَاذُ إِنِّي وَاللَّهِ لَأُحِبُّكَ ، فَلَا تَدَعْ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فِي قَوْلِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ الْآتِي فِي بَابِ التَّعَوُّذِ مِنَ الْبُخْلِ قَرِيبًا ؛ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْمَطْلُوبَ ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ : اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ ، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَحَدِيثُ صُهَيْبٍ رَفَعَهُ : كَانَ يَقُولُ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ : اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي ، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُ ذَلِكَ . فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِدُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ قُرْبَ آخِرِهَا وَهُوَ التَّشَهُّدُ ، قُلْنَا : قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ وَالْمُرَادُ بِهِ بَعْدَ السَّلَامِ إِجْمَاعًا ، فَكَذَا هَذَا حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُخَالِفُهُ . وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ ؟ قَالَ : جَوْفَ اللَّيْلِ الْأَخِيرَ ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ وَقَالَ : حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ قَالَ : الدُّعَاءُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّافِلَةِ ، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى النَّافِلَةِ ، وَفَهِمَ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَقِينَاهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ الْقَيِّمِ نَفْيُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ حَاصِلَ كَلَامِهِ أَنَّهُ نَفَاهُ بِقَيْدِ اسْتِمْرَارِ اسْتِقْبَالِ الْمُصَلِّي الْقِبْلَةَ وَإِيرَادِهِ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَأَمَّا إِذَا انْتَقَلَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَدَّمَ الْأَذْكَارَ الْمَشْرُوعَةَ فَلَا يَمْتَنِعُ عِنْدَهُ الْإِتْيَانُ بِالدُّعَاءِ حِينَئِذٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّسْبِيحِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَحَدِيثَ الْمُغِيرَةِ فِي قَوْلِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ بَابَ الذِّكْرِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَأَوْرَدَ فِيهِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَتَقَدَّمَ شَرْحَهُمَا هُنَاكَ مُسْتَوْفًى ، وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لَهُمَا أَنَّ الذَّاكِرَ يَحْصُلُ لَهُ مَا يَحْصُلُ لِلدَّاعِي إِذَا شَغَلَهُ الذِّكْرُ عَنِ الطَّلَبِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى - : مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي ، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ : مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي ، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ أَوِ ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَيَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ ، وَوَرْقَاءُ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ ، وَسُمَيٌّ هُوَ مَوْلَى أَبِي صَالِحٍ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) هُوَ الْعُمَرِيُّ ( عَنْ سُمَيٍّ ) يَعْنِي فِي إِسْنَادِهِ ، وَفِي أَصْلِ الْحَدِيثِ لَا فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ عِنْدَ شَرْحِهِ أَنَّ وَرْقَاءَ خَالَفَ غَيْرَهُ فِي قَوْلِهِ : عَشْرًا ، وَأَنَّ الْكُلَّ قَالُوا : ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمَجْمُوعُ هَذَا الْقَدْرُ ، قُلْتُ : قَدْ وَرَدَ بِالذِّكْرِ الْعَشْرُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَجَمَاعَةٍ ، وَحَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا هُنَاكَ ، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : لَمَّا جَاءَ هُنَاكَ بِلَفْظِ الدَّرَجَاتِ فَقَيَّدَهَا بِالْعُلَا ، وَقَيَّدَ أَيْضًا زِيَادَةً فِي الْأَعْمَالِ مِنَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ زَادَ فِي عِدَّةِ الْأَذْكَارِ - يَعْنِي : وَلَمَّا خَلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ ذَلِكَ نَقَصَ الْعَدَدُ - ثُمَّ قَالَ : عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ ، انْتَهَى . وَكِلَا الْجَوَابَيْنِ مُتَعَقَّبٌ ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَخْرَجُ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْهُ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَيُؤْخَذُ بِالرَّاجِحِ ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فَالَّذِي حَفِظَ الزِّيَادَةَ مُقَدَّمٌ ، وَأَظُنُّ سَبَبَ الْوَهَمِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ : يُسَبِّحُونَ وَيُكَبِّرُونَ وَيَحْمَدُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ مَقْسُومٌ عَلَى الْأَذْكَارِ الثَّلَاثَةِ ، فَرَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَأَلْغَى بَعْضُهُمُ الْكَسْرَ فَقَالَ : عَشَرٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الثَّانِي فَمُرَتَّبٌ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَهُوَ لَائِقٌ بِمَا إِذَا اخْتَلَفَ مَخَارِجُ الْحَدِيثِ ، أَمَّا إِذَا اتَّحَدَ الْمَخْرَجُ فَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، فَإِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَالتَّرْجِيحُ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ سُمَيٍّ ، وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ فَذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِهِ وَفِي آخِرِهِ : قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ : فَحَدَّثْتُ بِهِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ ، فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، وَسُمَيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِهِ وَفِيهِ : تُسَبِّحُونَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَتَحْمَدُونَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَتُكَبِّرُونَهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَقَالَ فِي الْأَوْسَطِ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ رَجَاءٍ إِلَّا ابْنُ عَجْلَانَ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَاهُ جَرِيرٌ ) يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ ( عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ) وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ ، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ بِهَذَا ، وَفِيهِ مِثْلُ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ مِنْ تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ ، وَفِي سَمَاعِ أَبِي صَالِحٍ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَظَرٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّسَائِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِي عُمَرَ الضَّبِّيِّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَكَذَا رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي عُمَرَ ، لَكِنْ زَادَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ بَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَبَيْنَ أَبِي عُمَرَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا ، وَلَمْ يُوَافِقْ شَرِيكٌ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَمِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ لَكِنْ قَالَ : عَنْ عُمَرَ الضَّبِّيِّ ، فَإِنْ كَانَ اسْمُ أَبِي عُمَرَ : عُمَرَ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَتَانِ ، لَكِنْ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ ، فَكَأَنَّهُ تَحَرَّفَ عَلَى الرَّاوِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ : تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، قَالَ سُهَيْلٌ : إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ ، فَذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا السَّنَدِ بِغَيْرِ قِصَّةٍ ، وَلَفْظٌ آخَرُ قَالَ فِيهِ : مَنْ قَالَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً ، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً ، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً ، وَيَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، يَعْنِي تَمَامَ الْمِائَةِ غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنَ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ عَلَى سُهَيْلٍ ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرِوَايَةُ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهَا مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، لَكِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ ، وَأَوْرَدَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ · ص 136 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء بعد الصلاة · ص 293 باب الدعاء بعد الصلاة أي : هذا باب في بيان الدعاء بعد الصلاة المكتوبة . 25 - حدثني إسحاق أخبرنا يزيد أخبرنا ورقاء عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قالوا : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم ، قال : كيف ذاك ؟ قالوا : صلوا كما صلينا ، وجاهدوا كما جاهدنا ، وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال ، قال : أفلا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم ، وتسبقون من جاء بعدكم ، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم إلا من جاء بمثله ؟ تسبحون في دبر كل صلاة عشرا ، وتحمدون عشرا ، وتكبرون عشرا . مطابقته للترجمة في قوله : « تسبحون في دبر كل صلاة » إلى آخره ، وإسحاق هو ابن منصور ، وقيل : ابن راهويه ، ويزيد من الزيادة ابن هارون ، وورقاء مؤنث الأورق ابن عمر اليشكري ، وسمي ، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان ، والحديث من أفراده ، قال صاحب التوضيح : هذا الحديث سلف في الصلاة . قلت : الذي سلف في الصلاة تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، فأين ذا من ذاك . قوله : « أهل الدثور » بضم الدال والثاء المثلثة ، وهي الأموال الكثيرة ، وقال ابن الأثير : الدثور جمع دثر ، وهو المال الكثير يقع على الواحد والاثنين والجمع ، وقال الكرماني : الدثر الخصب . قلت : هذا المعنى في غير هذا الحديث ، وهو في حديث طهنة ، قوله : « وابعث راعيها في الدثر » وهو الخصب والنبات الكثير ، قوله : « بالدرجات » جمع درجة ، قال الجوهري : الدرجة واحدة الدرجات ، وهي الطبقات من المراتب . قلت : المراد هنا المراتب في الجنة ، قوله : « والنعيم » أراد به ما أنعم الله عز وجل به عليهم ، قوله : « قال كيف ذاك » أي : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : كيف ذاك الذي يقولونه ، قوله : « قالوا » ويروى : قال ، قوله : « من فضول أموالهم » أي : من زيادة أموالهم ، قوله : « تسبحون » إلى آخره ، قيل : هذه الكلمات مع سهولتها كيف تساوي الأمور الشاقة من الجهاد ونحوه ، وأفضل العبادات أحمزها ، وأجيب بأنه إذا أدى حق الكلمات من الإخلاص لا سيما الحمد في حال الفقر ، وهو من أفضل الأعمال مع أن هذه القضية ليست كلية ، إذ ليس كل أفضل أحمز ، ولا العكس ، وقيل : مر في آخر كتاب صلاة الجماعة : من سبح أو حمد أو كبر ثلاثا وثلاثين ، وهاهنا قال عشرا ، وأجيب بأن الدرجات كانت ثمة مقيدة بالعلا ، وكان أيضا فيه زيادة في الأعمال من الصوم والحج والعمرة ، زاد في عدد التسابيح والتحاميد والتكبير ، مع أن مفهوم العدد لا اعتبار له ، واعلم أن التسبيح إشارة إلى نفي النقائص عن الله تعالى ، وهو المسمى بالتنزيهات والتحميد إلى إثبات الكمالات . .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء بعد الصلاة · ص 294 تابعه عبيد الله بن عمر عن سمي . أي : تابع سميا عبيد الله بن عمر العمري في روايته عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ، وروى هذه المتابعة مسلم عن عاصم بن النضر : حدثنا معتمر بن سليمان عن عبيد الله عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديث بطوله . فإن قلت : كيف هذه المتابعة ، وفيه تسبحون وتكبرون وتحمدون في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمد الله ثلاثا وثلاثين وتكبر الله ثلاثا وثلاثين . قلت : المتابعة في أصل الحديث لا في العدد المذكور ، وقد قالوا : إن ورقاء خالف غيره في قوله : « عشرا » وإن الكل قالوا : ثلاثا وثلاثين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء بعد الصلاة · ص 294 ورواه ابن عجلان عن سمي ورجاء بن حيوة . أي : روى الحديث المذكور محمد بن عجلان عن سمي ، وعن رجاء بن حيوة ووصله مسلم قال : حدثنا قتيبة أخبرنا الليث عن ابن عجلان ، فذكره مقرونا برواية عبيد الله بن عمر كلاهما عن سمي عن أبي صالح ، قال ابن عجلان : فحدثت به رجاء بن حيوة ، فحدثني بمثله عن أبي صالح عن أبي هريرة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء بعد الصلاة · ص 294 ورواه جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي الدرداء . أي : روى الحديث جرير بن عبد الحميد عن عبد العزيز بن رفيع ، بضم الراء وفتح الفاء الأسدي المكي عن أبي صالح عن أبي الدرداء عويمر الأنصاري ، ووصله النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير به ، قيل : في سماع أبي صالح من أبي الدرداء نظر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء بعد الصلاة · ص 294 ورواه سهيل ، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . . أي : روى الحديث المذكور سهيل مصغر سهل ، عن أبيه أبي صالح ذكوان عن أبي هريرة ، ووصله مسلم عن أمية بن بسطام : أخبرنا يزيد بن زريع أخبرنا روح بن القاسم عن سهيل ، عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم قالوا : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، إلى آخره ، ينظر فيه .