27 بَاب الدُّعَاءِ عِنْدَ الْكَرْبِ 6345 حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْكَرْبِ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، هُوَ مَا يُدْهِمُ الْمَرْءَ ، مِمَّا يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ فَيَغُمُّهُ وَيُحْزِنُهُ . قَوْلُهُ : ( هِشَامٌ ) وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ : هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، قَالَ شُعْبَةُ : إِنَّمَا سَمِعَ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : حَدِيثَ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّلَاةِ ، وَحَدِيثَ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ . وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْمَرَاسِيلِ بِسَنَدِهِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ فَذَكَرَهَا بِنَحْوِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَعْتَبِرْ بِهَذَا الْحَصْرِ ؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا بِمَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمُدَلِّسُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ ، وَقَدْ حَدَّثَ شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ قَتَادَةَ ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لَهُ مُعَلَّقًا فِي آخِرِ التَّرْجَمَةِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ حَدَّثَهُ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي سَمَاعِهِ لَهُ مِنْهُ ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ غَيْرَ هَذَا ، وَهُوَ حَدِيثُ رُؤْيَةِ مُوسَى وَغَيْرِهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا . وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْمُعَلَّقِ : وَقَالَ وَهْبٌ ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ : وُهَيْبٌ بِالتَّصْغِيرِ ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : الصَّوَابُ الْأَوَّلُ . قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ : وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَيِ ابْنِ حَازِمٍ ، فَأَزَالَ الْإِشْكَالَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ ، فَقَالَ : سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ . فَظَهَرَ أَنَّهُ عِنْدَ وُهَيْبٍ بِالتَّصْغِيرِ عَنْ سَعِيدٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَالدَّالِ ، وَعِنْدَ وَهْبٍ بِسُكُونِ الْهَاءِ عَنْ شُعْبَةَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ ) أَيْ : عِنْدَ حُلُولِ الْكَرْبِ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ : كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ ، وَيَقولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : هَجَمَ عَلَيْهِ أَوْ غَلَبَهُ ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ : لَقَّنَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ، وَأَمَرَنِي إِنْ نَزَلَ بِي كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ أَنْ أَقُولَهُا . قَوْلُهُ : ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بِلَفْظِ : وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ، وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ : رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ بَدَلَ : الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ وَوَقَعَ جَمِيعُ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا ، لَكِنْ قَالَ : الْعَلِيمُ الْحَلِيمُ بِاللَّامِ بَدَلَ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَكَذَا هُوَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ ، وَقَالَ : الْعَظِيمُ بَدَلَ الْعَلِيمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الدُّعَاءِ عِنْدَ الْكَرْبِ · ص 150 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء عند الكرب · ص 302 باب الدعاء عند الكرب أي : هذا باب في بيان الدعاء عند الكرب ، بفتح الكاف وسكون الراء وبالباء الموحدة ، وهو حزن يأخذ بالنفس . 39 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو عند الكرب يقول : لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض رب العرش العظيم . مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله : « يدعو عند الكرب » إلى آخره ، وهشام هو ابن أبي عبد الله الدستوائي ، وأبو العالية من العلو اسمه رفيع ، بضم الراء وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة الرياحي ، بكسر الراء وتخفيف الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة . فإن قلت : قتادة مدلس ، وقد روى أبو داود في ( سننه ) في كتاب الطهارة عقيب حديث أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية ، قال شعبة : إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث : حديث يونس بن متى ، وحديث ابن عمر في الصلاة ، وحديث القضاة ثلاثة ، وحديث ابن عباس : شهد عندي رجال مرضيون . قلت : لم يعتبر البخاري هذا الحصر ؛ لأن شعبة ما كان يحدث عن أحد من المدلسين إلا أن يكون ذلك المدلس قد سمعه من شيخه ، وقد حدث شعبة هذا الحديث عن قتادة ، فلذلك أورده البخاري معلقا في آخر الترجمة ، حيث قال : وقال وهب : حدثنا شعبة عن قتادة مثله على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى . قوله : « كان يدعو عند الكرب » أي : عند حلول الكرب ، وفي رواية مسلم : كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب ، قوله : « لا إله إلا الله العظيم الحليم » اشتمل هذا على التوحيد الذي هو أصل التنزيهات المسماة بالأوصاف الجلالية ، وعلى العظمة التي تدل على القدرة العظيمة إذ العاجز لا يكون عظيما ، وعلى الحلم الذي يدل على العلم إذ الجاهل بالشيء لا يتصور منه الحلم ، وهما أصل الصفات الوجودية الحقيقية المسماة بالأوصاف الإكرامية ، ووجه تخصيص الذكر بالحليم ؛ لأن كرب المؤمن غالبا إنما هو على نوع تقصير في الطاعات أو غفلة في الحالات ، وهذا يشعر برجاء العفو المقلل للحزن . فإن قلت : الحلم هو الطمأنينة عند الغضب ، فكيف تطلق على الله عز وجل . قلت : تطلق على الله ويراد لازمها ، وهو تأخير العقوبة . فإن قلت : هذا ذكر لا دعاء . قلت : إنه ذكر يستفتح به الدعاء لكشف الكرب ، قوله : « رب السماوات والأرض » خصهما بالذكر ؛ لأنهما من أعظم المشاهدات ، ومعنى الرب في اللغة يطلق على المالك والسيد والمدبر والمربي والمتمم والمنعم ، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى ، وإذا أطلق على غيره أضيف ، فيقال رب كذا ، قوله : « رب العرش العظيم » هذا أيضا يشتمل على التوحيد والربوبية وعظمة العرش ، وجه الأول قد ذكرناه ، ووجه ذكر الثاني ، أعني لفظ الرب من بين سائر الأسماء الحسنى هو كونه مناسبا لكشف الكرب الذي هو مقتضى التربية ، ووجه الثالث وهو تخصيص العرش بالذكر ؛ لأنه أعظم أجسام العالم فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى ، ثم لفظ : العظيم ، صفة للعرش بالجر عند الجمهور ، ونقل ابن التين عن الداودي أنه رواه برفع العظيم على أنه نعت للرب ، ويروى : ورب العرش العظيم ، بالواو .