باب الدعاء عند الكرب
حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو عند الكرب يقول : لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض رب العرش العظيم . مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله : « يدعو عند الكرب » إلى آخره ، وهشام هو ابن أبي عبد الله الدستوائي ، وأبو العالية من العلو اسمه رفيع ، بضم الراء وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة الرياحي ، بكسر الراء وتخفيف الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة . فإن قلت : قتادة مدلس ، وقد روى أبو داود في ( سننه ) في كتاب الطهارة عقيب حديث أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية ، قال شعبة : إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث : حديث يونس بن متى ، وحديث ابن عمر في الصلاة ، وحديث القضاة ثلاثة ، وحديث ابن عباس : شهد عندي رجال مرضيون .
قلت : لم يعتبر البخاري هذا الحصر ؛ لأن شعبة ما كان يحدث عن أحد من المدلسين إلا أن يكون ذلك المدلس قد سمعه من شيخه ، وقد حدث شعبة هذا الحديث عن قتادة ، فلذلك أورده البخاري معلقا في آخر الترجمة ، حيث قال : وقال وهب : حدثنا شعبة عن قتادة مثله على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى . قوله : « كان يدعو عند الكرب » أي : عند حلول الكرب ، وفي رواية مسلم : كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب ، قوله : « لا إله إلا الله العظيم الحليم » اشتمل هذا على التوحيد الذي هو أصل التنزيهات المسماة بالأوصاف الجلالية ، وعلى العظمة التي تدل على القدرة العظيمة إذ العاجز لا يكون عظيما ، وعلى الحلم الذي يدل على العلم إذ الجاهل بالشيء لا يتصور منه الحلم ، وهما أصل الصفات الوجودية الحقيقية المسماة بالأوصاف الإكرامية ، ووجه تخصيص الذكر بالحليم ؛ لأن كرب المؤمن غالبا إنما هو على نوع تقصير في الطاعات أو غفلة في الحالات ، وهذا يشعر برجاء العفو المقلل للحزن . فإن قلت : الحلم هو الطمأنينة عند الغضب ، فكيف تطلق على الله عز وجل .
قلت : تطلق على الله ويراد لازمها ، وهو تأخير العقوبة . فإن قلت : هذا ذكر لا دعاء . قلت : إنه ذكر يستفتح به الدعاء لكشف الكرب ، قوله : « رب السماوات والأرض » خصهما بالذكر ؛ لأنهما من أعظم المشاهدات ، ومعنى الرب في اللغة يطلق على المالك والسيد والمدبر والمربي والمتمم والمنعم ، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى ، وإذا أطلق على غيره أضيف ، فيقال رب كذا ، قوله : « رب العرش العظيم » هذا أيضا يشتمل على التوحيد والربوبية وعظمة العرش ، وجه الأول قد ذكرناه ، ووجه ذكر الثاني ، أعني لفظ الرب من بين سائر الأسماء الحسنى هو كونه مناسبا لكشف الكرب الذي هو مقتضى التربية ، ووجه الثالث وهو تخصيص العرش بالذكر ؛ لأنه أعظم أجسام العالم فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى ، ثم لفظ : العظيم ، صفة للعرش بالجر عند الجمهور ، ونقل ابن التين عن الداودي أنه رواه برفع العظيم على أنه نعت للرب ، ويروى : ورب العرش العظيم ، بالواو .