33 - بَاب مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ الْفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا وَقَالَ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ : شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ 590 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَتْ : وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ، وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنْ الصَّلَاةِ ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ مِنَ الْفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : ظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ إِخْرَاجُ النَّافِلَةِ الْمَحْضَةِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا . وَقَالَ أَيْضًا : إِنَّ السِّرَّ فِي قَوْلِهِ وَنَحْوِهَا لِيُدْخِلَ فِيهِ رَوَاتِبَ النَّوَافِلِ وَغَيْرَهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ كُرَيْبٌ ) يَعْنِي مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ إِلَخْ ) وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ الْمُؤَلِّفُ مُطَوَّلًا فِي بَابِ إِذَا كَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ بِيَدِهِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : ( وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ) وَقَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( مَا تَرَكَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ : ( مَا كَانَ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَنْ أَجَازَ التَّنَفُّلَ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَقْصِدِ الصَّلَاةَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ ، وَأَجَابَ عَنْهُ مَنْ أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ بِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ مِنَ الرَّوَاتِبِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ ، وَأَمَّا مُوَاظَبَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَنْهَى عَنْهَا ، وَيُوَاصِلُ وَيَنْهَى عَنِ الْوِصَالِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَرِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَفِي آخِرِهِ : وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ لَا أَصْلُ الْقَضَاءِ ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا ؟ فَقَالَ : لَا . فَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ . قُلْتُ : أَخْرَجَهَا الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ بِهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ مَا فِيهِ . ( فَائِدَةٌ ) : رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّمَا صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِأَنَّهُ أَتَاهُ مَالٌ فَشَغَلَهُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . قُلْتُ : وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ شَاهِدٌ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، لَكِنْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ : ثُمَّ لَمْ يَعُدْ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَيُحْمَلُ النَّفْيُ عَلَى عِلْمِ الرَّاوِي فَإِنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي . وَكَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي بَيْتِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً الْحَدِيثَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهَا : لَمْ أَرَهُ يُصَلِّيهِمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يُصَلِّيهِمَا إِلَّا فِي بَيْتِهِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَا أُمِّ سَلَمَةَ ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ فِي رِوَايَةِ الْأُولَى وَكَانَ لَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثْقِلَ عَلَى أُمَّتِهِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَتْ : وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ ) فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَأَلَهَا عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَتْ : وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا : فَقَالَ لَهَا أَيْمَنُ : إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنْهُمَا وَيَضْرِبُ عَلَيْهِمَا فَقَالَتْ : صَدَقْتَ ، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهِمَا فَذَكَرَهُ . وَالْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ كُرَيْبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ إِذَا كَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَفِي أَوَّلِ الْخَبَرِ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالُوا : اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُلْ لَهَا : إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا ، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهُمَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَقَدْ كُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ عَلَيْهِمَا ، الْحَدِيثَ . ( تَنْبِيهٌ ) : رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ سَبَبَ ضَرْبِ عُمَرَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ : إِنَّ عُمَرَ رَآهُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ رَكَعَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَضَرَبَهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَالَ عُمَرُ : يَا زَيْدُ لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّخِذَهُمَا النَّاسُ سُلَّمًا إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى اللَّيْلِ لَمْ أَضْرِبْ فِيهِمَا فَلَعَلَّ عُمَرَ كَانَ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِنَّمَا هُوَ خَشْيَةَ إِيقَاعِ الصَّلَاةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِيَ وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَجَوَابِ عُمَرَ لَهُ وَفِيهِ : وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ حَتَّى يَمُرُّوا بِالسَّاعَةِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلَّى فِيهَا وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ لِمَا قُلْنَاهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ الْفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا · ص 76 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها · ص 293 33 - باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها وقال كريب ، عن أم سلمة : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر ركعتين ، وقال : ( شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر ) . هذا الحديث أسنده في أواخر ( كتاب الصلاة ) في ( الإشارة باليد في الصلاة ) ، وفي ( المغازي ) في ( باب : وفد عبد القيس ) من طريق عمرو بن الحارث ، عن بكير ، أن كريبا مولى ابن عباس حدثه ، أن ابن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوا إلى عائشة ، فقالوا : اقْرَأ عليها السلام منا جميعا ، وسلها عن الركعتين بعد العصر ؛ فإنا أخبرنا أنك تصليها ، وقد بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها . قال ابن عباس : وكنت أضرب مع عمر الناس عنهما . قال كريب : فدخلت عليها ، وبلغتها ما أرسلوني ، [فقالت : سل أم سلمة ، فأخبرتهم ، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني إلى عائشة ] ، فقالت أم سلمة : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عنهما ، وإنه صلى العصر ثم دخل علي ، وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار ، فصلاهما ، فأرسلت إليه الخادم ، فقلت : قومي إلى جنبه ، فقولي : تقول أم سلمة : يا رسول الله ، ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين ؟ فأراك تصليها ، فإن أشار بيده فاستأخري ، ففعلت الخادم ، فأشار بيده فاستأخرت عنه ، فلما انصرف قال : ( يا بنت أبي أمية ، سألت عن الركعتين بعد العصر ، إنه أتاني أناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم ، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر ، فهما هاتان ) . وخرجه مسلم - أيضا . قال الدارقطني في ( العلل ) : هو أثبت هذه الأحاديث وأصحها . يشير إلى الأحاديث التي فيها ذكر عائشة وأم سلمة . وقد روي عن أم سلمة من وجه آخر ، أنها لم تر النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها غير تلك المرة . خرجه الإمام أحمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بعد العصر قط إلا مرة ، جاءه ناس بعد الظهر ، فشغلوه في شيء ، فلم يصل بعد الظهر شيئا حتى صلى العصر . قالت : فلما صلى العصر دخل بيتي فصلى ركعتين . وخرجه النسائي - بمعناه . وهذا - أيضا - إسناد صحيح . وخرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) من رواية ابن أبي لبيد ، عن أبي سلمة ، قال : قدم معاوية المدينة ، فأرسل إلى عائشة . فسألها عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين بعد العصر ؟ فقالت : ما أدري ، سلوا أم سلمة ، فسألوا أم سلمة - فذكرت الحديث . وهذه الرواية تدل على أن عائشة لم يكن عندها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء . ورواه الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي لبيد ، به ، وفي حديثه : أن عائشة قالت : لا علم لي ، ولكن اذهب إلى أم سلمة . وكذا رواه الشافعي - أيضا - عن سفيان . وخرجه النسائي - أيضا - من حديث أبي مجلز ، عن أم سلمة ، وفيه : قالت : فركعهما حتى غابت الشمس ، ولم أره يصليهما قبل ولا بعد . وقد سبق بتمامه . وهذا يدل على أنه صلاهما بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب ، وحينئذ فلا يبقى إشكال في ذلك . وخرج الإمام أحمد من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أنه كان عند مروان ، فأرسل إلى عائشة : ما ركعتان يذكرهما ابن الزبير عنك ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصليهما بعد العصر ؟ فأرسلت إليه : أخبرتني أم سلمة ، فأرسل إلى أم سلمة ، فقالت : يغفر الله لعائشة ، لقد وضعت أمري على غير موضعه ، ثم ذكرت قصة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما ، وقالت أم سلمة : وما رأيته صلاهما قبلها ولا بعدها . وقد روي عن أم [سلمة ] ، أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : ( لا ) . وسيأتي فيما بعد ، إن شاء الله تعالى . وقد روي عن أم سلمة ما يخالف هذا ، إلا أن إسناده لا يصح : من رواية محمد بن حميد الرازي ، عن هارون بن المغيرة ، عن ابن سعيد ، عن عمار الدهني ، عن عبد الملك بن عبيدة بن ربيعة ، عن جدته أم سلمة ، أنها أمرت بالركعتين بعد العصر ، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصليهما إذا صلى مع الناس وهو جالس ، مخافة شهرتها ، وإذا صلاها في بيته صلاها قائما . قال محمد بن حميد : كتب عني أحمد بن حنبل هذا الحديث . محمد بن حميد ، كثير المناكير ، وقد اتهم بالكذب ، فلا يلتفت إلى تفرده بما يخالف الثقات .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها · ص 296 ثم أسند حديث عائشة في هذا الباب من أربعة أوجه : الأول : قال : 590 - حدثنا أبو نعيم : ثنا عبد الواحد بن أيمن : حدثني أبي ، أنه سمع عائشة قالت : والذي ذهب به ، ما تركهما حتى لقي الله ، وما لقي الله حتى ثقل عن الصلاة ، وكان يصلي كثيرا من صلاته قاعدا - تعني : الركعتين بعد العصر - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليهما ، ولا يصليهما في المسجد ، مخافة أن يثقل على أمته ، وكان يحب ما يخفف عنهم . هذا انفرد به البخاري عن مسلم . وخرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) : ( المستخرج على صحيح البخاري ) ، وزاد في روايته : فقال لها أيمن : وإن عمر كان ينهى عنها ، يضرب فيها ؟ قالت : صدقت ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها ، وكان لا يصليها في المسجد مخافة أن يشق على أمته ، وكان يخفف ما خفف عنهم . وهذا يشبه اعتذارها عن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الضحى ؛ فإنها قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسبح سبحة الضحى قط ، وإني لأسبحها ، وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم . خرجه مسلم . وخرج البخاري أوله .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يصلى بعد العصر من الفوائت وغيرها · ص 83 ( باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت وغيرها ) أي هذا باب في بيان الذي يصلى بعد العصر ، ويصلى على صيغة المجهول وبعد العصر أي : بعد صلاة العصر وكلمة من بيانية ، قوله : ( وغيرها ) في بعض النسخ " ونحوها " وقال ابن المنير : السر في قوله ونحوها لتدخل فيه رواتب النوافل وغيرها ، وقال أيضا : ظاهر الترجمة إخراج النافلة المحضة التي لا سبب لها انتهى قلت : لا نسلم أن قوله : ( ونحوها ) لدخول رواتب النفل بل المراد من ذلك دخول مثل صلاة الجنازة إذا حضرت في ذلك الوقت ، وسجدة التلاوة ، والنهي الوارد في هذا الباب عام يتناول النوافل التي لها سبب ، والتي ليس لها سبب ، وقد ذكرنا أن حديث عقبة بن عامر يمنع الكل . وقال كريب : عن أم سلمة صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر ركعتين وقال : شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر . كريب بضم الكاف مولى ابن عباس مر في باب التخفيف في الوضوء وأم سلمة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية ماتت في شوال سنة تسع وخمسين في آخر ولاية معاوية وولاية الوليد بن عتبة على المدينة وصلى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه ، وهذا التعليق أخرجه مسندا في السهو وفي وفد عبد القيس ، عن يحيى بن سليمان ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكير ، عن كريب أن ابن عباس والمسور وعبد الرحمن بن أزهر أرسلوه إلى عائشة الحديث بطوله ، وفيه قال : يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان ، وعند مسلم : ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم ، وعند البيهقي : قدم علي وفد بني تميم أو صدقة شغلوني عنهما فهما هاتان الركعتان . قوله : ( بعد الظهر ) صفة ركعتين أي : المندوبتين بعد الظهر قال الكرماني : وهذا دليل الشافعي في جواز صلاة لها سبب بعد العصر بلا كراهة قلت : هذا لا يصلح أن يكون دليلا لأن صلاته صلى الله عليه وسلم هذه كانت من خصائصه كما ذكرنا فلا يكون حجة لذاك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يصلى بعد العصر من الفوائت وغيرها · ص 84 66 - حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال : حدثني أبي أنه سمع عائشة قالت : والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله وما لقي الله تعالى حتى ثقل عن الصلاة وكان يصلي كثيرا من صلاته قاعدا تعني الركعتين بعد العصر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته ، وكان يحب ما يخفف عنهم . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) : وهم أربعة : الأول : أبو نعيم الفضل بن دكين . الثاني : عبد الواحد بن أيمن بفتح الهمزة تقدم . الثالث : أبوه أيمن الحبشي مولى ابن أبي عمرو المخزومي القرشي المكي . الرابع : عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن أيمن من أفراد البخاري ، وفيه أن رواته ما بين كوفي ومكي . ذكر اختلاف الألفاظ فيه ، وفي لفظ للبخاري : ما ترك السجدتين بعد العصر عندي قط ، وفي لفظ : ركعتان لم يكن يدعهما سرا ولا علانية ركعتان قبل الصبح وركعتان بعد العصر ، وفي لفظ : ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين . وعند مسلم : كان يصليهما قبل العصر ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما ، وكان إذا صلى صلاة أثبتها ، وعند الدارقطني : كان لا يدع ركعتين قبل الفجر وركعتين بعد العصر ، وفي لفظ : دخل عليها بعد العصر فصلى ركعتين فقلت يا رسول الله أحدث بالناس شيء ؟ قال : لا إلا أن بلالا عجل الإقامة فلم أصل الركعتين قبل العصر فأنا أقضيهما الآن قلت : يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا قال : لا ، وفي لفظ : كان يصلي الركعتين بعد العصر وينهى عنهما ، وفي لفظ : ولم أره عاد لهما ، ولفظ محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عبد الرحمن بن أبي سفيان أن معاوية أرسل إليها يسألها ، عن هاتين الركعتين فقالت : ليس عندي صلاهما ولكن أم سلمة حدثتني فذكره . ( ذكر معناه ) : قوله : ( والذي ذهب به ) أي : برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية الإسماعيلي والبيهقي : والذي ذهب بنفسه حلفت عائشة بالله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك الركعتين بعد العصر حتى مات ، قوله : ( ثقل ) بضم القاف ، قوله : ( قاعدا ) نصب على الحال ، قوله : ( مخافة ) نصب على التعليل أي : لأجل المخافة وهو مصدر ميمي بمعنى الخوف وكلمة أن في أن يثقل مصدرية أي : مخافة التثقيل على أمته ويثقل بضم الياء وتشديد القاف المكسورة من التثقيل ، ويروى بفتح الياء وضم القاف ، قوله : ( ما يخفف عنهم ) أي : عن أمته ويخفف بضم الياء وكسر الفاء المشددة من التخفيف هذه رواية المستملي وغيره روى ما خفف بصيغة الماضي . ( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج بهذا الحديث من أجاز التنفل بعد العصر مطلقا مالم يقصد الصلاة عند غروب الشمس . وأورده البخاري في قضاء الفائتة بعد العصر ولهذا ترجم عليه به ونحن نقول كما قلنا غير مرة إن هذا كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم ومن الدليل عليه ما رواه أبو داود من حديث ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها ، ويواصل وينهى عن الوصال ، وروى الترمذي من طريق جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم لم يعد قال الترمذي : حديث حسن قال : وقد روى غير واحد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعد العصر ركعتين وهذا خلاف ما روي أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وحديث ابن عباس أصح حيث قال : لم يعد لهما .