بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 81 ) كِتَاب الرِّقَاقِ 1 - بَاب ما جاء في الرقاق ، وأن لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ 6412 - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ : الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ . وقَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. مِثْلَهُ . قَوْلُهُ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الرِّقَاقِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ وَلَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ وَسَقَطَ عِنْدَهُ عَنِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ وَمِثْلُهُ لِلنَّسَفِيِّ ، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ قَالَ وَأَنْ لَا عَيْشَ وكَذَا لِأَبِي الْوَقْتِ لَكِنْ قَالَ بَابُ لَا عَيْشَ وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَا جَاءَ فِي الرِّقَاقِ وَأَنْ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ . قَالَ مُغْلَطَايْ : عَبَّرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي كُتُبِهِمْ بِالرَّقَائِقِ . قُلْتُ : مِنْهُمُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى وَرِوَايَتُهُ كَذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَالرِّقَاقُ وَالرَّقَائِقُ جَمْعُ رَقِيقَةٍ وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهَا مَا يُحْدِثُ فِي الْقَلْبِ رِقَّةً . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الرِّقَّةُ الرَّحْمَةُ وَضِدُّ الْغِلَظِ ، وَيُقَالُ لِلْكَثِيرِ الْحَيَاءِ رَقَّ وَجْهُهُ اسْتِحْيَاءً . وَقَالَ الرَّاغِبُ : مَتَى كَانَتِ الرِّقَّةُ فِي جِسْمٍ فَضِدُّهَا الصَّفَاقَةُ كَثَوْبٍ رَقِيقٍ وَثَوْبٍ صَفِيقٍ وَمَتَى كَانَتْ فِي نَفْسٍ فَضِدُّهَا الْقَسْوَةُ كَرَقِيقِ الْقَلْبِ وَقَاسِي الْقَلْبِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَتَرْقِيقُ الْكَلَامِ تَحْسِينُهُ . قَوْلُهُ ( أَخْبَرَنَا الْمَكِّيُّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ . قَوْلُهُ ( هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ) الضَّمِيرُ لِسَعِيدٍ لَا لِعَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ مَكِّيٍّ ، وَوَكِيعٍ جَمِيعًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ لِأَنَّهُ لَقِيَ بَعْضَ صِغَارِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ . قَوْلُهُ ( عَنْ أَبِيهِ ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي أَبِي أخَرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ . قَوْلُهُ ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ) كَذَا لِسَائِرِ الرُّوَاةِ لَكِنْ عِنْدَ أَحْمَدَ الْفَرَاغُ وَالصِّحَّةُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَوَكِيعٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِهِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ اللَّفْظُ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ ، عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كَذَلِكَ بِزِيَادَةٍ وَلَفْظُهُ إِنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَرَاغَ نِعْمَتَانِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَدِيٍّ الْمُشَارِ إِلَيْهَا وَقَوْلُهُ نِعْمَتَانِ تَثْنِيَةُ نِعْمَةٍ وَهِيَ الْحَالَةُ الْحَسَنَةُ وَقِيلَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْمَفْعُولَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْسَانِ لِلْغَيْرِ وَالْغَبَنُ بِالسُّكُونِ وَبِالتَّحْرِيكِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُوَ فِي الْبَيْعِ بِالسُّكُونِ وَفِي الرَّأْيِ بِالتَّحْرِيكِ وَعَلَى هَذَا فَيَصِحُّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ فَإِنَّ مَنْ لَا يَسْتَعْمِلُهُمَا فِيمَا يَنْبَغِي فَقَدْ غَبَنَ لِكَوْنِهِ بَاعَهُمَا بِبَخْسٍ وَلَمْ يُحْمَدْ رَأْيُهُ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَكُونُ فَارِغًا حَتَّى يَكُونَ مَكْفِيًّا صَحِيحَ الْبَدَنِ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَحْرِصْ عَلَى أَنْ لَا يَغْبِنَ بِأَنْ يَتْرُكَ شُكْرَ اللَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَمِنْ شُكْرِهِ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ فَمَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ الْمَغْبُونُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُوَفَّقُ لِذَلِكَ قَلِيلٌ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مُتَفَرِّغًا لِشُغْلِهِ بِالْمَعَاشِ وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا فَإِذَا اجْتَمَعَا فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ عَنِ الطَّاعَةِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ وَتَمَامُ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ وَفِيهَا التِّجَارَةُ الَّتِي يَظْهَرُ رِبْحُهَا فِي الْآخِرَةِ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ فَرَاغَهُ وَصِحَّتَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُوطُ وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ لِأَنَّ الْفَرَاغَ يَعْقُبُهُ الشُّغْلُ وَالصِّحَّةُ يَعْقُبُهَا السَّقَمُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْهَرَمُ كَمَا قِيلَ : يَسُرُّ الْفَتَى طُولُ السَّلَامَةِ وَالْبَقَا فَكَيْفَ تَرَى طُولَ السَّلَامَةِ يَفْعَلُ يَرُدُّ الْفَتَى بَعْدَ اعْتِدَالٍ وَصِحَّةٍ يَنُوءُ إِذَا رَامَ الْقِيَامَ وَيُحْمَلُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ : ضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُكَلَّفِ مَثَلًا بِالتَّاجِرِ الَّذِي لَهُ رَأْسُ مَالٍ فَهُوَ يَبْتَغِي الرِّبْحَ مَعَ سَلَامَةِ رَأْسِ الْمَالِ فَطَرِيقُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَحَرَّى فِيمَنْ يُعَامِلُهُ وَيَلْزَمَ الصِّدْقَ وَالْحِذْقَ لِئَلَّا يُغْبَنَ فَالصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ رَأْسُ الْمَالِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَامِلَ اللَّهَ بِالْإِيمَانِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَعَدُوِّ الدِّينِ لِيَرْبَحَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ الْآيَاتِ . وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مُطَاوَعَةَ النَّفْسِ وَمُعَامَلَةَ الشَّيْطَانِ ؛ لِئَلَّا يُضَيِّعَ رَأْسَ مَالِهِ مَعَ الرِّبْحِ . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ فَالْكَثِيرُ فِي الْحَدِيثِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلِيلِ فِي الْآيَةِ . وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ فَقِيلَ الْإِيمَانُ وَقِيلَ الْحَيَاةُ وَقِيلَ الصِّحَّةُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ مُطْلَقَةٌ وَأَمَّا الْحَيَاةُ وَالصِّحَّةُ فَإِنَّهُمَا نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا تَكُونُ نِعْمَةً حَقِيقَةً إِلَّا إِذَا صَاحَبَتِ الْإِيمَانَ وَحِينَئِذٍ يُغْبَنُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَيْ يَذْهَبُ رِبْحُهُمْ أَوْ يَنْقُصُ فَمَنِ اسْتَرْسَلَ مَعَ نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ الْخَالِدَةِ إِلَى الرَّاحَةِ فَتَرَكَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْحُدُودِ وَالْمُوَاظَبَةَ عَلَى الطَّاعَةِ فَقَدْ غُبِنَ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فَارِغًا فَإِنَّ الْمَشْغُولَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَعْذِرَةٌ بِخِلَافِ الْفَارِغِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ وَتَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ ) هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ابْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ أَحَدُ الْحُفَّاظِ بَصْرِيٌّ مِنْ أَوْسَاطِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنِ الْعَبَّاسِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنَ السُّنَنِ فِي بَابِ الْحِكْمَةِ مِنْهُ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ فَذَكَرَهُ سَوَاءً . قَالَ الْحَاكِمُ : هَذَا الْحَدِيثُ صَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ كِتَابَهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . قُلْتُ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ فَرَفَعُوهُ وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ انْتَهَى وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ثُمَّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِهِ ثُمَّ قَالَ : قَالَ بُنْدَارٌ : رُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب ما جاء في الرقاق وأن لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ · ص 233 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة · ص 30 بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الرقاق أي : هذا كتاب في بيان الرقاق وهو جمع رقيق من الرقة ، قال ابن سيده : الرقة الرحمة ورققت له أرق ، ورق وجهه استحى ، ويقال : الرقة ضد الغلظة ، يقال : رق يرق رقا فهو رقيق ورقاق ، وفي ( التوضيح ) كتاب الرقاق كذا في الأصول ، وقال صاحب ( التلويح ) : عبر جماعة من العلماء في كتبهم كتاب الرقائق ، وكذا في نسخة معتمدة من رواية النسفي عن البخاري وهو جمع رقيقة ، والمعنى واحد ، وفي بعض النسخ ما جاء في الرقاق ، وسميت أحاديث الباب بذلك لأن في كل منها ما يحدث في القلب رقة . - باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة أي : هذا باب في بيان ما جاء الخ كذا في رواية أبي ذر عن السرخسي ، وفي روايته عن المستملي والكشميهني سقط لفظ الصحة والفراغ ، وكذا في رواية النسفي ، وفي رواية كريمة عن الكشميهني ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة ، وفي ( شرح ابن بطال ) باب لا عيش إلا عيش الآخرة كرواية أبي ذر عن المستملي ، وهذه الترجمة مذكورة في حديثين من أحاديث الباب على ما يجيء إن شاء الله تعالى . 1 - حدثنا المكي بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الله بن سعيد هو ابن أبي هند ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ . مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة ، والمكي كذا في رواية الأكثرين بالألف واللام وهو اسم بلفظ النسبة وهو من مشايخ البخاري الكبار ، وقد روى أحمد هذا الحديث عنه بعينه ، وعبد الله بن سعيد من صغار التابعين لأنه لقي بعض صغار الصحابة وهو أبو أمامة بن سهل وهو يروي عن أبيه سعيد بن أبي هند الفزاري مولى سمرة بن جندب ، وأوضح هذا يحيى القطان في روايته حيث قال : عن عبد الله بن سعيد ، حدثني أبي ، أخرجه الإسماعيلي والضمير في قوله : هو ابن أبي هند يرجع إلى سعيد لا لعبد الله وهو من تفسير البخاري . والحديث أخرجه الترمذي في الزهد عن صالح بن عبد الله وسويد بن نصر ، وأخرجه النسائي في الرقاق عن سويد بن نصر عن ابن المبارك ، وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن عباس بن عبد العظيم ، وقال الترمذي : ورواه غير واحد عن عبد الله بن سعيد ورفعوه ووقفه بعضهم . قوله : نعمتان تثنية نعمة وهي الحالة الحسنة وبناء النعمة التي يكون عليها الإنسان كالجلسة ، وقال الإمام فخر الدين : النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير . قوله : مغبون إما مشتق من الغبن بسكون الباء وهو النقص في البيع ، وإما من الغبن بفتح الباء وهو النقص في الرأي ، فكأنه قال : هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غبن صاحبهما فيهما أي : باعهما ببخس لا تحمد عاقبته أو ليس له في ذلك رأي البتة ، فإن الإنسان إذ لم يعمل الطاعة في زمن صحته ففي زمن المرض بالطريق الأولى ، وعلى ذلك حكم الفراغ أيضا فيبقى بلا عمل خاسرا مغبونا ، هذا وقد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا للعبادة لاشتغاله بأسباب المعاش ، وبالعكس فإذا اجتمعا في العبد وقصر في نيل الفضائل فذلك هو الغبن له كل الغبن ، وكيف لا والدنيا هي سوق الأرباح وتجارات الآخرة . قوله : كثير مرفوع بالابتداء وخبره هو قوله : مغبون مقدما والجملة خبر قوله : نعمتان . قوله : الصحة أي : إحدى النعمتين الصحة في الأبدان . قوله : والفراغ أي : الأخرى منهما الفراغ ، وهو عدم ما يشغله من الأمور الدنيوية .