754 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلب المددي - صاحب عوف - الذي دفع إليه خالد بن الوليد بعضه ، ومنعه بقيته ، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسليم بقيته إليه ، ثم أمره بأن لا يفعل ذلك . 5649 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي ، قال : حدثنا دحيم ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبيه ، عن عوف ، قال الوليد : وحدثني ثور ، عن خالد بن معدان ، عن جبير ، عن عوف أن مدديا رافقهم في غزوة مؤتة ، وأن روميا كان يشد على المسلمين ، ويفري بهم ، فتلطف به ذلك المددي فقعد له تحت صخرة ، فلما مر به عرقب فرسه ، وخر الرومي لقفاه ، وعلاه بالسيف فقتله ، فأقبل بفرسه وسرجه ولجامه وسيفه ومنطقته ، وسلاحه مذهب بالذهب والجوهر إلى خالد بن الوليد ، فأخذ منه خالد طائفة ، ونفله بقيته ، فقلت : يا خالد ، ما هذا ؟ ما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلب القاتل السلب كله ، قال : بلى ، ولكني استكثرته ، فقلت : أما والله لأعرفنكها عند رسول الله ، قال : عوف فلما قدمنا على رسول الله أخبرته خبره ، فدعاه وأمره أن يدفع إلى المددي بقية سلبه ، فولى خالد ليفعل ، فقلت : كيف رأيت يا خالد ؟ أولم أوف لك ما وعدتك ؟ فغضب رسول الله ، وقال : يا خالد ، لا تعطه . وأقبل علي ، فقال : هل أنتم تاركوا أمرائي ، لكم صفوة أمرهم ، وعليهم كدره . ففي هذا الحديث ، أن خالد بن الوليد كان دفع إلى المددي بعض سلب قتيله ومنعه من بقيته بعد علمه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلب القاتل سلب من قتله . فتأملنا ذلك فاحتمل عندنا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرض للقاتلين في أسلاب قتلاهم لا بوجوبها للقاتلين ، ولكن لسماحته بها لهم ، لا بواجب لهم فيها . والدليل على ذلك . ما 5650 - قد حدثنا يونس ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك أن البراء بن مالك أخا أنس بن مالك بارز مرزبان الزارة ، فطعنه طعنة ، فكسر القربوس ، وخلص إليه ، فقتله ، فقوم سلبه ثلاثين ألفا ، فلما صلينا الغداة غدا علينا عمر ، فقال لأبي طلحة : إنا كنا لا نخمس الأسلاب وإن سلب البراء قد بلغ مالا ، ولا أرانا إلا خامسيه ، فقومناه ثلاثين ألفا ، فدفعنا إلى عمر ستة آلاف . قال أبو جعفر : وهذا مع حضور عمر وأبي طلحة وأنس بن مالك ما كان من رسول الله يوم حنين من قوله : من قتل قتيلا فله سلبه . وفي ذلك ما ينفي أن يكون فيه خمس ، وقد طلب عمر أخذ الخمس من سلب البراء ، فدل ذلك أنهم كانوا يتركون أخماس الأسلاب لا بواجب عليهم تركها ، ولكن سماحة منهم بها للقاتلين لأهلها ، وإذا كان ذلك كذلك في أخماس الأسلاب كان كذلك هو في بقيتها ، فكان من ذلك ما كان مما له أن يمنع منه ، وكان منه ما كان مما له أن يسمح به وإمضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قول عوف ، وبعد قوله على ما أمضى الأمر عليه ، بما قد كان له أن يمضيه عليه ، وفي ذلك ما قد دل : أن أسلاب القتلى لا تستحق إلا بقول متقدم من الإمام ، من قتل قتيلا فله سلبه ، فذلك الذي لا يجوز أن يمنع منه بحال من الأحوال ، والله نسأله التوفيق .
أصل
شرح مشكل الآثارص 269 الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابُ أَخْذِ السَّلَبِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ · ص 765 بَابُ أَخْذِ السَّلَبِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ ( ح 369 ) أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ بن الْبَغْدَادِيُّ ، أنا طَرَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، ثَنَا الشَّيْبَانِيُّ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْعَاصِ بْنُ سَعِيدٍ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هَذَا عِنْدَنَا هُوَ الْمَحْفُوظُ ؛ قَتْلُ الْعَاصِ ، قَالَ : وَأَخَذْتُ سَيْفَهُ ، وَكَانَ يُسَمَّى ذَا الْكَتيفَةِ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اذْهَبْ بِهِ فَأَلْقِهِ فِي الْقَبْضِ ، فَرَجَعْتُ به وَبِي مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَتْلِ أَخِي ، وَأَخْذِ سَلَبِي ، فَمَا جَاوَزْتُ إِلَّا قَرِيبًا حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْفَالِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ : فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَاتِلَ يُعْطَى السَّلَبَ إِذَا قَالَ إِنَّهُ قَتَلَهُ ، وَلَا يُسْأَلُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ غَيْرُ هَذَا . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : لَا يُعْطَى إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ ، وَرَأَتِ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَنْسُوخًا ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ في يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَامَ حُنَيْنٍ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا له عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ . ( ح 370 ) أنا أَبُو عَلِيِّ حمزة بنُ أَبِي الْفَتْحِ الطَّبَرِيُّ ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ ، أنا أَبُو نُعَيْمٍ ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حنين ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَت لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالسَّيْفِ ، فَاشتددتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْتُه مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عُاتقِهِ ، وأَقْبَلَ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، وَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ : مَا لِلنَّاسِ ؟ فقُلْتُ : أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ، قَالَ : فَقُمْتُ ، فَقُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَقُمْتُ فَقَلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَقُمْتُ فَقَلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ ، فَقُمْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَارْضِهِ مِنْ حَقِّهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : لَاهَا اللَّهِ ؛ إِذن لَا يعْمَدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيعْطِيكَ سَلَبَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ . فَأَعْطَانِي فَبِعْتُ الدِّرْعَ ، فابْتَعْتُ به مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلَمَةَ ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَال تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ . هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ ، اتَّفَقَتْ أَئِمَّةُ الصِّحَاحِ عَلَى إِخْرَاجِهِ .
الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابٌ فِي مَنْعِ الْإِمَامِ دَفْعَ السَّلَبِ إِلَى الْقَاتِلِ · ص 775 بَابٌ فِي مَنْعِ الْإِمَامِ دَفْعَ السَّلَبِ إِلَى الْقَاتِلِ ( ح 374 ) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عِيسَى الْمَدَينِيُّ ، أنا الْحُسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَشْقَرَ ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ ، وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي بِالْمُسْلِمِينَ ، وَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَخَرَّ ، وَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ . فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَيْهِ فَأَخَذَ السَّلَبَ ، قَالَ عَوْفٌ : فَأَتَيْتَهُ فَقُلْتُ : يَا خَالِدُ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ . فقُلْتُ : لَتَرُدَّنَّهُ إِلَيْهِ أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ . قَالَ عَوْفٌ : فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمَدَدِيِّ ، وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُدَّ علَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ ، قَالَ عَوْفٌ : قُلْتُ : دُونَكَ يَا خَالِدُ أَلَمْ أُفِ لَكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا ذَاكَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَغَضِبَ ، فَقَالَ : يَا خَالِدُ ، لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي أُمَرَائِي ؛ لَكُمْ صَفْوَةُ أَمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَفْرِي مَعْنَاهُ : شِدَّةُ النِّكَايَةِ فِيهِمْ ، يُقَالُ : يَفْرِي الْفَرَي ، إِذَا كَانَ يُبَالِغُ فِي الْأَمْرِ ، وَقَوْلُهُ : لَأُعَرِّفَنَّكَهَا ؛ أَيْ : لَأُجَازِيَنَّكَ بِهَا حَتَّى تَعْرِفَ صَنِيعَكَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِقْهُهُ أَنَّ السَّلَبَ مَا كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنَّهُ لِلْقَاتِلِ لَا يُخَمَّسُ ، إِلَّا أَنَّهُ أَمَرَ خَالِدًا برُدُّهُ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِكْثَارِهِ إِيَّاهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ رَدُّهُ إِلَى خَالِدٍ بَعْدَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِإِعْطَائِهِ الْقَاتِلَ نَوْعًا مِنَ التكِبرِ عَلَى عَوْفٍ وَرَدْعًا لَهُ وَزَجْرًا ، لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا يَتَسَرَّعُونَ إِلَى الْوَقِيعَةِ فِيهِمْ ، وَكَانَ خَالِدٌ مُجْتَهِدًا فِي صَنِيعِهِ ذَلِكَ إِذْ كَانَ قَدِ اسْتَكْثَرَ السَّلَبَ ، فَأَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْتِهَادَهُ لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ بَعْدَ أَنْ كان خَطَّأَهُ فِي رَأْيِهِ الْأَوَّلِ ، فَالْأَمْرُ الْخَاصُّ مَغْمُورٌ بِالْعَامِّ ، وَالْيَسِيرُ مِنَ الضَّرَرِ مُحْتَمَلٌ لِلْكَثِيرِ مِنَ النَّفْعِ وَالصَّلَاحِ ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَوَّضَ الْمَدَدِيَّ مِنَ الْخُمْسِ الَّذِي هُوَ لَهُ ، وَيُرْضِي خَالِدًا بِالنُّصْحِ لَهُ وَيسْلمِ الْحُكْمِ لَهُ فِي السَّلَبِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَسْخَ الشَّيْءِ قَبْلَ الْفِعْلِ جَائِزٌ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِرَدِّ السَّلَبِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِهِ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ نَسْخٌ لِحُكْمِهِ الْأَوَّلِ .