بَابٌ فِي مَنْعِ الْإِمَامِ دَفْعَ السَّلَبِ إِلَى الْقَاتِلِ
بَابٌ فِي مَنْعِ الْإِمَامِ دَفْعَ السَّلَبِ إِلَى الْقَاتِلِ
( ح 374 )
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عِيسَى الْمَدَينِيُّ ، أنا الْحُسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ،
عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَشْقَرَ ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ ، وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي بِالْمُسْلِمِينَ ، وَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَخَرَّ ، وَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ .
فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَيْهِ فَأَخَذَ السَّلَبَ ، قَالَ عَوْفٌ : فَأَتَيْتَهُ فَقُلْتُ : يَا خَالِدُ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ . فقُلْتُ : لَتَرُدَّنَّهُ إِلَيْهِ أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ .
قَالَ عَوْفٌ : فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمَدَدِيِّ ، وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُدَّ علَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ ، قَالَ عَوْفٌ : قُلْتُ : دُونَكَ يَا خَالِدُ أَلَمْ أُفِ لَكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا ذَاكَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَغَضِبَ ، فَقَالَ : يَا خَالِدُ ، لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي أُمَرَائِي ؛ لَكُمْ صَفْوَةُ أَمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَفْرِي مَعْنَاهُ : شِدَّةُ النِّكَايَةِ فِيهِمْ ، يُقَالُ : يَفْرِي الْفَرَي ، إِذَا كَانَ يُبَالِغُ فِي الْأَمْرِ ، وَقَوْلُهُ : لَأُعَرِّفَنَّكَهَا ؛ أَيْ : لَأُجَازِيَنَّكَ بِهَا حَتَّى تَعْرِفَ صَنِيعَكَ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِقْهُهُ أَنَّ السَّلَبَ مَا كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنَّهُ لِلْقَاتِلِ لَا يُخَمَّسُ ، إِلَّا أَنَّهُ أَمَرَ خَالِدًا برُدُّهُ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِكْثَارِهِ إِيَّاهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ رَدُّهُ إِلَى خَالِدٍ
بَعْدَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِإِعْطَائِهِ الْقَاتِلَ نَوْعًا مِنَ التكِبرِ عَلَى عَوْفٍ وَرَدْعًا لَهُ وَزَجْرًا ، لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا يَتَسَرَّعُونَ إِلَى الْوَقِيعَةِ فِيهِمْ ، وَكَانَ خَالِدٌ مُجْتَهِدًا فِي صَنِيعِهِ ذَلِكَ إِذْ كَانَ قَدِ اسْتَكْثَرَ السَّلَبَ ، فَأَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْتِهَادَهُ لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ بَعْدَ أَنْ كان خَطَّأَهُ فِي رَأْيِهِ الْأَوَّلِ ، فَالْأَمْرُ الْخَاصُّ مَغْمُورٌ بِالْعَامِّ ، وَالْيَسِيرُ مِنَ الضَّرَرِ مُحْتَمَلٌ لِلْكَثِيرِ مِنَ النَّفْعِ وَالصَّلَاحِ ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَوَّضَ الْمَدَدِيَّ مِنَ الْخُمْسِ الَّذِي هُوَ لَهُ ، وَيُرْضِي خَالِدًا بِالنُّصْحِ لَهُ وَيسْلمِ الْحُكْمِ لَهُ فِي السَّلَبِ .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَسْخَ الشَّيْءِ قَبْلَ الْفِعْلِ جَائِزٌ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِرَدِّ السَّلَبِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِهِ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ نَسْخٌ لِحُكْمِهِ الْأَوَّلِ .