فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الطَّاعون ، وعلاجه ، والاحتراز منه في ( الصحيحين ) عن عامر بن سعد بن أبي وَقَّاصٍ ، عن أبيه ، أنه سمعه يَسأَلُ أُسَامَةَ بن زيدٍ : ماذا سمِعْتَ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطاعون ؟ فقال أُسامةُ : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الطاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طائفةٍ من بني إسرائيلَ ، وعَلَى مَن كان قَبْلَكم ، فإذا سَمِعْتُم به بأرضٍ ، فَلا تَدْخُلوا عليها ، وإذا وَقَعَ بأرضٍ وأنْتُم بها ، فلا تَخُرُجوا منها فِرَارا مِنْهُ . وفي ( الصحيحين ) أيضا : عن حَفْصَةَ بنت سِيرِينَ ، قالت : قال أنسُ بن مالكٍ : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الطَّاعُونُ شهادةٌ لكلِّ مُسْلِم . الطاعون من حيث اللُّغة : نوعٌ من الوباء ، قاله صاحب الصحاح ، وهو عند أهل الطب : ورمٌ رديء قتَّال يخرج معه تلهُّب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار في ذلك ، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر ، أو أكمد ، ويؤول أمره إلى التقرح سريعا . وفي الأكثر ، يحدث في ثلاثة مواضع : في الإِبْط ، وخلف الأُذن ، والأرنبة ، وفي اللحوم الرخوة . وفي أثر عن عائشة : أنها قالت للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : الطعن قد عرفناه ، فما الطاعون ؟ قال : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعيرِ يَخْرُجُ في المَرَاقِّ والإِبْط . إذا وقع الخُرَّاجُ في اللحوم الرخوة ، والمغابن ، وخلف الأُذن والأرنبة ، وكان من جنس فاسد ، سُمِّي طاعونا ، وسببُه دم رديء مائل إلى العُفونة والفساد ، مستحيل إلى جوهر سُمِّيٍّ ، يفسِدُ العضوَ ويُغيِّر ما يليه ، وربما رَشَح دَما وصديدا ، ويؤدِّي إلى القلب كيفية رديئة ، فيحدث القيء والخفقان والغَشي ، وهذا الاسم وإن كان يَعُمُّ كُلَّ ورم يؤدي إلى القلب كيفية رديئة حتى يصيرَ لذلك قتَّالا ، فإنه يختصُّ به الحادث في اللَّحم الغُددي ، لأنه لرداءته لا يقبلُه من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع ، وأردؤُه ما حدث في الإبط وخلفَ الأُذن لقربهما من الأعضاء التي هي الرأس ، وأسلمه الأحمر ، ثم الأصفر . والذي إلى السواد ، فلا يفلت منه أحدٌ . ولما كان الطاعون يكثر في الوباء ، وفي البلاد الوبيئة ، عُبِّر عنه بالوباء ، كما قال الخليل : الوباء : الطاعون . وقيل : هو كل مرض يعم . والتحقيقُ أنَّ بين الوباء والطاعون عموما وخصوصا ، فكلُّ طاعونٍ وباءٌ ، وليس كلُّ وباءٍ طاعونا ، وكذلك الأمراضُ العامة أعمُّ من الطاعون ، فإنه واحد منها ، والطواعينُ خرَّاجات وقروح وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها . قلت : هذه القروح ، والأورام ، والجراحات ، هي آثار الطاعون ، وليست نفسَه ، ولكن الأطباء لما لم تُدرك منه إلا الأثر الظاهر ، جعلوه نفسَ الطاعون . والطاعون يُعَبَّر به عن ثلاثة أُمور : أحدها : هذا الأثر الظاهر ، وهو الذي ذكره الأطباء . والثاني : الموت الحادث عنه ، وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله : الطاعونُ شَهادةٌ لكلِّ مُسلمٌ . والثالث : السبب الفاعل لهذا الداء ، وقد ورد في الحديث الصحيح : أَنهُ بقيةُ رِجز أُرسِلَ عَلى بَنِي إسرائيلَ ، وورد فيه : أنهُ وَخْزُ الجنِّ ، وجاء : أنهُ دَعوةُ نبيّ . وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها ، كما ليس عندهم ما يدل عليها ، والرُّسُلُ تُخبر بالأمور الغائبة ، وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح ، فإن تأثيرَ الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا مَنْ هو أجهلُ الناس بالأرواح وتأثيراتِها ، وانفعالِ الأجسام وطبائعها عنها ، واللهُ سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفا في أجسام بني آدمَ عند حدوث الوباء ، وفسادِ الهواء ، كما يجعل لها تصرفا عند بعضِ المواد الرديئة التي تُحدث للنفوس هيئة رديئة ، ولا سيما عند هيجان الدم ، والمِرَّةِ السوداء ، وعند هَيجان المنَيّ ، فإنَّ الأرواح الشيطانية تتمكن مِن فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكَّن من غيره ، ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب من الذِّكر ، والدعاء ، والابتهال والتضرع ، والصَّدَقة ، وقراءة القرآن ، فإنه يستنزل بذلك من الأرواح المَلَكية ما يقهُر هذه الأرواح الخبيثَة ، ويُبطل شرَّها . وقد جرَّبنا نحنُ وغيرُنا هذا مرارا لا يُحصيها إلا الله ، ورأينا لاستنزالِ هذه الأرواح الطيبة واستجلابِ قُربها تأثيرا عظيما في تقوية الطبيعة ، ودفع المواد الرديئة ، وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها ، ولا يكاد ينخرم ، فمَن وفَّقه الله ، بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه ، وهي له أنفع الدواء ، وإذا أراد الله - عز وجل - إنفاذَ قضائه وقَدَره ، أغفل قلبَ العبد عن معرفتها وتصوُّرِها وإرادتها ، فلا يشعر بها ، ولا يُريدها ، ليقضي الله فيه أمرا كان مفعولا . وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله تعالى إيضاحا وبيانا عند الكلام على التداوي بالرُّقَى ، والعُوَذ النبوية ، والأذكار ، والدعوات ، وفعل الخيرات ، ونُبيّن أن نِسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي ، كنسبة طب الطرقية والعجائن إلى طبهم ، كما اعترف به حُذَّاقهم وأئمتهم ، ونبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شيء انفعالا عن الأرواح ، وأن قُوَى العُوَذ ، والرُّقَى ، والدعوات ، فوق قُوَى الأدوية ، حتى إنها تُبطل قُوَى السموم القاتلة . والمقصود : أنَّ فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام ، والعِلَّة الفاعلة للطاعون ، فإن فساد جوهر الهواء الموجِبُ لحدوث الوباء وفساده ، يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة ، لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه ، كالعفونة ، والنَّتَن ، والسُّمِّيّة في أي وقت كان من أوقات السنة ، وإن كان أكثر حدوثه في أواخر الصيف ، وفي الخريف غالبا لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف ، وعدم تحللها في آخره ، وفي الخريف لبرد الجو ، ورَدْغَة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف ، فتنحصر ، فتسخن ، وتعفن ، فتحدث الأمراض العفنة ، ولا سيما إذا صادفت البدن مستعدا ، قابلا ، رهِلا ، قليل الحركة ، كثيرَ المواد ، فهذا لا يكاد يُفْلِت مِن العطب . وأصحُّ الفصول فيه فصل الربيع ؛ قال بقراط : إن في الخريف أشد ما تكون من الأمراض ، وأقتل ، وأما الربيعُ ، فأصحُّ الأوقات كلها وأقلُّها موتا ، وقد جرت عادةُ الصيادلة ، ومجهزي الموتى أنهم يستدينونَ ، ويتسلفون في الربيع والصيف على فصل الخريف ، فهو ربيعُهم ، وهم أشوقُ شيء إليه ، وأفرحُ بقدومه . وقد روي في حديث : إذا طَلعَ النَّجْمُ ارْتَفَعَت الْعَاهَةُ عن كلِّ بَلَدٍ . وفُسِّر بطلوع الثُّريا ، وفُسِّر بطلوع النبات زمن الربيع : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ فإنَّ كمال طلوعه وتمامَه يكون في فصل الربيع ، وهو الفصل الذي ترتفع فيه الآفات . وأما الثُّريا ، فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها . قال التَّمِيميُّ في كتاب ( مادة البقاء ) : أشدُّ أوقات السنة فسادا ، وأعظُمها بلية على الأجساد وقتان ، أحدهما : وقتُ سقوط الثُّريا للمغيب عند طلوع الفجر . الثاني : وقت طلوعها من المشرِق قبل طلوع الشمس على العالَم ، بمنزلة من منازل القمر ، وهو وقت تصرُّمِ فصل الربيع وانقضائه ، غير أن الفسادَ الكائن عند طلوعها أقلُّ ضررا من الفساد الكائن عند سقوطها . وقال أبو محمد بن قتيبة : يقال : ما طلعت الثُّريا ولا نأتْ إلا بعَاهة في النَّاس والإِبْل ، وغروبُها أعْوَهُ من طلوعها . وفي الحديث قولٌ ثالث ولعله أولى الأقوال به ، أنَّ المراد بالنَّجْم : الثُّريا ، وبالعاهة : الآفة التي تلحق الزروع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل الربيع ، فحصل الأمن عليها عند طلوع الثُّريا في الوقت المذكور ، ولذلك نهى - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدُوَ صلاحُها . والمقصود : الكلام على هَدْيِه - صلى الله عليه وسلم - عند وقوع الطاعون .
الطب النبوي
الطب النبويفصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الطَّاعون وعلاجه والاحتراز منه · ص 31 الطب النبويفصل في بحث عن النهي عن الخروج من موضع الطاعون أو الدخول فيه · ص 35 فصل في بحث عن النهي عن الخروج من موضع الطاعون أو الدخول فيه وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - للأُمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها ، ونهيهِ عن الخروج منها بعد وقوعه كمالَ التحرز منه ، فإنَّ في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء ، وموافاةً له في محل سلطانه ، وإعانةً للإنسان على نفسه ، وهذا مخالف للشرع والعقل ، بل تجنُّبُ الدخول إلى أرضه من باب الحِمية التي أرشد الله سبحانه إليها ، وهي حِمية عن الأمكنة ، والأهوية المؤذية . وأما نهيه عن الخروج من بلده ، ففيه معنيان : أحدهما : حمل النفوس على الثقة بالله ، والتوكل عليه ، والصبرِ على أقضيته ، والرِّضَى بها . والثاني : ما قاله أئمة الطب : أنه يجب على كل محترز من الوباء أن يُخْرِجَ عن بدنه الرطوبات الفضلية ، ويُقلِّل الغذاء ، ويميل إلى التدبير المجفف مِن كل وجه إلا الرياضةَ والحمَّام ، فإنهما مما يجب أن يُحذرا ، لأن البدن لا يخلو غالبا مِن فضل رديء كامن فيه ، فتثيرُه الرياضة والحمَّام ، ويخلطانه بالكيموس الجيد . وذلك يجلب عِلَّة عظيمة ، بل يجب عند وقوع الطاعون السكون والدَّعة ، وتسكين هيجان الأخلاط ، ولا يمكن الخروجُ من أرض الوباء والسفر منها إلا بحركة شديدة ، وهي مضرة جدا ، هذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين ، فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي ، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحِهما . فإن قيل : ففي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تخرجوا فِرارا مِنهُ ، ما يُبطل أن يكون أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه ، وأنه لا يمنع الخروجَ لعارض ، ولا يحبس مسافرا عن سفره ؟ قيل : لم يقل أحدٌ - طبيبٌ ولا غيره - إنَّ الناس يتركون حركاتِهم عند الطواعين ، ويصيرون بمنزلة الجماداتِ ، وإنما ينبغي فيه التقلُّل من الحركة بحسب الإمكان ، والفارُّ منه لا موجب لحركته إلا مجرد الفِرار منه ، ودعتُه وسكونُه أنفع لقلبه وبدنه ، وأقربُ إلى توكله على الله تعالى ، واستسلامه لقضائه . وأما مَن لا يستغني عن الحركة كالصُـنَّاع ، والأُجراء ، والمسافرين ، والبُرُد ، وغيرهم فلا يقال لهم : اتركوا حركاتِهم جملةً ، وإن أُمروا أن يتركوا منها ما لا حاجة لهم إليه ، كحركة المسافر فارّا منه . والله تعالى أعلم . وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عدةُ حِكَم : أحدها : تجنب الأسباب المؤذية ، والبُعْد منها . الثاني : الأخذُ بالعافية التي هي مادةُ المعاشِ والمعاد . الثالث : أن لا يستنشِقُوا الهواءَ الذي قد عَفِنَ وفَسَدَ فيمرضون . الرابع : أن لا يُجاوروا المرضى الذين قد مَرِضُوا بذلك ، فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم . وفي ( سنن أبي داود ) مرفوعا : إنَّ مِن القرفِ التلفَ . قال ابن قتيبة : القرفُ مداناة الوباء ، ومداناة المرضى . الخامس : حِميةُ النفوس عن الطِّيَرَة والعَدوى ، فإنها تتأثر بهما ، فإن الطِّيرة على مَن تطيَّرَ بها . وبالجملة ففي النهي عن الدخول في أرضه الأمرُ بالحذر والحِمية ، والنهيُ عن التعرض لأسباب التلف . وفي النهي عن الفِرار منه الأمر بالتوكل ، والتسليم ، والتفويض ، فالأولُ : تأديب وتعليم ، والثاني : تفويض وتسليم . وفي الصحيح : أنَّ عمر بن الخطاب خرج إلى الشام ، حتى إذا كان بِسَرْغَ لَقيه أبو عُبيدة بن الجرَّاح وأصحابه ، فأخبرُوه أنَّ الوَباءَ قد وقع بالشام ، فاختلفوا ، فقال لابن عباس : ادعُ لي المهاجرينَ الأوَّلينَ ، قال : فدعوتُهم ، فاستشارهم ، وأخبرهم أنَّ الوباء قد وقع بالشام . فاختلفوا ، فقال له بعضُهم : خرجتَ لأَمر ، فلا نرى أن تَرْجِعَ عنه . وقال آخرون : معك بقيةُ الناس ، وأصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا نرى أن تُقْدِمَهُم على هذا الوَبَاء ، فقال عمر : ارتفعوا عَنِّي ، ثم قال : ادعُ لي الأنصار ، فدعوتُهم له ، فاستشارهم ، فسلكُوا سبيلَ المهاجرين ، واختلفوا كاختلافهم ، فقال : ارتفعوا عَنِّي ، ثم قال : ادْع لي مَنْ ها هنا من مشيخةِ قريشٍ من مُهاجرةِ الفتح ، فدعوتهم له ، فلم يختلف عليه منهم رجلان ، قالوا : نرى أن ترجِعَ بالناس ولا تُقْدِمَهُم على هذا الوباء ، فَأَذَّنَ عمر في الناس : إني مُصبحٌ على ظَهْرٍ ، فأَصْبِحُوا عليهِ . فقال أبو عُبيدة بن الجرَّاح : يا أميرَ المؤمنين ؛ أفِرَارا من قَدَرِ الله تعالى ؟ قال : لو غيرُك قالها يا أبا عُبيدة ، نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله تعالى إلى قَدَرِ الله تعالى ، أرأيتَ لو كانَ لك إبلٌ فهبطتَ وَادِيا له عُدْوَتَان ، إحداهما خِصبة ، والأُخرى جَدْبة ، ألستَ إنْ رعيتَها الخِصبة رعيتَها بَقدَرِ الله تعالى ، وإن رعيتها الجدبةَ رعيتَها بقدر الله تعالى ؟ . قال : فجاء عبد الرحمن بن عَوْف وكانَ متغيبا في بعض حاجاتِهِ ، فقال : إنَّ عندي في هذا علما ، سمعتُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا كان بِأَرْضٍ وأنْتُمْ بها فلا تَخْرُجوا فِرَارا منه ، وإذا سَمِعْتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عَلَيْهِ .
الطب النبويفصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها · ص 111 فصل في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها ، وإرشاده الأصحاءَ إلى مجانبة أهلها ثبت في ( صحيح مسلم ) من حديث جابر بن عبد الله ، أنه كان في وَفْد ثَقِيف رجلٌ مجذومٌ ، فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - : ارْجِعْ فَقَدْ بايَعْنَاكَ . وروى البخاري في ( صحيحه ) تعليقا مِن حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ . وفي ( سنن ابن ماجه ) من حديث ابن عباس ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلى الْمَجْذُومِين . وفي ( الصحيحين ) من حديث أبي هُريرة ، قال : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ . ويُذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - : كَلِّمْ الْمَجْذُومَ ، وَبَيْنَك وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ . الجُذَام : عِلَّة رديئة تحدثُ من انتشار المِرَّةِ السَّوداء في البدن كُلِّه ، فيفسُد مِزاجُ الأعضاء وهيئتُها وشكلُها ، ورُبما فسد في آخره اتصالُها حتى تتآكلَ الأعضاء وتسقط ، ويُسمى داءَ الأسد . وفي هذه التسمية ثلاثةُ أقوال للأطباء ؛ أحدها : أنها لِكثرة ما تعتري الأسد . والثاني : لأنَّ هذه العِلَّة تُجهِّم وجهَ صاحبها وتجعلُه في سُحنةَ الأسد . والثالث : أنه يفترِسُ مَن يقرُبه ، أو يدنو منه بدائه افتراسَ الأسد . وهذه العِلَّة عند الأطباء من العلل المُعدية المتوارثة ، ومقارِبُ المجذوم ، وصاحبِ السل يَسْقَمُ برائحته ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لكمال شفقته على الأُمة ، ونُصحه لهم ، نهاهم عن الأسباب التي تُعرِّضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم ، ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيُّؤ واستعداد كامن لقبول هذا الداء ، وقد تكون الطبيعةُ سريعة الانفعال قابلةً للاكتساب من أبدان مَن تُجاوِرُه وتُخالطه ، فإنها نقَّالة ، وقد يكون خوفُها من ذلك ووهمهُا مِن أكبر أسباب إصابة تلك العِلَّة لها ، فإنَّ الوهم فعَّال مستَوْلٍ على القُوَى والطبائع ، وقد تَصِلُ رائحة العليل إلى الصحيح فتُسقمه ، وهذا معايَن في بعض الأمراض ، والرائحةُ أحدُ أسباب العدوى ، ومع هذا كله فلا بد من وجود استعدادِ البدن وقبوله لذلك الداء ، وقد تزوَّج النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأةً ، فلما أراد الدخولَ بها ، وجَد بكَشْحها بياضا ، فقال : الْحَقي بأهْلِكِ . وقد ظنَّ طائفة مِن الناس أنَّ هذه الأحاديث معارَضةٌ بأحاديثَ أُخَر تُبطلها وتُناقضها ، فمنها : ما رواه الترمذي ، من حديث جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيَدِ رجُلٍ مجذومٍ ، فأدخلها معه في القَصْعَةِ ، وقال : كُلْ باسم الله ، ثِقَةً بالله ، وتوكُّلا عليه ، ورواه ابن ماجه . وبما ثبت في ( الصحيح ) ، عن أبي هُريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا عَدوَى ولا طِيَرَة . ونحن نقول : لا تعارُض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة . فإذا وقع التعارضُ ، فإما أن يكون أحدُ الحديثين ليس مِن كلامه - صلى الله عليه وسلم - وقد غَلِطَ فيه بعضُ الرواة مع كونه ثقةً ثَبتا ، فالثقةُ يَغْلَطُ ، أو يكونُ أحدُ الحديثين ناسخا للآخر إذا كان مما يَقْبَلُ النسخ ، أو يكونُ التعارضُ في فهم السامع ، لا في نفس كلامه - صلى الله عليه وسلم - فلا بُدَّ مِن وجه من هذه الوجوه الثلاثة . وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان مِن كل وجه ، ليس أحدُهما ناسخا للآخر ، فهذا لا يُوجد أصلا ، ومعاذَ اللهِ أن يُوجَدَ في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحقُّ ، والآفةُ مِن التقصير في معرفة المنقول ، والتمييز بين صحيحه ومعلوله ، أو من القُصور في فهم مُراده - صلى الله عليه وسلم - وحمل كلامه على غير ما عناه به ، أو منهما معا . ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع . . وبالله التوفيق . قال ابن قتيبة في كتاب ( اختلاف الحديث ) له حكايةً عن أعداء الحديث وأهله : قالوا : حديثان متناقضان رويتُم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا عَدوَى ولا طِّيَرَة . وقيل له : إنَّ العفنة تقع بمِشْفَرِ البَعيرِ ، فيجرَبُ لذلك الإبلُ ، قال : فما أعدَى الأولَ ؟ ثم رويتُم : لا يُوردُ ذو عاهة على مُصِحٍّ ، وفِرَّ من المجذومِ فِرارَك من الأسَدِ ، وأتاه رجل مجذوم ليُبايَعه بَيْعة الإسلام ، فأرسل إليه البَيْعةَ ، وأمَره بالانصراف ، ولم يأذن له ، وقال : الشُّؤمُ في المرأة والدارِ والدَّابةِ . قالوا : وهذا كُلُّه مختلِفٌ لا يُشبه بعضُه بعضا . قال أبو محمد : ونحن نقول : إنه ليس في هذا اختلافٌ ، ولكل معنى منها وقتٌ وموضع ، فإذا وُضِع موضعَه زال الاختلاف والعدوى جنسان ؛ أحدهما : عدوى الجُذام ، فإنَّ المجذوم تشتدُّ رائحتُه حتى يُسْقِم مَن أطال مجالسته ومحادثته ، وكذلك المرأةُ تكونُ تحتَ المجذوم ، فتُضاجِعُه في شِعارَ واحد ، فيُوصِل إليها الأذى ، وربما جُذِمَتْ ، وكذلك ولدُه يَنزِعُون في الكِبر إليه ، وكذلك مَن كان به سلٌ ودِقٌ ونُقْبٌ . والأطباء تأمر ألا يُجالَس المسلول ولا المجذُوم ، ولا يُريدون بذلك معنى العدوى ، وإنما يُريدون به معنى تغيُّرِ الرائحة ، وأنها قد تُسْقِمْ مَن أطال اشتمامَها ، والأطباء أبعدُ الناس عن الإيمان بيُمن وشُؤم ، وكذلك النُّقْبةُ تكون بالبعير - وهو جَرَبٌ رَطبٌ - فإذا خالط الإبلَ أو حاكَّها ، وأوَى في مَباركها ، وصل إليها بالماء الذي يَسيل منه ، وبالنَّطف نحو ما به ، فهذا هو المعنى الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يُورَدُ ذو عاهة على مُصِح ، كَرِهَ أن يُخالط المَعْيُوه الصحيحَ ، لئلا ينالَه مِن نَطَفه وحِكَّته نحو مما به . قال : وأما الجنسُ الآخرُ من العدوى ، فهو الطاعونُ ينزلُ ببلد ، فيخرُج منه خوفَ العدوى ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا وقَعَ بِبَلَدٍ وأنْتُم به ، فلا تَخْرُجُوا مِنْه ، وإذا كان بِبَلَدٍ ، فلا تَدْخُلُوه . يريد بقوله : لا تَخْرُجُوا مِن البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون أنَّ الفِرارَ مِن قَدَر الله يُنجيكم من الله ، ويُريد بقوله : ( إذا كان ببلد فلا تدخلوه ) ، أي : مُقامُكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسْكنُ لقلوبكم ، وأطيبُ لعيشكم ، ومن ذلك المرأةُ تُعرف بالشؤم أو الدارُ ، فينال الرجلَ مكروهٌ أو جائحةٌ ، فيقول : أعدتْني بشؤمها ، فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا عَدْوَى ) . وقالت فِرْقة أُخرى : بل الأمرُ باجتنابِ المجذوم والفِرار منه على الاستحباب ، والاختيار ، والإرشاد . وأما الأكل معه ، ففَعلُه لبيانِ الجواز ، وأنَّ هذا ليس بحرام . وقالت فِرْقة أُخرى : بل الخطابُ بهذين الخطابين جزئي لا كلي . فكلُّ واحد خاطبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يليق بحاله ، فبعضُ الناس يكون قوي الإيمان ، قوي التوكل تدفع قوةُ توكله قُوَّةَ العدوى ، كما تدفع قوةُ الطبيعة قوةَ العِلَّة فتُبطلها ، وبعضُ الناس لا يَقوى على ذلك ، فخاطبه بالاحتياط والأخذ بالتحفظ ، وكذلك هو - صلى الله عليه وسلم - فَعل الحالتين معا ، لتقتدي به الأُمة فيهما ، فيأخذ مَن قَوي من أُمته بطريقة التوكل والقُوَّة والثقة بالله ، ويأخذ مَن ضَعف منهم بطريقة التحفظ والاحتياط ، وهما طريقان صحيحان . أحدهما للمؤمن القوي ، والآخر للمؤمن الضعيف ، فتكون لكل واحد من الطائفتين حُجَّةٌ وقُدوةٌ بحسب حالهم وما يناسبهم ، وهذا كما أنه - صلى الله عليه وسلم - كَوى ، وأثنَى على تارِك الكي ، وقرن تركَه بالتوكل ، وتَرَكَ الطِّيرة ، ولهذا نظائرُ كثيرة ، وهذه طريقة لطيفةٌ حسنة جدا مَن أعطاها حقَّها ، ورُزِق فقْه نَفْسه فيها ، أزالت عنه تعارضا كثيرا يظنه بالسُّـنَّةِ الصحيحة . وذهبت فِرقة أُخرى إلى أنَّ الأمر بالفِرار منه ، ومجانبتِه لأمر طبيعي ، وهو انتقالُ الداء منه بواسطة الملامسة والمخالطة والرائحة إلى الصحيح ، وهذا يكون مع تكرير المخالطة والملامسة له ، وأما أكلُه معه مقدارا يسيرا من الزمان لمصلحة راجحة ، فلا بأس به ، ولا تحصُل العدوى مِن مرَّةٍ واحدة ولحظة واحدة ، فنَهى سدا للذريعة ، وحِمايةً للصحة ، وخالطه مخالطةً ما للحاجة والمصلحة ، فلا تعارُضَ بين الأمرين . وقالت طائفة أُخرى : يجوز أن يكونَ هذا المجذومُ الذي أكل معه به من الجُذام أمرٌ يسير لا يُعدي مثله ، وليس الْجَذْمَى كُلُّهم سواءً ، ولا العدوى حاصلة من جميعهم ، بل منهم مَن لا تضرُّ مخالطته ، ولا تُعدي ، وهو مَن أصابه من ذلك شيء يسير ، ثم وقف واستمر على حاله ، ولم يُعْدِ بقيةَ جسمه ، فهو أن لا يعدي غيره أولى وأحرى . وقالت فِرقة أُخرى : إنَّ الجاهلية كانت تعتقد أنَّ الأمراض المعدية تُعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله سبحانه ، فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتقادَهم ذلك ، وأكل مع المجذوم ليُبَيِّنَ لهم أنَّ الله سبحانه هو الذي يُمرض ويَشفي ، ونهى عن القُرب منه ليتبينَ لهم أنَّ هذا من الأسباب التي جعلها الله مُفضية إلى مسبباتها ، ففي نهيه إثباتُ الأسباب ، وفي فعله بيان أنها لا تستقِلُّ بشيء ، بل الربُّ سبحانه إن شاء سلبها قواها ، فلا تؤثر شيئا ، وإن شاء أبقى عليها قُواها فأثَّرت . وقالت فِرقة أُخرى : بل هذه الأحاديث فيها الناسخ والمنسوخ ، فيُنظر في تاريخها ، فإن عُلِمَ المتأخر منها ، حُكِمَ بأنه الناسخ ، وإلا توقفنا فيها . وقالت فِرقة أُخرى : بل بعضُها محفوظ ، وبعضها غيرُ محفوظ ، وتكلمت في حديث : ( لا عَدوَى ) ، وقالت : قد كان أبو هريرة يرويه أوَّلا ، ثم شكَّ فيه فتركه ، وراجعوه فيه ، وقالوا : سمعناك تُحدِّث به ، فأبى أن يُحدِّث به . قال أبو سلمة : فلا أدري ، أنسيَ أبو هريرة ، أم نَسخَ أحدُ الحديثين الآخَر ؟ وأما حديثُ جابر : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيدِ مجذوم ، فأدخلها معه في القصعة ، فحديثٌ لا يثبت ولا يَصِحُّ ، وغاية ما قال فيه الترمذي : إنه غريب ، لم يُصَحِّحْه ولم يُحَسِّنه . وقد قال شعبة وغيرُه : اتقوا هذه الغرائبَ . قال الترمذي : ويُروى هذا من فعل عمر ، وهو أثبت ، فهذا شأنُ هذين الحديثين اللَّذين عُورض بهما أحاديثُ النهي . أحدهما : رجع أبو هريرة عن التحديث به وأنكره . والثاني : لا يَصِحُّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم ، وقد أشبعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب ( المفتاح ) ، بأطولَ من هذا . وبالله التوفيق .