412 - بَابٌ : بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَدَايَا الْكُفَّارِ إلَيْهِ مِنْ قَبُولٍ مِنْهُ لَهَا وَمِنْ رَدٍّ مِنْهُ إيَّاهَا . 2939 - حَدّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عِمْرَانَ الْأُرْدُنُّيُّ أَبُو أَيُّوبَ بِطَبَرِيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئُ الْبَزَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ : وَكَانَ حِرْمِيَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً فَرَدَّهَا وَقَالَ : إنَّا لَا نَقْبَلُ زَبْدَ الْمُشْرِكِينَ . 2940 - وَحَدّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : سَأَلْت الْحَسَنَ مَا زَبْدُ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : رِفْدُهُمْ . 2941 - وَحَدّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ أَنَّ عِيَاضَ بْنَ حِمَارٍ ، وَكَانَ حِرْمِيَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ بِنَاقَةٍ يُهْدِيهَا إلَيْهِ ، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ : يَا عِيَاضُ مَا هَذِهِ ؟ قَالَ : أَهْدَيْتهَا لَك قَالَ : قُدْهَا فَقَادَهَا قَالَ : رُدَّهَا فَرَدَّهَا قَالَ : يَا عِيَاضُ هَلْ أَسْلَمْت بَعْدُ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَلَمْ يَقْبَلْهَا وَقَالَ : إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنَا زَبْدَ الْمُشْرِكِينَ . قَالَ : وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْهَدِيَّةَ الزَّبْدَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْحَرَمِيُّ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ وَيَكُونُ الصَّدِيقَ أَيْضًا يُقَالُ لَهُ : حَرَمِيٌّ . 2942 - وَحَدّثَنَا مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالصَّقَلِّيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَهْدَى أَمِيرُ الْقِبْطِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارِيَتَيْنِ أُخْتَيْنِ قِبْطِيَّتَيْنِ وَبَغْلَةً ، فَأَمَّا الْبَغْلَةُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُهَا ، وَأَمَّا إحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ فَتَسَرَّاهَا فَوَلَدَتْ لَهُ إبْرَاهِيمَ ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَأَعْطَاهَا حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ . 2943 - حَدّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حدثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ الْقَارِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى الْمُقَوْقِسِ صَاحِبِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة يَعْنِي بِكِتَابِهِ مَعَهُ إلَيْهِ ، فَقَبِلَ كِتَابَهُ وَأَكْرَمَ حَاطِبًا وَأَحْسَنَ نُزُلَهُ ، ثُمَّ سَرَّحَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَهْدَى لَهُ مَعَ حَاطِبٍ كُسْوَةً وَبَغْلَةً بِسَرْجِهَا وَجَارِيَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا أُمُّ إبْرَاهِيمَ ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَوَهَبَهَا لِجَهْمِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْدَرِيِّ ، فَهِيَ أُمُّ زَكَرِيَّا بْنِ جَهْمٍ الَّذِي كَانَ خَلِيفَةً لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى مِصْرَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا أَدْخَلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ مِمَّنْ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَالُ : إنَّهُ قَدْ رَآهُ فَدَخَلَ بِذَلِكَ فِي صَحَابَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْوَجْهِ الَّذِي بِهِ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عِيَاضٍ هَدِيَّتَهُ ، وَعَنْ الْوَجْهِ الَّذِي بِهِ قَبِلَ مِنْ الْمُقَوْقِسِ هَدِيَّتَهُ وَكِلَاهُمَا كَافِرٌ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ كُفْرَ عِيَاضٍ كَانَ كُفْرَ شِرْكٍ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَجُحُودٍ لِلْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ ، وَكُفْرَ الْمُقَوْقِسِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُقِرًّا بِالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ وَمُؤْمِنًا بِنَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عز وجل وَهُوَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ عِيَاضٌ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَطْلُوبِينَ بِالزَّوَالِ عَنْ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَبِتَرْكِهِ إلَى ضِدِّهِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْإِيمَانُ بِهِ . وَكَانَ الْمُقَوْقِسُ وَمَنْ سِوَاهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَطْلُوبِينَ بِالتَّصْدِيقِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْإِيمَانِ بِهِ ، وَالثُّبُوتِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ دِينِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ عِيَاضٌ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا مَنْكُوحَةٍ نِسَاؤُهُمْ ، وَكَانَ الْمُقَوْقِسُ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَأْكُولَةً ذَبَائِحُهُمْ وَمَنْكُوحَةً نِسَاؤُهُمْ ، فَكَانَ الْفَرِيقَانِ وَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ يَخْتَلِفُ كُفْرُهُمْ وَتَتَبَايَنُ أَحْكَامُهُمْ ، وَكَانَ كُلُّ شِرْكٍ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُفْرًا ، وَلَيْسَ كُلُّ كُفْرٍ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شِرْكًا ، وَكَانَ اللَّهُ عز وجل قَدْ أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُجَادِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بِقَوْلِهِ جل وعز : وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْمُقَوْقِسُ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ كُتُبَ اللَّهِ عز وجل الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَقَبِلَ هَدِيَّةَ مَنْ أَمَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُجَادِلَهُ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ الْأَحْسَنَ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ مِنْهُ ، وَرَدُّ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ ربه عز وجل أَمَرَهُ بِمُنَابَذَتِهِمْ وَبِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَفَصَلَ بَيْنَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فَخَالَفَ بَيْنَ أَسْمَائِهِمْ وَبَيْنَ مَا نَسَبَهُمْ إلَيْهِ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَهُمْ الْيَهُودُ ، وَالصَّابِئِينَ وَهُمْ أُمَّةٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، لَهُمْ أَحْكَامٌ سَنَأْتِي بِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَالنَّصَارَى وَهُمْ الَّذِينَ مِنْهُمْ الْمُقَوْقِسُ ، وَالْمَجُوسُ وَهُمْ مُشْرِكُو الْعَجَمِ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِبَعْثٍ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَهُمْ فِي الْعَجَمِ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فِي الْعَرَبِ ، إلَّا فِيمَا يُخَالِفُونَهُمْ فِيهِ مِنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا ، وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَهُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِبَعْثٍ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَكَذَلِكَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ تَفْرِيقِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْأَسْمَاءِ ، وَفِي الْأَحْكَامِ . 2944 - كَمَا قَدْ حَدّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : حدثنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : شَهِدْت خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ قَوْلًا كَثِيرًا حَسَنًا جَمِيلًا ، وَكَانَ فِيهَا : مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ، وَلَهُ مِثْلُ الَّذِي لَنَا وَعَلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْنَا ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَهُ أَجْرُهُ وَلَهُ مِثْلُ الَّذِي لَنَا وَعَلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْنَا . فَكَانَ فِيمَا تَلَوْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى تَبَايُنِ الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا فِي الْكُفْرِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ ، وَفِي مُنَابَذَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْهُمَا ، وَفِي أَنْ لَا يُجَادِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْهُمْ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى اتِّسَاعِ قَبُولِهِ هَدَايَاهُمْ مِنْهُمْ ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةَ مَنْ قَبِلَ هَدِيَّتَهُ مِنْهُمْ لِذَلِكَ ، وَرَدَّ هَدِيَّةَ مَنْ رَدَّ هَدِيَّتَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرِ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي فِيهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
أصل
شرح مشكل الآثارص 399 شرح مشكل الآثارص 128 671 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبوله الهدايا من ملوك الأعاجم واستئثاره بها ، وما روي مما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم في ذلك بخلاف من تولى أمور المسلمين بعده . 5040 - حدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا إسرائيل ، عن ثوير يعني ابن أبي فاختة ، عن أبيه وهو أبو فاختة سعيد بن علاقة ، عن علي رضي الله عنه قال : أهدى كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منه ، وأهدت إليه الملوك فقبل منهم . 5041 - حدثنا علي بن عبد الرحمن ، حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا مندل بن علي ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أهدى المقوقس صاحب مصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدحا من زجاج ، وكان يشرب فيه . 5042 - وحدثنا فهد ، حدثنا معلى بن راشد ، حدثنا عمارة بن زاذان الصيدلاني ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة بثلاثين قلوصا ، أو ثلاثين بعيرا ، قال عمارة : فحدثني رجل عن ثابت ، عن أنس أنه قد لبسها . 5043 - وحدثنا فهد ، حدثنا أبو غسان ، حدثنا عمارة بن زاذان ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ملك ذي يزن أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة قد أخذت بثلاثة وثلاثين بعيرا ، أو ثلاثة وثلاثين جملا . 5044 - وحدثنا فهد ، حدثنا محمد بن كثير الصنعاني قال : سمعت معمرا ، عن الزهري قال : أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب ، عن العباس بن عبد المطلب قال : شهدت حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء أهداها إليه فروة بن نفاثة الجذامي . 5045 - وحدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا دلهم يعني ابن صالح ، حدثني حجير أو فلان بن حجير ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه أن صاحب الحبشة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خفين ساذجين ، فلبسهما ، ومسح عليهما . 5046 - وحدثنا يونس ، حدثنا علي بن معبد ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن ابن عمر رضي الله عنه قال : كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من حلل السيراء مما أهدى إليه فيروز ، فلبست الإزار ، فأغرقني طولا وعرضا ، فسحبته ، ولبست الرداء ، فتقنعت به ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله بن عمر ، ارفع الإزار ؛ فإن ما مس التراب إلى أسفل الرجل من الكعبين من الإزار في النار ، قال عبد الله بن محمد : فلم أر أحدا قط أشد تشميرا لإزاره من عبد الله بن عمر . 5047 - وحدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية , يعني بكتابه معه إليه , فقبل كتابه وأكرم حاطبا , وأحسن نزله , ثم سرحه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة شهباء بسرجها , وجاريتين , إحداهما أم إبراهيم , وأما الأخرى فوهبها لجهم بن قيس العبدري , وهي أم زكريا بن جهم , الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر وسمعت يونس يقول : قال لي هارون بن عبد الله القاضي : يا أبا موسى , لقد سمعنا عندكم هاهنا شيئا ما سمعناه قبل قدومنا عليكم , فقلت له : وما هو ؟ قال : حديث عن ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد القاري , وإنما الذي كنا نعرفه من حديث ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن عبد هو ما كان يحدثه عن عروة عنه , أو عمن سواه عنه , منهم حميد بن عبد الرحمن , فقلت له : هو كما سمعت ، أخبرناه عبد الله بن وهب , ثم حدثته هذا الحديث , قال أبو جعفر : وداره دار العيزار التي عند الشرط . قال أبو جعفر : وقد زعم غير واحد من أهل العلم بالتاريخ أن عبد الرحمن بن عبد قد كان حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأدخلنا حديثه في المسند لذلك . 5048 - وحدثنا موسى بن الحسن المعروف بالسقلي ، حدثنا محمد بن عباد المكي ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن بشير بن المهاجر ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : أهدى أمير القبط لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاريتين أختين قبطيتين وبغلة , فأما البغلة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركبها , وأما إحدى الجاريتين فتسراها فولدت له إبراهيم , وأما الأخرى فأعطاها حسان بن ثابت الأنصاري . قال أبو جعفر : فكان في هذه الآثار قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا من ذكرت هداياه إليه في هذه الآثار , واستئثاره بها وتركه ردها إلى أموال المسلمين . فسأل سائل عن المعنى في ذلك , وفي مخالفته بين نفسه وبين من سواه من أمته في هذا المعنى , على ما قد ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان الله عز وجل اختصه في أموال أهل الحرب بخاصة تخالف بينه وبين غيره من أمته , فقال عز وجل فيما أنزل من كتابه عليه : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ([ الحشر : 6 ] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك , وبهذا المعنى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاج العباس وعليا بما حاجهما به فيما كانا خاصما إليه فيه . 5049 - كما ، حدثنا يزيد بن سنان وأبو أمية قالا : حدثنا بشر بن عمر الزهراني ، حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعلي والعباس : هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث , ما تركنا صدقة ؟ فقالا : نعم , قال : فإن الله عز وجل خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخص بها أحدا من الناس , فقال : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ([ الحشر : 6 ] , فكان الله عز وجل أفاء على رسوله بني النضير , فوالله ما استأثر بها عليكم , ولا أخذها دونكم , فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ منها نفقة بيته , أو نفقته ونفقة أهله سنة , ويجعل ما بقي أسوة المال , ثم أقبل على أولئك الرهط - يعني عثمان , وعبد الرحمن بن عوف , والزبير بن العوام , وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم - فقال : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض , هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم . 5050 - وكما حدثنا المزني , حدثنا الشافعي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن شهاب , سمع مالك بن أوس بن الحدثان يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : إن أموال بني النضير كانت مما أفاء الله عز وجل على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب , فكانت أموالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا , فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله منها نفقة سنة , وما بقي جعله في الخيل والكراع عدة في سبيل الله عز وجل . قال أبو جعفر : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خصه الله بما خصه به من أموال المشركين مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب , فكان من ذلك ما جاء من هدايا المشركين مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب , فاستأثر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك , فكان من سواه من أمته في مثله بخلاف ذلك , فكان منه صلى الله عليه وسلم فيمن استأثر بشيء منه ما قد ذكرناه في الآثار التي ذكرناها في الباب الذي قبل هذا الباب . فقال قائل : فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رده لهدايا المشركين وقوله : إنا لا نقبل زبد المشركين , يعني رفدهم , وذكر في ذلك . 5051 - ما قد حدثنا أبو أيوب الأردني المعروف بابن خلف , حدثنا خلف بن هشام البزار , حدثنا حماد بن زيد ، عن أبي التياح ، عن الحسن ، عن عياض بن حمار قال : وكان حرمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية , فأهدى له هدية فردها , وقال : إنا لا نقبل زبد المشركين . 5052 - وما قد حدثنا أبو أيوب , حدثنا خلف , حدثنا حماد بن زيد ، عن ابن عون قال : سألت الحسن : ما زبد المشركين ؟ قال : رفدهم . 5053 - وما قد حدثنا فهد وابن أبي داود قالا : حدثنا عمرو بن مرزوق , حدثنا عمران وهو القطان ، عن قتادة ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن عياض بن حمار قال : أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة أو قال : هدية , فقال لي : أسلمت ؟ , فقلت : لا , قال : إني قد نهيت عن زبد المشركين . 5054 - وما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمروحدثنا عبد الوارث بن سعيد ، حدثنا أبو التياح ، عن الحسن أن عياض بن حمار وكان حرمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية , فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أتاه بناقة , فلما رآها قال : يا عياض , ما هذه ؟ , قال : أهديتها لك , قال : قدها , فقادها , فقال : ردها , فردها , قال : يا عياض , هل أسلمت بعد ؟ , قال : لا , فلم يقبلها , وقال : إن الله تعالى حرم علينا زبد المشركين , قال : والعرب تسمي الهدية الزبد . وقال أبو عبيدة : الحرمي يكون من أهل الحرم , ويكون الصديق , يقال له : حرمي . قال هذا القائل : ففي هذه الآثار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدايا المشركين ما قاله فيها , وإعلامه عياضا أن الله تعالى قد نهاه عن قبولها , وهذا خلاف ما رويتموه في هذا الباب من قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قبله منها . فكان جوابنا له في ذلك : أنه قد يحتمل أن يكون الله تعالى نهاه عن قبول زبد المشركين في حال وإباحة ذلك في حال أخرى , وكان منعه إياه من ذلك قبل إنزاله عز وجل عليه : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ . . . ([ الحشر : 6 ] الآية التي تلونا في هذا الباب , ثم أنزل عليه هذه الآية , فجعل لهم من أموالهم ما صار بغير إيجاف منه عليه بخيل ولا ركاب , فكان ما صار إليه من هداياهم كما قدر عليهم من أموالهم سوى ذلك بغير إيجاف عليه بخيل ولا ركاب , فقبلها لذلك . والله أعلم بما كان ذلك عليه في الحقيقة , وإياه نسأله التوفيق .