265 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُفْعَلُ عَلَى الْمُزَاحِ مِمَّا يُرَوِّعُ الْمَفْعُولَ بِهِ ، هَلْ هُوَ مُبَاحٌ لِفَاعِلِهِ أَوْ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ ؟ . 1863 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ وَأَبُو أُمَيَّةَ جَمِيعًا ، قَالَا : حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حدثنا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ سَمِعْت ابْنَ شِهَابٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، ( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ تَاجِرًا إلَى بُصْرَى وَمَعَهُ نُعَيْمَانُ وَسُوَيْبِطُ بْنُ حَرْمَلَةَ ، وَكَانَ سُوَيْبِطٌ عَلَى الزَّادِ فَجَاءَهُ نُعَيْمَانُ ، فَقَالَ : أَطْعِمْنِي . قَالَ : لَا ، حَتَّى يَأْتِيَ أَبُو بَكْرٍ ، وَكَانَ نُعَيْمَانُ رَجُلًا مِضْحَاكًا مَزَّاحًا ، فَقَالَ : لَأُغِيظَنَّكَ . فَذَهَبَ إلَى أُنَاسٍ جَلَبُوا ظَهْرًا ، فَقَالَ : ابْتَاعُوا مِنِّي غُلَامًا عَرَبِيًّا فَارِهًا ، وَهُوَ رَعَّادٌ وَلِسَانٌ ، وَلَعَلَّهُ يَقُولُ : أَنَا حُرٌّ ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَارِكِيهِ لِذَلِكَ فَدَعُوهُ لِي ، لَا تُفْسِدُوا عَلَيَّ غُلَامِي ، فَقَالُوا : بَلْ نَبْتَاعُهُ مِنْك بِعَشْرَةِ قَلَائِصَ ، فَأَقْبَلَ بِهَا يَسُوقُهَا ، وَأَقْبَلَ بِالْقَوْمِ حَتَّى عَقَلَهَا ، ثُمَّ قَالَ : دُونَكُمْ هَذَا ، فَجَاءَ الْقَوْمُ ، فَقَالُوا : قَدْ اشْتَرَيْنَاك ، فَقَالَ سُوَيْبِطٌ : هُوَ كَاذِبٌ ، أَنَا رَجُلٌ حُرٌّ . قَالُوا : قَدْ أَخْبَرَنَا خَبَرَك ، فَطَرَحُوا الْحَبْلَ فِي عُنُقِهِ وَأَخَذُوهُ ، فَذَهَبُوا بِهِ ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ، فَذَهَبَ هُوَ وَأَصْحَابٌ لَهُ ، فَرَدَّ الْقَلَائِصَ وَأَخَذُوهُ ، قَالَ : فَضَحِكَ مِنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا ) . فَقَالَ قَائِلٌ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ مِمَّا فَعَلَهُ نُعَيْمَانُ بِسُوَيْبِطٍ حَوْلًا . فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ تَرْوِيعِ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ عَلَى الْمُزَاحِ بِمِثْلِ هَذَا . قَالَ هَذَا الْقَائِلُ : وَمِثْلُ هَذَا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . 1864 - فَذَكَر مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، قَالَ : حدثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيَّ عَلَى خَيْبَرَ ، فَبَعَثَ سَرِيَّةً ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ - وَكَانَ رَجُلًا فِيهِ دُعَابَةٌ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ نَارٌ قَدْ أُجِّجَتْ - فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَلَيْسَ طَاعَتِي عَلَيْكُمْ وَاجِبَةً . قَالُوا : بَلَى . قَالَ : فَقُومُوا فَاقْتَحِمُوا هَذِهِ النَّارَ ، فَقَامَ رَجُلٌ حَتَّى يَدْخُلَهَا ، فَضَحِكَ ، وقَالَ : إنَّمَا كُنْت أَلْعَبُ . فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَضَحِكَ ، فَقَالَ : أَمَا إذَا قَدْ فَعَلُوا هَذَا فَلَا تُطِيعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) . 1865 - وما قد حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حدثنا حَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حدثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : عَلْقَمَةُ بْنُ مُحَزِّزٍ بِالْحَاءِ . قَالَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِثْلُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَاعِلِهِ ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ مِثْلِهِ عَلَى الْمُزَاحِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ إبَاحَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذُكِرَ فِيهِمَا أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ أَحَدٌ بِأَحَدٍ ، وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَوْلًا . كَمِثْلِ مَا قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بِأُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَيَضْحَكُ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَحْضَرِهِ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ مِنْهُ إيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَفْعَالُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ لَهُمْ فِعْلُ مِثْلِهَا فِي الْإِسْلَامِ . . 1866 - كما قد حدثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : ( جَالَسْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ ، فَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ ، وَيَذْكُرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَرُبَّمَا يَتَبَسَّمُ مَعَهُمْ ) . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنْعِ مِنْ تَرْوِيعِ الْمُسْلِمِ . 1867 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حدثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، قَالَ : حدثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لَا يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِهِ لَاعِبًا ، وَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا صَاحِبِهِ فَلْيَرُدَّهَا إلَيْهِ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالسَّائِبُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ هَذَا هُوَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ حَلِيفٌ فِي قُرَيْشٍ ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى نَسْخِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِالْآخَرِ مِنْهُمَا ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّ الدَّلِيل عَلَى الْمَنْسُوخِ مِنْهُ . 1868 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ ، قَالَ : حدثنا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَأَخَذَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كِنَانَةَ رَجُلٍ ، فَغَيَّبُوهَا لِيَمْزَحُوا مَعَهُ ، فَطَلَبَهَا الرَّجُلُ ، فَفَقَدَهَا ، فَرَاعَهُ ذَلِكَ ، فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَا أَضْحَكَكُمْ ؟ قَالُوا : لَا وَاَللَّهِ ، إلَّا أَنَّا أَخَذْنَا كِنَانَةَ فُلَانٍ لِنَمْزَحَ مَعَهُ ، فَرَاعَهُ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ الَّذِي أَضْحَكَنَا . ، فَقَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَكَرَ مَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فِيهِ مِنْ أَخْذِ كِنَانَةِ صَاحِبِهِ لِيَرْتَاعَ بِفَقْدِهَا عَلَى ، أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مُبَاحٌ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ، فَكَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ لَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ مَا فَعَلَهُ ، مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ فَعَلَهُ نُعَيْمَانُ بِسُوَيْبِطٍ ، وَمَا كَانَ فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ الْمُدْلِجِيِّ بِأَصْحَابِهِ لِيَضْحَكُوا مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى لِفَاعِلِ مَا ذَكَرَ فِعْلَهُ إيَّاهُ فِيهِ : ( لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) ، فَكَانَ ذَلِكَ تَحْرِيمًا مِنْهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَنَسْخًا لِمَا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ ، مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، مِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ تَعَلَّقَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلَى إبَاحَةِ مِثْلِهِ إنْ كَانَ مُبَاحًا حِينَئِذٍ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
أصل
شرح مشكل الآثارص 304 شرح مشكل الآثارص 405 774 - باب بيان مشكل ما روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - من قوله لأبي برزة : لما استأذنه في قتل الرجل الذي استأذنه في قتله ، إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك الشيء ما هو ؟ . 5786 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا يونس بن عبيد ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن مطرف بن الشخير أنه حدثهم ، عن أبي برزة الأسلمي ، قال : كنا عند أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في عمله ، فغضب على رجل من المسلمين فاشتد غضبه عليه جدا ، قال : فلما رأيت ذلك ، قلت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أضرب عنقه ؟ فلما ذكرت القتل صرف عن ذلك الحديث أجمع ، فلما تفرقنا أرسل إلي بعد ذلك ، فقال : يا أبا برزة ما قلت ؟ ونسيت الذي قلت ، قلت : ذكرنيه ، قال : أما تذكر يوم قلت كذا وكذا ، أكنت فاعلا ذلك ؟ قلت : نعم ، والله لو أمرتني فعلت ، فقال : ويحك ، إن تلك والله ما هي لأحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم . 5787 - حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، قال : حدثنا محمد بن المنهال الضرير ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا يونس بن عبيد ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن مطرف ، عن أبي برزة الأسلمي ، قال : كنت ذات يوم عند أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فاشتد غضبه على رجل من المسلمين ، فقلت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أضرب عنقه ، قال : فتركني لا يكلمني ، ثم لقيته بعد أيام فذكر ما قلت ، قال : قلت ما قلت ، قال : تذكر يوم كنت عندي فاشتد غضبي على رجل من المسلمين ، فقلت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أضرب عنقه ، قلت : الآن إن أمرتني فعلت ، قال أبو بكر : ليست تلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث من قول أبي بكر لأبي برزة ما فيه مما قد ذكرناه فيه ، فاحتمل أن يكون أراد أعني أبا بكر - رضي الله عنه - بقوله : إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل أحدا لغضبه عليه ، واحتمل أن يكون لا يقتل أحد إلا بأمر من يأمر بقتله حتى يعلم المأمور استحقاقه لذلك ، ويكون من بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير مطاع في ذلك ، كما كان يطاع هو صلى الله عليه وسلم فيه ؛ لأنه المأمون على أفعاله وعلى أقواله ، ولأن أقواله وأفعاله إنما هي مردودة إلى الله - عز وجل - واجب التصديق بها وإجراء الأمور عليها وغيره في ذلك بخلافه ، ثم وجدنا هذا الحديث قد روي بألفاظ أخر . 5788 - كما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت أبا سوار يحدث ، عن أبي برزة ، قال : أتيت على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقد أغلظ على رجل ، فرد عليه الرجل ، فقلت : ألا أضرب عنقه ، فانتهرني ، وقال : إنها ليست لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . غير أنا وجدنا هذا الحديث قد اختلف علينا في من بين عمرو بن مرة ، وبين أبي برزة في إسناده ، فقال فيه شعبة : عن عمرو ، سمعت أبا سوار يحدث ، عن أبي برزة ، وقال الأعمش : عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي برزة . 5789 - كما قد حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي برزة ، قال : تغيظ أبو بكر على رجل فقلت : من هو يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لم ؟ قلت : لأضرب عنقه إن أمرتني بذلك ، قال : وكنت فاعلا ؟ قلت : نعم ، قال : فوالله لأذهب عظم كلمتي التي قلت غضبه ، ثم قال : ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم وجدنا رواته ، عن الأعمش ، عن عمرو يختلفون فيه أيضا ، فيقول فيه أبو معاوية : عن سالم بن أبي الجعد ، ويقول فيه حفص بن غياث : عن أبي البختري ، 5790 - كما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنا عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي برزة ، قال : رأيت أبا بكر - رضي الله عنه - ثم ذكر مثله . ووافق حفصا على ما رواه عليه عبد الواحد بن زياد . 5791 - حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا إبراهيم بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثنا سليمان الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، قال : حدثني أبو برزة الأسلمي ، قال : انتهيت إلى أبي بكر ، ثم ذكر مثله . ووجدنا هذا الحديث أيضا من رواية زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة بموافقة شعبة إياه عليه . 5792 - كما حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد ، يعني : ابن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي سوار ، عن أبي برزة الأسلمي ، قال : غضب أبو بكر - رضي الله عنه - على رجل ، لم نر أشد غضبا منه يومئذ ، فقال له أبو برزة : يا خليفة رسول الله ، مرني فأضرب عنقه ، قال : فكأنها نار أطفئت ، قال : ثم خرج أبو برزة ، ثم أرسل إليه أبو بكر ، فقال : ثكلتك أمك ، ما قلت ؟ قال : قلت : والله إن أمرتني بقتله لأقتلنه ، قال : ثكلتك أمك أبا برزة ، إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : فاحتمل أن يكون الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك هو : قتل من كانت سبيله السبيل المذكورة في هذه الآثار ، وأن ذلك ليس لأحد بعده . ثم وجدنا هذا الحديث أيضا قد جاء بألفاظ أخر ، بمعان سوى معاني ما ذكرناه فيما قبله منها . 5793 - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : حدثنا شعبة ، عن توبة العنبري ، عن أبي سوار ، عن أبي برزة : أن رجلا سب أبا بكر - رضي الله عنه - فقلت : ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله ؟ فقال : لا ، ليست هذه لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان في هذا الحديث سب ذلك الرجل أبا بكر ، وقول أبي بكر لأبي برزة حين استأذنه في قتله إياه لذلك : ليست هذه لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك المعنى مخالفا للمعاني المذكورة فيما رويناه قبله من هذه الآثار ، وكان معقولا : أن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافرا حلال الدم ، وليس من سب غيره كذلك ، فاضطرب علينا معنى ما أريد به في حديث أبي برزة هذا من خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خص به دون الناس الذي يتولون الأمور بعده . ثم وجدنا أهل العلم قد اختلفوا في هذا وأمثاله مما يأمر به الولاة غيرهم من الناس ، هل يسع المأمورين امتثال ذلك ، أو لا يسعهم ، فكان بعضهم يقول : ذلك واسع للمأمورين أن يفعلوه بأمور حكامهم ، وبأمور من سواهم ممن ولاية ذلك لهم ، ومن القائلين بذلك : أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد . 5794 - كما حدثنا محمد بن العباس ، عن علي بن معبد ، عن محمد بن الحسن ، عن يعقوب ، عن أبي حنيفة بغير خلاف ذكره عنهم فيه ، غير أن محمد بن الحسن قد كان قال بعد ذلك في نوادره التي حكاها عنه محمد بن سماعة ، وأخذناها نحن من ابن أبي عمران مذاكرة لنا بها عنه أنه قال : لا يسع المأمور أن يفعل ذلك حتى يكون الذي يأمره به عنده عدلا ، وحتى يشهد عنده بذلك عدل سواه على المأمور فيه بذلك في غير الزنى ، ولا يسعه في الزنى ذلك حتى يشهد عنده ثلاثة رجال على المأمور فيه بذلك ، بوجوب ذلك عليه على ما أمره به فيه بالذي أمره به فيه ، ولا نعلم لأهل العلم في هذا الباب قولا غير هذين القولين . وكان الذي ذكرناه ، عن أهل القول الأول منها ، إنما أرادوا به العدل من الأمرين لا من سواهم ؛ لأن من خرج عن العدل الذي به استحق الولاية على ما يتولى إلى ضده ذاك عن الولاية على ذلك ، وانعزل عنها ، فلم يكن واليا عليها ، وكان القول الثاني من هذين القولين في القياس لا معنى له ؛ لأنه ليس للمأمور بما ذكرنا استماع شهادة من شاهد بها ، إذ ليس هو حاكما فيسمع ذلك بما إليه من استماع ما يستعمله في أحكامه ، فبان بذلك فساد هذا القول ، وثبت القول الأول ، إذ لم يكن في هذا الباب غير هذين القولين ، فلما انتفى أحدهما ثبت الآخر . ثم نظرنا : هل روي في هذا الباب شيء سوى حديث أبي برزة الذي ذكرناه أم لا ؟ . 5795 - فوجدنا محمد بن علي بن داود ، قد حدثنا ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : أخبرنا محمد بن عمرو ، عن عمر بن الحكم ، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل علقمة بن مجزز المدلجي على جيش ، فبعث سرية ، واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمي ، فكان رجلا فيه دعابة ، وبين أيديهم نار قد أججت ، فقال لأصحابه : أليس طاعتي عليكم واجبة ؟ قالوا : بلى ، قال : فاقتحموا هذه النار ، فقام رجل ، فاحتجز حتى يدخلها فضحك ، وقال : إنما كنت ألعب ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ، وقال : أوقد فعلوا هذا ، فلا تطيعوهم في معصية الله - عز وجل . 5796 - ووجدنا يوسف بن يزيد قد حدثنا ، قال : حدثنا حجاج بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن عمرو ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : علقمة بن محزز بالحاء . قال أبو جعفر : فكان معقولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ولى عبد الله بن حذافة على ما ولاه عليه ، كان ذلك ليطيعوه فيما يأمرهم به مما إليه أن يأمرهم به ، ولذلك أراد من أراد منهم أن يلقي نفسه في النار لما أمرهم بذلك ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تطيعوهم في معصية الله . فأخرج بذلك أمرهم إياهم بمعصية الله مما كان جعله عليهم من طاعتهم من ولاه عليهم ، وفي ذلك ما قد دل على القول الأول من القولين اللذين ذكرناهما في هذا الباب ، وبان بذلك : أن معنى قول أبي بكر - رضي الله عنه - أنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أراد بذلك : أنه لم يكن لأحد أن يأمر بقتل أحد لسب سبه من سواه مما ينطلق به له مثل ذلك فيمن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سواه في ذلك ؛ لأن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافرا واجبا على أمته قتله ، أمروا بذلك أو لم يؤمروا بذلك ، ومن سب من سواه من ولاة الأمور بعده ، فالذي يستحقه على ذلك الأدب عليه أدب مثله ، فأما ما سوى ذلك مما يوجبه عليه خروجه عن الإسلام إلى الكفر فلا ، والله نسأله التوفيق .