فصل وأما الحِجَامةُ ، ففي ( سنن ابن ماجه ) من حديث جُبَارَةَ بن المُغَلِّس - وهو ضعيفٌ - عن كثير بن سليم ، قال : سَمعتُ أَنَسَ بن مالكٍ يقولُ : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما مَرَرْتُ ليلةَ أُسْرِي بي بملأ إلا قالُوا : يا محمدُ ؛ مُرْ أُمَّتَكَ بِالحِجَامَةِ . وروى الترمذي في جامعه من حديث ابن عباس هذا الحديث ، وقال فيه : عليكَ بالحِجَامَةِ يا مُحَمَّدُ . وفي ( الصحيحين ) من حديث طَاوس ، عن ابن عباس ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم – احتجَمَ وأعْطى الحَجَّامَ أجْرَه . وفي ( الصحيحين ) أيضا ، عن حُمَيدٍ الطويل ، عن أنس ، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجمَهُ أبُو طَيْبَةَ ، فأمَرَ لهُ بصَاعينِ مِن طعامٍ ، وكلَّمَ مواليهُ ، فخفَّفُوا عنهُ مِن ضريبتِهِ ، وقال : خَيْرُ مَا تَدَاويْتمْ بِهِ الْحِجَامَةَ . وفي ( جامع الترمذي ) عن عبَّاد بن منصور ، قال : سمِعتُ عِكْرمَةَ يقولُ : ( كانَ لابن عباسٍ غِلمةٌ ثلاثةٌ حَجَّامُون ، فكانَ اثنَانِ يُغلانِ عليه ، وَعَلَى أهلِهِ ، وواحدٌ لحجمِهِ ، وحجمِ أهلِهِ . قال : وقال ابنُ عباسٍ : قال نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - : نِعْمَ العبدُ الحَجَّامُ يَذْهَبُ بالدَّمِ ، وَيُخِفُّ الصُّلْبَ ، ويَجْلُو البَصَرَ . وقال : إنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حيثُ عُرِجَ بِهِ ، ما مرَّ عَلَى مَلأٍ مِن الملائكةِ إلاَّ قالُوا : عليكَ بالحِجَامَةِ . وقالَ : إنَّ خيرَ مَا تحْتَجِمُونَ فيهِ يَوْمَ سَبْعَ عَشرَةَ ، ويَوْمَ تِسْعَ عَشرَةَ ، وَيَوْمَ إحْدَى وَعِشرينَ ، وقال : إنَّ خَيْرَ ما تَدَاويْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ واللَّدُودُ والحِجَامَةُ والمَشِيُّ ، وإنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لُدَّ ، فقالَ : مَن لَدَّنِي ؟ فَكُلُّهُمْ أمسكُوا . فقال : لا يبقَى أحَدٌ في البَيْتِ إلا لُدَّ ، إلاَّ العباسَ . قال : هذا حديث غريب ، ورواه ابن ماجَه .
الطب النبوي
الطب النبويفصل الحِجَامةُ · ص 42 الطب النبويفصل في منافع الحِجَامَة · ص 43 فصل في منافع الحِجَامَة وأما منافعُ الحِجَامَة : فإنها تُنَقِّي سطح البدن أكثرَ من الفَصْد ، والفصدُ لأعماق البدن أفضلُ ، والحِجَامَةُ تستخْرِجُ الدَّمَ من نواحي الجلد . قلتُ : والتحقيقُ في أمرها وأمْرِ الفصد ، أنهما يختلفان باختلاف الزمانِ ، والمكانِ ، والإنسانِ ، والأمزجةِ ، فالبلادُ الحارةُ ، والأزمنةُ الحارةُ ، والأمزجة الحارة التي دَمُ أصحابها في غاية النُّضج الحجامةُ فيها أنفعُ من الفصد بكثير ، فإنَّ الدَّمَ ينضج ويَرِقُّ ويخرج إلى سطح الجسد الداخل ، فتُخرِجُ الحِجَامَةِ ما لا يُخرجه الفصد ، ولذلك كانت أنفعَ للصبيان من الفصد ، ولِمَنْ لا يَقْوَى على الفَصد . وقد نص الأطباء على أنَّ البلاد الحارةَ الحجامةُ فيها أنفعُ وأفضلُ من الفصد ، وتُستحب في وسط الشهر ، وبعد وسطه . وبالجملة ، في الربع الثالث من أرباع الشهر ، لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعدُ قد هاج وتَبَيَّغَ ، وفي آخره يكون قد سكن ، وأما في وسطه وبُعَيْدَه ، فيكون في نهاية التَّزَيُّدِ . قال صاحب القانون : ويُؤمر باستعمال الحِجَامة لا في أول الشهر ، لأن الأخلاط لا تكون قد تحرَّكت وهاجت ، ولا في آخره لأنها تكون قد نقصَت ، بل في وَسَطِ الشهر حين تكون الأخلاط هائجةً بالغةً في تزايدها لتزيد النور في جُرم القمر . وقد رُوِي عن النبي أنه قال : خَيْرُ ما تداويتم به الحِجَامَة والفَصْدُ . وفي حديث : خَيْرُ الدواءِ الحِجَامَةُ والفَصْد . انتهى . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : خَير ما تداويتم به الحِجَامَة إشارة إلى أهل الحجاز ، والبلاد الحارةِ ، لأن دِماءَهم رقيقةٌ ، وهي أميَلُ إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد ، واجتماعها في نواحي الجلد ، ولأن مسامَّ أبدانهم واسعة ، وقواهم متخلخِلةٌ ، ففي الفصد لهم خطرٌ ، والحِجامة تفرُّقٌ اتصالي إرادي يتبعه استفراغٌ كُلِّيٌ من العروق ، وخاصةً العروقَ التي لا تُفصد كثيرا ، ولِفصد كُلِّ منها نفعٌ خاص ، ففصدُ الباسليق : ينفع من حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنةِ فيهما من الدم ، وينفع من أورام الرئة ، وينفع من الشَّوْصَة وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الوَرِك . وفصد الأكحل : ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويّا ، وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن . وفصد القيفال : ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده . وفصد الوَدْجيْنِ : ينفع من وجع الطحال ، والربو ، والبُهْر ، ووجع الجبين . والحجامة على الكاهل : تنفع من وجع المَنْكِبِ والحلق . والحجامة على الأخدعين : تنفع من أمراض الرأس ، وأجزائه ، كالوجه ، والأسنان ، والأذنين ، والعينين ، والأنف ، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدَّم أو فساده ، أو عنهما جميعا . قال أنس رضي الله تعالى عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجمُ في الأخْدَعَيْن والكَاهِلِ . وفي ( الصحيحين ) عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجم ثلاثا : واحدةً على كاهله ، واثْنتين على الأخْدَعَيْن . وفي ( الصحيح ) عنه : أنه احتجم وهو محرمٌ في رأسه لِصداع كان به . وفي ( سنن ابن ماجه ) عن عليّ : نزل جبريلُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجامة الأخْدَعَيْنِ والكَاهِلِ . وفي ( سنن أبي داود ) من حديث جابر : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم – احتجم في وَركه من وثءٍ كان به .
الطب النبويفصل في منافع الحِجَامَة · ص 43 فصل في منافع الحِجَامَة وأما منافعُ الحِجَامَة : فإنها تُنَقِّي سطح البدن أكثرَ من الفَصْد ، والفصدُ لأعماق البدن أفضلُ ، والحِجَامَةُ تستخْرِجُ الدَّمَ من نواحي الجلد . قلتُ : والتحقيقُ في أمرها وأمْرِ الفصد ، أنهما يختلفان باختلاف الزمانِ ، والمكانِ ، والإنسانِ ، والأمزجةِ ، فالبلادُ الحارةُ ، والأزمنةُ الحارةُ ، والأمزجة الحارة التي دَمُ أصحابها في غاية النُّضج الحجامةُ فيها أنفعُ من الفصد بكثير ، فإنَّ الدَّمَ ينضج ويَرِقُّ ويخرج إلى سطح الجسد الداخل ، فتُخرِجُ الحِجَامَةِ ما لا يُخرجه الفصد ، ولذلك كانت أنفعَ للصبيان من الفصد ، ولِمَنْ لا يَقْوَى على الفَصد . وقد نص الأطباء على أنَّ البلاد الحارةَ الحجامةُ فيها أنفعُ وأفضلُ من الفصد ، وتُستحب في وسط الشهر ، وبعد وسطه . وبالجملة ، في الربع الثالث من أرباع الشهر ، لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعدُ قد هاج وتَبَيَّغَ ، وفي آخره يكون قد سكن ، وأما في وسطه وبُعَيْدَه ، فيكون في نهاية التَّزَيُّدِ . قال صاحب القانون : ويُؤمر باستعمال الحِجَامة لا في أول الشهر ، لأن الأخلاط لا تكون قد تحرَّكت وهاجت ، ولا في آخره لأنها تكون قد نقصَت ، بل في وَسَطِ الشهر حين تكون الأخلاط هائجةً بالغةً في تزايدها لتزيد النور في جُرم القمر . وقد رُوِي عن النبي أنه قال : خَيْرُ ما تداويتم به الحِجَامَة والفَصْدُ . وفي حديث : خَيْرُ الدواءِ الحِجَامَةُ والفَصْد . انتهى . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : خَير ما تداويتم به الحِجَامَة إشارة إلى أهل الحجاز ، والبلاد الحارةِ ، لأن دِماءَهم رقيقةٌ ، وهي أميَلُ إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد ، واجتماعها في نواحي الجلد ، ولأن مسامَّ أبدانهم واسعة ، وقواهم متخلخِلةٌ ، ففي الفصد لهم خطرٌ ، والحِجامة تفرُّقٌ اتصالي إرادي يتبعه استفراغٌ كُلِّيٌ من العروق ، وخاصةً العروقَ التي لا تُفصد كثيرا ، ولِفصد كُلِّ منها نفعٌ خاص ، ففصدُ الباسليق : ينفع من حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنةِ فيهما من الدم ، وينفع من أورام الرئة ، وينفع من الشَّوْصَة وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الوَرِك . وفصد الأكحل : ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويّا ، وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن . وفصد القيفال : ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده . وفصد الوَدْجيْنِ : ينفع من وجع الطحال ، والربو ، والبُهْر ، ووجع الجبين . والحجامة على الكاهل : تنفع من وجع المَنْكِبِ والحلق . والحجامة على الأخدعين : تنفع من أمراض الرأس ، وأجزائه ، كالوجه ، والأسنان ، والأذنين ، والعينين ، والأنف ، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدَّم أو فساده ، أو عنهما جميعا . قال أنس رضي الله تعالى عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجمُ في الأخْدَعَيْن والكَاهِلِ . وفي ( الصحيحين ) عنه : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجم ثلاثا : واحدةً على كاهله ، واثْنتين على الأخْدَعَيْن . وفي ( الصحيح ) عنه : أنه احتجم وهو محرمٌ في رأسه لِصداع كان به . وفي ( سنن ابن ماجه ) عن عليّ : نزل جبريلُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجامة الأخْدَعَيْنِ والكَاهِلِ . وفي ( سنن أبي داود ) من حديث جابر : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم – احتجم في وَركه من وثءٍ كان به .
الطب النبويفصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في علاج ذاتِ الجنب · ص 64 فصل في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في علاج ذاتِ الجنب روى الترمذي في ( جامعه ) من حديث زيد بن أرقمَ ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تَدَاوَوْا مِنْ ذاتِ الجَنْبِ بالقُسْطِ البَحْري والزَّيْتِ . وذاتُ الجنب عند الأطباء نوعان : حقيقي وغيرُ حقيقي . فالحقيقي : ورمٌ حار يَعْرِضُ في نواحي الجَنب في الغشاء المستبطن للأضلاع . وغير الحقيقي : ألم يُشبهه يَعْرِضُ في نواحي الجنبِ عن رياح غليظة مؤذيةٍ تحتقِن بين الصِّفاقات ، فتُحْدِث وجعا قريبا من وجع ذات الجنب الحقيقي ، إلا أن الوجعَ في هذا القسم ممدودٌ ، وفي الحقيقي ناخسٌ . قال صاحبُ ( القانون ) : قد يعرِضُ في الجنبِ ، والصَّفاقات ، والعَضَل التي في الصدر ، والأضلاع ، ونواحيها أورامٌ مؤذية جدا موجِعةٌ ، تسمى شَوْصةً وَبِرساما ، وذاتَ الجنب . وقد تكون أيضا أوجاعا في هذه الأعضاء ليست من ورم ، ولكن من رياح غليظة ، فيظن أنها من هذه العِلَّة ، ولا تكون منها . قال : واعلم أنَّ كُلَّ وجع في الجنب قد يُسمى ذاتَ الجنب اشتقاقا من مكان الألم ، لأن معنى ذات الجنب : صاحبةُ الجنب ، والغرضُ به هاهنا وَجَعُ الجنب ، فإذا عَرَضَ في الجنب ألمٌ عن أي سبب كانَ نُسِبَ إليه ، وعليه حُمِلَ كلام ( أبقراط ) في قوله : إنَّ أصحابَ ذات الجنبِ ينتفعون بالحَمَّام . قيل : المراد به كلُّ مَن به وجعُ جنب ، أو وجعُ رِئة من سوء مِزاج ، أو من أخلاط غليظة ، أو لذاعة من غير ورم ولا حُمَّى . قال بعضُ الأطباء : وأما معنى ذات الجنب في لغة اليونان ، فهو ورمُ الجَنب الحار ، وكذلك ورمُ كل واحد من الأعضاء الباطنة ، وإنما سمي ذاتَ الجنب ورم ذلك العضو إذا كان ورما حارا فقط . ويلزم ذاتَ الجنب الحقيقي خمسةُ أعراض ، وهي : الحُمَّى ، والسعال ، والوجع الناخس ، وضيق النَّفَس ، والنبضُ المنشاري . والعلاج الموجود في الحديث ، ليس هو لهذا القسم ، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة ، فإنَّ القُسْطَ البحري - وهو العود الهندي على ما جاء مفسَّرا في أحاديث أخر - صِنفٌ من القُسْط إذا دُقَّ دقا ناعما ، وخُلِط بالزيت المسخن ، ودُلِكَ به مكانُ الريح المذكور ، أو لُعِق ، كان دواءً موافقا لذلك ، نافعا له ، محلِّلا لمادته ، مُذْهِبا لها ، مقويا للأعضاء الباطنة ، مفتحا للسُّدد ، والعود المذكور في منافعه كذلك . قال المسبحيُّ : العود : حار يابس ، قابض يحبسُ البطن ، ويُقوي الأعضاء الباطنة ، ويطرُد الريح ، ويفتح السُّدد ، نافعٌ من ذات الجنب ، ويُذهب فضلَ الرطوبة ، والعُود المذكور جيد للدماغ . قال : ويجوز أن ينفع القُسْط مِن ذات الجنب الحقيقيةِ أيضا إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية ، لا سيما في وقت انحطاط العِلَّة . والله أعلم . وذاتُ الجنب : من الأمراض الخطرة ، وفي الحديث الصحيح : عن أُم سلمةَ ، أنها قالت : بدأ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بمرضِه في بيت ميمُونةَ ، وكان كلَّما خَفَّ عليه ، خرجَ وصلَّى بالناس ، وكان كلَّما وَجَد ثِقَلا ، قال : مُرُوا أبا بكرٍ فليُصَلِّ بالناس ، واشتد شكواه حتى غُمِرَ عليه مِن شدةِ الوجع ، فاجتمع عنده نساؤه ، وعمُّه العباس ، وأُمُّ الفضل بنت الحارث ، وأسماءُ بنت عُمَيْس ، فتشاوروا في لدِّهِ ، فَلدُّوه وهو مغمورٌ ، فلما أفاق قال : مَن فعل بي هذا ؟ هذا من عمل نساءٍ جِئْنَ من هاهُنا ، وأشار بيده إلى أرضِ الحبشةِ ، وكانت أُمُّ سلمةَ وأسماءُ لَدَّتاهُ ، فقالوا : يا رسولَ الله ؛ خشِينَا أن يكون بكَ ذاتُ الجنب . قال : فَبِمَ لَدَدْتُمُوني ؟ قالوا : بالعُودِ الهنديِّ ، وشيء من وَرْسٍ وقَطِرَاتٍ من زيت . فقال : ما كان اللهُ لِيَقْذِفَنِي بذلك الدَّاءِ ، ثم قال : عَزَمْتُ عليكم أنْ لا يَبْقى في البيتِ أحدٌ إلا لُدَّ إلا عَمِّي العَبَّاس . وفي ( الصحيحين ) عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت : لَدْدنَا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار أن لا تَلُدُّونِي ، فقلنا : كراهِيةُ المريض للدواءِ ، فلما أفاق قال : ألم أنْهَكُمْ أن تَلُدُّونِي ، لا يَبْقَى منكم أحدٌ إلا لُدَّ غَيْرَ عَمِّي العباس ، فإنَّه لَمْ يَشْهَدْكُم . قال أبو عبيد عن الأصمعيِّ : اللَّدُودُ : ما يُسقى الإنسان في أحد شِقَّي الفم ، أُخِذ من لَدِيدَي الوادي ، وهما جانباه . وأما الوَجُورُ : فهو في وسط الفم . قلت : واللَّدود بالفتح : هو الدواءُ الذي يُلَدَّ به . والسَّعوطُ : ما أُدخل من أنفه . وفي هذا الحديث من الفقه معاقبةُ الجاني بمثل ما فعل سواء ، إذا لم يكن فِعلُه محرما لحق الله ، وهذا هو الصوابُ المقطوع به لبضعةَ عشر دليلا قد ذكرناها في موضع آخر ، وهو منصوص أحمد ، وهو ثابت عن الخلفاء الراشدين ، وترجمة المسألة بالقِصاص في اللَّطمة والضربة ، وفيها عدةُ أحاديث لا مُعارِضَ لها البتة ، فيتعين القولُ بها .
الطب النبويفصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في علاج العُذْرة وفي العلاج بالسَّعوط · ص 74 فصل في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في علاج العُذْرة وفي العلاج بالسَّعوط ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُم به الحِجَامةُ ، والقُسْطُ البَحْرِيُّ ، ولا تُعَذِّبُوا صِبْيانَكُمْ بالغَمْزِ من العُذْرَةِ . وفي السنن والمسند عنه من حديث جابر بن عبد الله قال : دَخَلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة ، وعِندَها صَبِيٌ يَسِيلُ مَنخراهُ دما ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : به العُذرةُ ، أو وَجعٌ في رأسه ، فقال : وَيلكُنَّ ، لا تَقْتُلنَ أَوْلادَكُنَّ ، أيُّما امرأةٍ أصابَ وَلَدَها عُذْرَةٌ أو وَجَعٌ في رأسِه ، فَلْتَأخُذْ قُسْطا هِنْدِيَّا فَلْتَحُكَّه بماءٍ ، ثم تُسْعِطْهُ إيَّاهُ فأمَرتْ عائشةُ - رضي الله عنها - فصُنِعَ ذلك بالصبيّ ، فبَرَأَ . قال أبو عُبيدٍ عن أبي عُبيدَةَ : العُذْرَةُ : تهيُّجٌ في الحَلْق من الدم ، فإذا عُولج منه ، قيل : قد عُذِرَ به ، فهو معذورٌ . انتهى . وقيل : العُذْرَةُ : قرحة تخرج فيما بين الأذُن والحلق ، وتَعرض للصبيان غالبا . وأما نفعُ السَّعوط منها بالقُسْط المحكوك ، فلأن العُذْرَةُ مادتُها دم يغلب عليه البلغمُ ، لكن تولده في أبدان الصبيان أكثر ، وفي القُسْط تجفيفٌ يَشُدُّ اللَّهاةَ ويرفعها إلى مكانها ، وقد يكون نفعُه في هذا الداء بالخاصية ، وقد ينفع في الأدواء الحارة ، والأدوية الحارة بالذات تارة ، وبالعرض أُخرى . وقد ذكر صاحب ( القانون ) في معالجة سُقوط اللَّهَاة : القُسطَ مع الشَّب اليمانيِّ ، وبذر المرو . والقُسْطُ البحريُّ المذكور في الحديث : هو العود الهندي ، وهو الأبيض منه ، وهو حلو ، وفيه منافعُ عديدة . وكانوا يُعالجون أولادَهم بغَمز اللَّهاة ، وبالعِلاَق ، وهو شيء يُعلِّقونه على الصبيان ، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، وأرشدهم إلى ما هو أنفعُ للأطفال ، وأسهلُ عليهم . والسَّعوطُ : ما يُصَبُّ في الأنف ، وقد يكون بأدوية مفردة ومُركَّبة تُدَق وتُنخل وتُعجن وتُجفف ، ثم تُحَلُّ عند الحاجة ، ويُسعط بها في أنف الإنسان ، وهو مستلقٍ على ظهره ، وبين كتفيه ما يرفعُهما لتنخفض رأسُه ، فيتمكن السَّعوطُ من الوصول إلى دماغه ، ويُستخرج ما فيه من الداء بالعطاس ، وقد مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - التداوي بالسَّعوط فيما يُحتاج إليه فيه . وذكر أبو داودَ في ( سننه ) : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اسْتَعطَ .
الطب النبويقُسْطٌ وكُسْت · ص 254 قُسْطٌ وكُسْت : بمعنى واحد . وفي ( الصحيحين ) : من حديث أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : خيرُ ما تداوَيْتُم به الحِجامةُ والقُسْطُ البحريّ . وفي ( المسند ) : من حديث أُمِّ قيـس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : عليكم بهذا العُود الهندي ، فإنَّ فيه سَـبْعَةَ أشْــفِيةٍ منها ذاتُ الجَنْبِ . القُسْط : نوعان . أحدهما : الأبيضُ الذي يُقَال له : البحريّ . والآخر : الهندي ، وهو أشدُّهما حرا ، والأبيضُ ألينهُما ، ومنافعُهما كثيرة جدا . وهما حاران يابسان في الثالثة ، يُنشِّفان البلغم ، قاطعانِ للزُّكام ، وإذا شُرِبَا ، نفعا من ضعف الكَبِدِ والمَعِدَة ومن بردهما ، ومِن حُمَّى الدَّوْرِ والرِّبع ، وقطعا وجعَ الجنب ، ونفعا مِن السُّمُوم ، وإذا طُلي به الوجهُ معجونا بالماء والعسل ، قَلَعَ الكَلَف . وقال ( جالينوسُ ) : ينفع من الكُزَاز ، ووجع الجَنْبين ، ويقتل حَبَّ القَرَع . وقد خفي على جُهَّال الأطباء نفعُه من وجِعَ ذاتِ الجَنْب ، فأنكروه ، ولو ظَفِر هذا الجاهلُ بهذا النقل عن ( جالينوس ) لنزَّله منزلةَ النص ، كيف وقد نصَّ كثيرٌ من الأطباء المتقدمين على أنَّ القُسْطَ يصلحُ للنوع البلغمي من ذات الجنب ، ذكره الخطَّابي عن محمد ابن الجَهْم . وقد تقدَّم أنَّ طِبُّ الأطباء بالنسبة إلى طِبِّ الأنبياء أقلُّ من نسبةِ طِب الطُّرقيَّة والعجائز إلى طِبِّ الأطباء ، وأنَّ بيْن ما يُلقَّى بالوحي ، وبيْن ما يُلَقَّى بالتجربة والقياسِ من الفرْق أعظمَ مما بَيْن القَدَم والفرق . ولو أنَّ هؤلاء الجُهَّال وجدوا دواءً منصوصا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء ، لتلقَّوْه بالقبول والتسليم ، ولم يتوقَّفُوا على تجربته . نعم ، نحن لا ننكِرُ أنَّ للعادة تأثيرا في الانتفاع بالدواء وعدمه ، فمَن اعتاد دواءً وغذاءً ، كان أنفعَ له ، وأوفقَ ممن لم يَعتدْه ، بل ربما لم ينتفع به مَن لم يعتده . وكلامُ فضلاء الأطباء وإن كان مطلَقا فهو بحسب الأمزجة والأزمنة ، والأماكن والعوائد ، وإذا كان التقييدُ بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم ، فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق ، ولكن نفوس البَشَر مركبةٌ على الجهل والظلم ، إلا مَن أيَّده الله بروح الإيمان ، ونَوَّرَ بَصيرته بنور الهُدَى .