694 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، هل يقومان عنه من طريق الإسناد أم لا ؟ قال أبو جعفر : الذي وجدناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يتدافع صحته أهل الأسانيد . 5217 - ما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اليمين على المدعى عليه . 5218 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه . فنظرنا في هذا الحديث ، فوجدنا ابن أبي مليكة لم يأخذه عن ابن عباس سماعا ، وإنما أخذه عنه بكتابه به إليه . 5219 - كما قد حدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا خالد بن نزار الأيلي ، أخبرنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة قال : كنت عاملا لابن الزبير على الطائف ، فكتبت إلى ابن عباس : إن امرأتين كانتا في بيت تخرزان حصيرا لهما ، فأصابت إحداهما يد صاحبتها بالإشفى ، فخرجت وهي تدمي ، وفي الحجرة حداث ، فقالت : أصابتني ، فأنكرت ذلك الأخرى ، فكتب إلي ابن عباس : إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه ، ولو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى أناس من الناس دماء ناس وأموالهم ، فادعها فاقرأ عليها هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ([ آل عمران : 77 ] ، فقرأت عليها الآية ، فاعترفت . قال نافع : وحسبت أنه قال : فبلغ ذلك ابن عباس فسره . فوقفنا بذلك على أن هذا الحديث إنما حدث به ابن أبي مليكة عن كتاب ابن عباس به إليه ، لا عن سماعه إياه منه . ثم نظرنا ، هل روي ذلك عن ابن عباس بمعنى أقوى من معنى المكاتبة ؟ . 5220 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا حبان بن هلال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي يحيى ، عن عبد الله بن عباس أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة على ما ادعى عنده ، فلم يكن له بينة ، فاستحلف المطلوب بالله الذي لا إله إلا هو ، [ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك قد فعلت ، ولكن الله قد غفر لك بقولك : لا إله إلا الله . فوقفنا بهذا الحديث على سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة على ما ادعاه عنده ، وأنه لما لم يكن له بينة استحلف له المطلوب على ما استحلفه له عليه . فكان هذا عن ابن عباس أقوى من الحديث الأول ، وكان فيه ما يدل على أن ما في الحديث الأول مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه أيضا سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة ، فدل ذلك على أن البينة مطلوبة من الطالب كاليمين مطلوبة من المطلوب ، وقد روي هذا المعنى أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير طريق ابن عباس . 5221 - كما حدثنا فهد وهارون بن كامل قالا : حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مالا هو فيها فاجر ، لقي الله وهو عليه غضبان ، وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ([ آل عمران : 77 ] الآية كلها ، فمر عليه الأشعث بن قيس ، فقال : بم يحدثكم ابن مسعود ؟ قالوا : حدثنا بكذا وكذا ، قال : صدق والله ، إن نزلت هذه الآية في وفي صاحب لي كان بيني وبينه بئر في أرض ، فقال : هي لي ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاختصمنا إليه ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لك من شهود ؟ فقلت : لا ، فقال لصاحبي : احلف ، فحلف ، فعند ذلك نزلت هذه الآية . 5222 - وكما قد حدثنا محمد بن سنان الشيزري ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا المسعودي ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن شقيق ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف على يمين ليقتطع بها مال مسلم لقي الله تعالى يوم يلقاه وهو عليه غضبان ، ثم قرأ عبد الله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا (إلى آخر الآية ، فقال الأشعث بن قيس : نزلت هذه الآية في ، كان بيني وبين رجل مماراة على أرض ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : بينتك ، فقلت : ليس لي بينة ، قال : فيحلف ، قلت : إذا يذهب مالي ، فنزلت هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ( . 5223 - وكما حدثنا بحر بن نصر ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثني سليمان بن بلال أن يحيى بن سعيد حدثه أن أبا الزبير أخبره ، عن عدي بن عدي ، عن أبيه أنه قال : أتى رجلان يختصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض ، فقال أحدهما : هي لي ، وقال الآخر : هي لي ، حزتها وقبضتها ، فقال : فيها اليمين للذي بيده الأرض ، فلما تفوه ليحلف قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إنه من حلف على مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ، قال : فمن تركها ؟ قال : كان له الجنة . 5224 - وكما حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا الحارث بن سليمان الكندي ، حدثني كردوس الثعلبي ، عن أشعث بن قيس الكندي أن رجلا من كندة ورجلا من حضر موت اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض باليمن ، فقال الحضرمي : يا رسول الله ، أرضي ، اغتصبنيها أبو هذا ، فقال للكندي : ما تقول ؟ قال : أقول إنها أرضي وفي يدي ، ورثتها من أبي ، فقال للحضرمي : هل لك بينة ؟ قال : لا ، ولكن يحلف يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو : ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه . قال : فتهيأ الكندي لليمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لا يقطع رجل مالا بيمينه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم ، فردها الكندي . . 5225 - وكما حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا الحارث بن سليمان ، ثم ذكر هذا الحديث بإسناده . وقد كنا ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديث وائل بن حجر في خصومة امرئ القيس بن عابس مع ربيعة بن عيدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله للطالب منهما : بينتك ، وقوله للطالب أيضا لما قال في يمينه : أيطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها له منه أن يذهب بها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ليس لك إلا ذلك . وفيما ذكرناه في هذا الباب قيام الحجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجوب البينة على المدعي ، وبوجوب اليمين على المدعى عليه ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
أصل
شرح مشكل الآثارص 327 شرح مشكل الآثارص 327 694 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، هل يقومان عنه من طريق الإسناد أم لا ؟ قال أبو جعفر : الذي وجدناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يتدافع صحته أهل الأسانيد . 5217 - ما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اليمين على المدعى عليه . 5218 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه . فنظرنا في هذا الحديث ، فوجدنا ابن أبي مليكة لم يأخذه عن ابن عباس سماعا ، وإنما أخذه عنه بكتابه به إليه . 5219 - كما قد حدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا خالد بن نزار الأيلي ، أخبرنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة قال : كنت عاملا لابن الزبير على الطائف ، فكتبت إلى ابن عباس : إن امرأتين كانتا في بيت تخرزان حصيرا لهما ، فأصابت إحداهما يد صاحبتها بالإشفى ، فخرجت وهي تدمي ، وفي الحجرة حداث ، فقالت : أصابتني ، فأنكرت ذلك الأخرى ، فكتب إلي ابن عباس : إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه ، ولو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى أناس من الناس دماء ناس وأموالهم ، فادعها فاقرأ عليها هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ([ آل عمران : 77 ] ، فقرأت عليها الآية ، فاعترفت . قال نافع : وحسبت أنه قال : فبلغ ذلك ابن عباس فسره . فوقفنا بذلك على أن هذا الحديث إنما حدث به ابن أبي مليكة عن كتاب ابن عباس به إليه ، لا عن سماعه إياه منه . ثم نظرنا ، هل روي ذلك عن ابن عباس بمعنى أقوى من معنى المكاتبة ؟ . 5220 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا حبان بن هلال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي يحيى ، عن عبد الله بن عباس أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة على ما ادعى عنده ، فلم يكن له بينة ، فاستحلف المطلوب بالله الذي لا إله إلا هو ، [ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك قد فعلت ، ولكن الله قد غفر لك بقولك : لا إله إلا الله . فوقفنا بهذا الحديث على سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة على ما ادعاه عنده ، وأنه لما لم يكن له بينة استحلف له المطلوب على ما استحلفه له عليه . فكان هذا عن ابن عباس أقوى من الحديث الأول ، وكان فيه ما يدل على أن ما في الحديث الأول مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه أيضا سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة ، فدل ذلك على أن البينة مطلوبة من الطالب كاليمين مطلوبة من المطلوب ، وقد روي هذا المعنى أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير طريق ابن عباس . 5221 - كما حدثنا فهد وهارون بن كامل قالا : حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مالا هو فيها فاجر ، لقي الله وهو عليه غضبان ، وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ([ آل عمران : 77 ] الآية كلها ، فمر عليه الأشعث بن قيس ، فقال : بم يحدثكم ابن مسعود ؟ قالوا : حدثنا بكذا وكذا ، قال : صدق والله ، إن نزلت هذه الآية في وفي صاحب لي كان بيني وبينه بئر في أرض ، فقال : هي لي ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاختصمنا إليه ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لك من شهود ؟ فقلت : لا ، فقال لصاحبي : احلف ، فحلف ، فعند ذلك نزلت هذه الآية . 5222 - وكما قد حدثنا محمد بن سنان الشيزري ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا المسعودي ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن شقيق ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف على يمين ليقتطع بها مال مسلم لقي الله تعالى يوم يلقاه وهو عليه غضبان ، ثم قرأ عبد الله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا (إلى آخر الآية ، فقال الأشعث بن قيس : نزلت هذه الآية في ، كان بيني وبين رجل مماراة على أرض ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : بينتك ، فقلت : ليس لي بينة ، قال : فيحلف ، قلت : إذا يذهب مالي ، فنزلت هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ( . 5223 - وكما حدثنا بحر بن نصر ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثني سليمان بن بلال أن يحيى بن سعيد حدثه أن أبا الزبير أخبره ، عن عدي بن عدي ، عن أبيه أنه قال : أتى رجلان يختصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض ، فقال أحدهما : هي لي ، وقال الآخر : هي لي ، حزتها وقبضتها ، فقال : فيها اليمين للذي بيده الأرض ، فلما تفوه ليحلف قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إنه من حلف على مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ، قال : فمن تركها ؟ قال : كان له الجنة . 5224 - وكما حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا الحارث بن سليمان الكندي ، حدثني كردوس الثعلبي ، عن أشعث بن قيس الكندي أن رجلا من كندة ورجلا من حضر موت اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض باليمن ، فقال الحضرمي : يا رسول الله ، أرضي ، اغتصبنيها أبو هذا ، فقال للكندي : ما تقول ؟ قال : أقول إنها أرضي وفي يدي ، ورثتها من أبي ، فقال للحضرمي : هل لك بينة ؟ قال : لا ، ولكن يحلف يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو : ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه . قال : فتهيأ الكندي لليمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لا يقطع رجل مالا بيمينه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم ، فردها الكندي . . 5225 - وكما حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا الحارث بن سليمان ، ثم ذكر هذا الحديث بإسناده . وقد كنا ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديث وائل بن حجر في خصومة امرئ القيس بن عابس مع ربيعة بن عيدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله للطالب منهما : بينتك ، وقوله للطالب أيضا لما قال في يمينه : أيطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها له منه أن يذهب بها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ليس لك إلا ذلك . وفيما ذكرناه في هذا الباب قيام الحجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجوب البينة على المدعي ، وبوجوب اليمين على المدعى عليه ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 327 694 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، هل يقومان عنه من طريق الإسناد أم لا ؟ قال أبو جعفر : الذي وجدناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يتدافع صحته أهل الأسانيد . 5217 - ما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اليمين على المدعى عليه . 5218 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه . فنظرنا في هذا الحديث ، فوجدنا ابن أبي مليكة لم يأخذه عن ابن عباس سماعا ، وإنما أخذه عنه بكتابه به إليه . 5219 - كما قد حدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا خالد بن نزار الأيلي ، أخبرنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة قال : كنت عاملا لابن الزبير على الطائف ، فكتبت إلى ابن عباس : إن امرأتين كانتا في بيت تخرزان حصيرا لهما ، فأصابت إحداهما يد صاحبتها بالإشفى ، فخرجت وهي تدمي ، وفي الحجرة حداث ، فقالت : أصابتني ، فأنكرت ذلك الأخرى ، فكتب إلي ابن عباس : إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه ، ولو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى أناس من الناس دماء ناس وأموالهم ، فادعها فاقرأ عليها هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ([ آل عمران : 77 ] ، فقرأت عليها الآية ، فاعترفت . قال نافع : وحسبت أنه قال : فبلغ ذلك ابن عباس فسره . فوقفنا بذلك على أن هذا الحديث إنما حدث به ابن أبي مليكة عن كتاب ابن عباس به إليه ، لا عن سماعه إياه منه . ثم نظرنا ، هل روي ذلك عن ابن عباس بمعنى أقوى من معنى المكاتبة ؟ . 5220 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال : حدثنا حبان بن هلال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي يحيى ، عن عبد الله بن عباس أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة على ما ادعى عنده ، فلم يكن له بينة ، فاستحلف المطلوب بالله الذي لا إله إلا هو ، [ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك قد فعلت ، ولكن الله قد غفر لك بقولك : لا إله إلا الله . فوقفنا بهذا الحديث على سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة على ما ادعاه عنده ، وأنه لما لم يكن له بينة استحلف له المطلوب على ما استحلفه له عليه . فكان هذا عن ابن عباس أقوى من الحديث الأول ، وكان فيه ما يدل على أن ما في الحديث الأول مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه أيضا سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطالب البينة ، فدل ذلك على أن البينة مطلوبة من الطالب كاليمين مطلوبة من المطلوب ، وقد روي هذا المعنى أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير طريق ابن عباس . 5221 - كما حدثنا فهد وهارون بن كامل قالا : حدثنا علي بن معبد ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مالا هو فيها فاجر ، لقي الله وهو عليه غضبان ، وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ([ آل عمران : 77 ] الآية كلها ، فمر عليه الأشعث بن قيس ، فقال : بم يحدثكم ابن مسعود ؟ قالوا : حدثنا بكذا وكذا ، قال : صدق والله ، إن نزلت هذه الآية في وفي صاحب لي كان بيني وبينه بئر في أرض ، فقال : هي لي ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاختصمنا إليه ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لك من شهود ؟ فقلت : لا ، فقال لصاحبي : احلف ، فحلف ، فعند ذلك نزلت هذه الآية . 5222 - وكما قد حدثنا محمد بن سنان الشيزري ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا المسعودي ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن شقيق ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف على يمين ليقتطع بها مال مسلم لقي الله تعالى يوم يلقاه وهو عليه غضبان ، ثم قرأ عبد الله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا (إلى آخر الآية ، فقال الأشعث بن قيس : نزلت هذه الآية في ، كان بيني وبين رجل مماراة على أرض ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : بينتك ، فقلت : ليس لي بينة ، قال : فيحلف ، قلت : إذا يذهب مالي ، فنزلت هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ( . 5223 - وكما حدثنا بحر بن نصر ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثني سليمان بن بلال أن يحيى بن سعيد حدثه أن أبا الزبير أخبره ، عن عدي بن عدي ، عن أبيه أنه قال : أتى رجلان يختصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض ، فقال أحدهما : هي لي ، وقال الآخر : هي لي ، حزتها وقبضتها ، فقال : فيها اليمين للذي بيده الأرض ، فلما تفوه ليحلف قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إنه من حلف على مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ، قال : فمن تركها ؟ قال : كان له الجنة . 5224 - وكما حدثنا فهد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا الحارث بن سليمان الكندي ، حدثني كردوس الثعلبي ، عن أشعث بن قيس الكندي أن رجلا من كندة ورجلا من حضر موت اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض باليمن ، فقال الحضرمي : يا رسول الله ، أرضي ، اغتصبنيها أبو هذا ، فقال للكندي : ما تقول ؟ قال : أقول إنها أرضي وفي يدي ، ورثتها من أبي ، فقال للحضرمي : هل لك بينة ؟ قال : لا ، ولكن يحلف يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو : ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه . قال : فتهيأ الكندي لليمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لا يقطع رجل مالا بيمينه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم ، فردها الكندي . . 5225 - وكما حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا الحارث بن سليمان ، ثم ذكر هذا الحديث بإسناده . وقد كنا ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديث وائل بن حجر في خصومة امرئ القيس بن عابس مع ربيعة بن عيدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله للطالب منهما : بينتك ، وقوله للطالب أيضا لما قال في يمينه : أيطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها له منه أن يذهب بها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ليس لك إلا ذلك . وفيما ذكرناه في هذا الباب قيام الحجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجوب البينة على المدعي ، وبوجوب اليمين على المدعى عليه ، والله عز وجل نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 337 695 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اختلاف المتبايعين في الثمن قال أبو جعفر : هذا باب يزعم أهل العلم بالأسانيد أن الذي يجدونه فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم هو . 5226 - ما قد حدثناه يزيد بن سنان ، حدثنا المؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان الثوري حدثنا معن بن عبد الرحمن ، عن القاسم قال : قال : عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان إذا اختلفا وليس بينهما شاهد ، فالقول ما قال البائع ، أو يترادان . 5227 - وما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا : حدثنا حماد بن زيد ، عن أبان بن تغلب ، عن القاسم بن عبد الرحمن أن الأشعث بن قيس اشترى من عبد الله رقيقا من رقيق الإمارة ، فأتاه يتقاضاه ، فاختلفا في الثمن ، فقال له عبد الله : ترضى أن أقضي بيني وبينك بما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا اختلف البيعان ، فالقول ما قال البائع ، أو يترادان ، أو يتتاركان . 5228 - وما قد حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا الحسين بن حفص ، حدثنا سفيان ، حدثنا معن بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، ثم ذكر مثل حديث يزيد عن مؤمل سواء . قال أبو جعفر : فذكرت هذا الباب لأحمد بن شعيب ، وقلت له : هل عندك شيء يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لي : نعم . 5229 - أخبرنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا محمد بن إدريس يعني أبا حاتم ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن أبي عميس ، حدثني عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، عن أبيه ، عن جده قال : قال عبد الله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة ، فهو ما يقول رب السلعة ، أو يتتاركان . قال : فكان هذا الحديث هو الذي وجدناه موصولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ، وإن كان بعض الناس يذكر أنه يبعد في قلبه لقاء أبي عميس عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، لأن عبد الرحمن هذا ممن كان الحجاج قتله ، وذلك مما عسى أن يكون بعد التسعين إلى مئة ، فإن ذلك من قوله عندنا ليس بشيء ، لأن أبا عميس كبير السن ، ولأنه يقول في هذا الحديث : حدثني عبد الرحمن ابن الأشعث وأبو عميس ، فقد روى عن أمثال عبد الرحمن بن محمد من عطاء بن أبي رباح ، ومن الشعبي ، ومن القاسم بن عبد الرحمن . وقد كنت أنا ذكرت هذا الباب قبل هذا لأحمد بن أبي عمران ، وقلت له : عندك شيء متصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لي : أما أن أجده منصوصا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ، ولكن الحجة قد قامت به من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : اليمين على المدعى عليه ، وكان المتبايعان لما اختلفا في ثمن المبيع قد ادعى كل واحد منهما بيعا بثمن غير البيع الذي ادعاه صاحبه بالثمن الذي ادعاه ، فكانا بذلك متداعيين بيعين مختلفين ، وقد عقلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليمين على المدعى عليه ، فعقلنا بذلك أنهما من أجل ذلك يتحالفان ، وتنتفي دعوى كل واحد منهما عن صاحبه ، ويكون العبد بحاله في يد المدعى عليه بغير حجة قامت له على الذي ادعى عليه البيع الذي ادعاه عليه فيه ، وبغير حجة قامت لمدعي البيع عليه بالبيع الذي ادعاه عليه فيه . فإن قال قائل : إن هذين المتداعيين قد أجمعا جميعا على أن المبتاع للعبد قد ثبت البيع فيه ، وإنما اختلفا في الثمن ، فالواجب أن يعودا إلى حكم رجلين ادعى أحدهما على الآخر مالا ، فصدقه في بعضه ، وأنكر بقيته ، فيلزمه ما أقر له به ، ويحلف له إن طلب يمينه على ما بقي مما ادعى عليه منه ، ويكون العبد سالما للمطلوب لاتفاقه وبائعه على ملكه . فكان جوابي له في ذلك أن الأمر ليس في ذلك ، كما ذكروا أن الاختلاف في الثمنين اختلاف في العقدين ، وذلك أني رأيت الرجل إذا ادعى على رجل ألف درهم وخمس مئة ، وأنكر ذلك المدعى عليه ، وأقام عليه المدعي شاهدا بألف وشاهدا بالألف والخمس مئة التي ادعاها أنه يقضى له بالذي اتفق شاهداه عليه ، ورأيت ذلك لو كان منه في دعوى البيع بألف وخمس مئة ، وأقام شاهدين فشهد له أحدهما على ما ادعى ، وشهد له الآخر أن البيع كان بألف أن الشهادة باطلة ، وأنه لا يجب له فيها شيء ، فعقلت : بذلك أن الاختلاف في الثمنين اللذين ذكرنا يوجب دعوى بيعين من المتداعيين ، وأن الاختلاف في مقدار الثمن المدعى به ولا إضافة له إلى ثمن بيع يوجب مالا واحدا مختلفا في مقداره . وإذا كان البيعان مختلفين فيما ذكرنا ، وحلف على ذلك متداعياهما ، وجب فسخ ما ادعاه كل واحد منهما على صاحبه ، ووجب سلامة العبد لمن هو في يده ، إذ لم تقم عليه حجة بما ادعي عليه فيه ، فغنيت بهذا عن طلب الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم المتداعيين في الثمن المختلفين فيه . قال : وقد كان أبو حنيفة وأبو يوسف جميعا يذهبان إلى ما قال هذا القائل الذي حاججته بهذه الحجة ، والذي عندي في ذلك ما قد ذكرته مما قد احتججت به في هذا الباب ، وهو مذهب محمد بن الحسن فيه . ولما قد ذكرت عن أبي حنيفة وأبي يوسف كانا يقولان : إذا اختلفا في ثمن المبيع تحالفا وترادا إذا كان المبيع قائما ، وإذا اختلفا فيه وهو فائت ، كان القول فيه قول المشتري ، قال أبو حنيفة : لأن الذي يوجبه القياس عندي في ذلك كله أن يكون القول قول المشتري ، ولكنه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما ذكرت ، قلت به ، ورددت الجواب بعده إلى ما يوجبه القياس . قال ابن أبي عمران : ولكني أقول لو لم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا شيء ، لكان القياس يوجب ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، وإذا كان ذلك كذلك وجب استعماله في الحي وفي الميت ، لأن ما وجب رده إذا كان حيا وجب رد قيمته إذا كان فائتا . قال أبو جعفر : وهذا معنى لطيف حسن ، وبالله التوفيق .