الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته ، فلينصرف وليتوضأ وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم ) . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا : من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : من أَصَابَهُ قيء أَو رُعَاف أَو قلس أَو مذي فلينصرف وليتوضأ ، ثمَّ ليبن عَلَى صلَاته وَهُوَ فِي ذَلِك لَا يتَكَلَّم . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا قَالَ : حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن عبد الله بن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا قاء أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ (ثمَّ) ليبن عَلَى مَا مَضَى من صلَاته مَا لم يتَكَلَّم قَالَ ابْن جريج : فَإِن تكلم اسْتَأْنف . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن (أَبِيه) قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء . . . بِهِ ، إِلَّا أَنه قَالَ : وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم بدل ثمَّ ليبن . . . إِلَى آخِره (قَالَ) : قَالَ ابْن جريج : وحَدثني ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن عباد بن كثير وَعَطَاء بن عجلَان ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة بِمثلِهِ ، ثمَّ قَالَ : عباد وَعَطَاء ضعيفان ، ثمَّ قَالَ : كَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة ، وَتَابعه سُلَيْمَان بن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، وَأَصْحَاب ابْن جريج (الْحفاظ عَنهُ يَرْوُونَهُ عَن ابْن جريج عَن أَبِيه مُرْسلا . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ حَدِيث سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن ابْن جريج) ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليتم عَلَى مَا مَضَى (مِنْهَا) مَا لم يتَكَلَّم قَالَ : وحَدثني ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث أبي عَاصِم وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَعبد الرَّزَّاق كلهم ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء أحدكُم أَو قلس أَو وجد مذيًا وَهُوَ فِي الصَّلَاة ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم . ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ لنا أَبُو بكر : سَمِعت مُحَمَّد بن يَحْيَى يَقُول : هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج ، وَهُوَ مُرْسل ، وَأما حَدِيث ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَلَيْسَ بِشَيْء . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث (عبد الْوَهَّاب) ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وجد رعافًا أَو قيئًا أَو مذيًا أَو قلسًا ، فَليَتَوَضَّأ ، ثمَّ ليتم عَلَى مَا مَضَى مَا بَقِي ، و(هُوَ) مَعَ ذَلِك يتوقى (أَن يتَكَلَّم) وَصرح الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي علله بتصويب رِوَايَة الْإِرْسَال فَقَالَ : رَوَاهُ أَصْحَاب ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَلم يذكرُوا ابْن أبي مليكَة وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة خطأ ، إِنَّمَا (يرويهِ) ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، والْحَدِيث هُوَ هَذَا . وَلما ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي إِمَامه كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه السالفة أتبعه بِكَلَام أبي حَاتِم هَذَا ، ثمَّ قَالَ : يَنْبَغِي أَن يتتبع هَذَا بالكشف ، ثمَّ ذكر رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة الْمُرْسلَة ثمَّ المسندة الَّتِي فِيهَا : قَالَ ابْن جريج . . . إِلَى آخِره [ قَالَ : ] وَمِمَّنْ رَوَاهُ بِهَذَيْنِ الإسنادين جَمِيعًا عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش الرّبيع بن نَافِع وَدَاوُد ابن رشيد ، ثمَّ قَالَ : و(هَذِه) الرِّوَايَات الَّتِي جمع فِيهَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش بَين الإسنادين جَمِيعًا - أَعنِي : الْمُرْسل والمسند - فِي حَالَة وَاحِدَة مِمَّا يبعد الْخَطَأ عَلَى إِسْمَاعِيل ، فَإِنَّهُ لَو اقْتصر عَلَى (رفع مَا وَقفه) النَّاس لتطرق الْوَهم إِلَى خطئه تطرقًا قَرِيبا ، فَأَما وَقد وَافق النَّاس إِلَى روايتهم الْمُرْسل وَزَاد عَلَيْهِم (الْمسند) فَهَذَا يشْعر بتحفظٍ وَتثبت فِيمَا زَاده عَلَيْهِم . قَالَ : وَإِسْمَاعِيل (قد) وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَغَيره ، وَتَابعه عَلَى الْمسند سُلَيْمَان بن أَرقم . وَهَذَا الْبَحْث من الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُؤذن بِصِحَّة رِوَايَة الْمسند أَيْضا ، وَاحْتج إِلَى ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَإِنَّهُ قَالَ : إِن قيل : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج يَرْوُونَهُ ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَأما حَدِيثه ، عَن ابْن (أبي) مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَيْسَ بِشَيْء ، وَإِنَّمَا يرويهِ ابْن أبي مليكَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ أجَاب بِأَن يَحْيَى بن معِين وثق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة . والمرسل عِنْد أَحْمد حجَّة . انْتَهَى كَلَامه . وَخَالف ذَلِك فِي علله فَذكره وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ؛ فَإِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تغير فَصَارَ يخلط . قَالَ ابْن عدي : وَقد قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . وَهَذَا تخَالف مِنْهُ عَجِيب ، وَقد أسلفت لَك فِي الحَدِيث السَّابِع من بَاب الْغسْل (مقَالَة) الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأَن أَكثر الْحفاظ عَلَى ضعفه فِي غير الشاميين ، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَته عَن ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، فَهُوَ ضَعِيف من هَذَا الْوَجْه ، وَقد ضعفه جماعات . قَالَ ابْن حزم فِي محلاه لما ذكره من طَرِيق إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة : هَذَانِ أثران ساقطان ؛ لِأَن وَالِد ابْن جريج لَا صُحْبَة لَهُ ، فَهُوَ مُنْقَطع ، وَالْآخر من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَهُوَ سَاقِط لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ . انْتَهَى كَلَامه . وَعبارَته فِي إِسْمَاعِيل فِيهَا نظر ، فَإِنَّهُ لَيْسَ سَاقِطا كَمَا أَشرت إِلَيْهِ هُنَاكَ ، بل هُوَ من الْمُخْتَلف فيهم . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : اسْتدلَّ (أَصْحَابنَا) بِأَحَادِيث مُسْتَقِيمَة رويت بأسانيد واهية فَذكر مِنْهَا هَذَا الحَدِيث ، وَتكلم عَلَيْهِ نَحْو كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ السالف ، وَقَالَ : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لَا تقوم بِهِ حجَّة ، وَعباد وَابْن عجلَان ضعفاء . قَالَ يَحْيَى فِي عباد : لَيْسَ بِشَيْء ، وَكَانَ يوضع لَهُ الحَدِيث فَيحدث بِهِ . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ البُخَارِيّ فِي عَطاء : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الْجوزجَاني : كَذَّاب ، (قَالَ :) وَتَابعه سُلَيْمَان وَهُوَ شَرّ من إِسْمَاعِيل بِكَثِير . قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ يسوى فلسًا . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ الْجوزجَاني : سَاقِط . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَهَذَا حَال رُوَاة هَذَا الحَدِيث قَالَ : وَالصَّوَاب إرْسَاله . وَذكر فِي سنَنه عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ : مَا رَوَى ابْن عَيَّاش ، عَن الشاميين صَحِيح ، [ وَمَا رَوَى ] عَن أهل الْحجاز فَلَيْسَ بِصَحِيح ، وَإِنَّمَا رَوَى ابْن جريج هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه لَيْسَ فِيهِ ذكر عَائِشَة ثمَّ أسْندهُ كَذَلِك مُرْسلا قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ . قلت : وَضَعفه أَيْضا من الْمُتَأَخِّرين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط (فَقَالَ) : هَذَا حَدِيث لَا يَصح رَفعه وَهُوَ مُرْسل ضَعِيف رَوَاهُ جمَاعَة عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل جمَاعَة عَن ابْن جريج (عَن أَبِيه مُرْسلا) وَالْمَحْفُوظ فِيهِ الْمُرْسل ، كَذَلِك رَوَاهُ جمَاعَة غَيره من الثِّقَات ، ووصْلُِه أحد مَا أُنكر عَلَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأهل الحَدِيث يضعفونه فِيمَا يرويهِ عَن غير أهل الشَّام لسوء حفظه عَنْهُم ، وَابْن جريج لَيْسَ شاميٍّا فَاعْلَم ذَلِك ؛ فَإِن فِي نِهَايَة الْمطلب عَلَى هَذَا الحَدِيث كلَاما غير قويم . قلت : أَرَادَ بِهِ قَوْله (فِيهِ) تَوْجِيه الْقَدِيم الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي الصِّحَاح وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة إِلَى آخِره قَالَ : وَإِنَّمَا لم يقل بِهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لإرسال ابْن أبي مليكَة ؛ فَإِنَّهُ لم يلق عَائِشَة وَلَا حجَّة فِي الْمُرْسل عِنْده ، وَقد رَوَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فِي طَرِيقه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، لَكِن إِسْمَاعِيل هَذَا سيئ الْحِفْظ ، كثير الْغَلَط فِيمَا يرويهِ عَن غير الشاميين ، وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين . هَذَا آخر كَلَامه وَتَبعهُ الْغَزالِيّ فِي بسيطه فَقَالَ : (رَوَى) ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة عَنهُ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : من قاء . . . إِلَى آخِره بِلَفْظ الرَّافِعِيّ السالف ، ثمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا لم يعْمل بِهِ الشَّافِعِي ؛ لكَونه مُرْسلا ، وَإِلَّا فيسهل عَلَيْهِ كتب صِحَاح . انْتَهَى . وَفِيه أغاليط فَاحِشَة : إِحْدَاهَا : دَعْوَاهُ (أَنه) فِي الصِّحَاح وَلم يُخرجهُ أحد فِيهَا ، وَهُوَ (من) أَفْرَاد سنَن ابْن مَاجَه ، وفيهَا أَحَادِيث كَثِيرَة ضَعِيفَة بل مَوْضُوعَات . ثَانِيهَا : قَوْله (إِنَّه) جعل (إرْسَاله أَن) ابْن أبي مليكَة لم يلق عَائِشَة ، وَإِنَّمَا إرْسَاله أَن ابْن جريج يرويهِ عَن أَبِيه مُرْسلا كَمَا سلف عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، أَو يرويهِ عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة مُرْسلا كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم ، وَلَئِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره فَهُوَ مُنْقَطع لَا مُرْسل بِحَسب اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ . ثَالِثهَا : إِدْخَاله عُرْوَة (بَين) عَائِشَة وَابْن أبي مليكَة ، فَإِنَّهُ غَرِيب لم أر أحدا ذكره سواهُ ، وَقد (أخرجته) من طرق لَيْسَ هَذَا فِيهَا . رَابِعهَا : دَعْوَاهُ أَن إِسْمَاعِيل رَوَاهُ عَن ابْن أبي مليكَة ، ثمَّ ضعف إِسْمَاعِيل فِي غير الشاميين ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَن ابْن جريج عَنهُ فَقَوله : وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين صَوَابه إِذن ، وَابْن جريج لَيْسَ من الشاميين ، فَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ وهم الإِمَام فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث وَخُرُوجه عَن الصَّوَاب فِي التَّعْبِير عَن (المُرَاد) ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيث غير ثَابت كَمَا قَررنَا ، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقد نقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي بَاب الْأَحْدَاث مِنْهُ اتِّفَاق الْحفاظ عَلَى ضعفه ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، [ عَن ] ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ أهل الْحجاز ضَعِيفَة عِنْد أهل الحَدِيث ، وَلِأَنَّهُ مُرْسل . قَالَ الْحفاظ : الْمَحْفُوظ أَنه عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِمَّن قَالَ ذَلِك : الشَّافِعِي ، وَأحمد بن حَنْبَل ، وَمُحَمّد بن يَحْيَى ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم عَن أَبِيه وَأبي زرْعَة ، وَأَبُو [ أَحْمد ] بن عدي ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم . الطَّرِيق الثَّانِي : من طرق الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته ، فلينصرف فليغسل الدَّم ، ثمَّ ليعد وضوءه وَيسْتَقْبل صلَاته . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته من حَدِيث سُلَيْمَان (بن أَرقم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَيْضا ؛ فَإِن سُلَيْمَان) هَذَا مَتْرُوك الحَدِيث كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة لَهما : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا رعف فِي صلَاته تَوَضَّأ ثمَّ بنى عَلَى مَا بَقِي من صلَاته . وَفِي إسنادها عمر بن ريَاح - برَاء مُهْملَة مَكْسُورَة ثمَّ مثناة تَحت - وَهُوَ مَتْرُوك كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ الفلاس : دجال . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من رعف فِي صلَاته ، فَليرْجع فَليَتَوَضَّأ وليبن عَلَى صلَاته . روياه أَيْضا وَقَالا : فِي إِسْنَاده أَبُو بكر الداهري - يَعْنِي : بِالدَّال الْمُهْملَة - ( عبد الله) بن حَكِيم وَهُوَ مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : لَا يَصح . قَالَ السَّعْدِيّ : الداهري هَذَا كَذَّاب مُصَرح . وَقَالَ ابْن حبَان : يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات . وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد جيد (عَلَى شَرط الصَّحِيح) عَن عَلّي قَالَ : إِذا رعف الرجل فِي صلَاته أَو قاء ، فَليَتَوَضَّأ وَلَا يتَكَلَّم ، وليبن عَلَى صلَاته وَهَذَا مَوْقُوف جيد . فَائِدَة : القلس فِي الحَدِيث - بِالْقَافِ وَاللَّام وبالسين الْمُهْملَة - الْقَيْء . وَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ مَا خرج من الْحلق ملْء الْفَم أَو دونه وَلَيْسَ هُوَ بقيء ، فَإِن عَاد فَهُوَ الْقَيْء ، فعلَى هَذَا يكون قَوْله فِي الحَدِيث : أَو قلس للتقسيم ، وَعَلَى الأول تكون أَو للشَّكّ من الرَّاوِي . وَقَوله : أَو رعف هُوَ مثلث الْعين حكاهن ابْن مَالك فِي (مثلثه) ، قَالَ ابْن الصّلاح : الصَّحِيح فِيهِ فتح الْعين ، قَالَ : وَرُوِيَ ضمهَا عَلَى ضعف فِيهِ ، قَالَ : وَرُوِيَ أَن هَذِه الْكَلِمَة كَانَت السَّبَب فِي لُزُوم سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل بن أَحْمد ، وتعويله عَلَيْهِ فِي طلب الْعَرَبيَّة بعد أَن كَانَ يطْلب الحَدِيث وَالتَّفْسِير ، وَذَلِكَ أَنه سَأَلَ يَوْمًا حَمَّاد بن سَلمَة فَقَالَ لَهُ : أحَدثك هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه فِي رجل رعف فِي الصَّلَاة وَضم الْعين - فَقَالَ لَهُ : أَخْطَأت إِنَّمَا هُوَ رعف - بِفَتْح الْعين - فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل وَلَزِمَه .
تخريج كتب التخريج والعلل
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الثَّالِث من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته · ص 100 البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الثَّالِث من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته · ص 100 الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته ، فلينصرف وليتوضأ وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم ) . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا : من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : من أَصَابَهُ قيء أَو رُعَاف أَو قلس أَو مذي فلينصرف وليتوضأ ، ثمَّ ليبن عَلَى صلَاته وَهُوَ فِي ذَلِك لَا يتَكَلَّم . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا قَالَ : حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن عبد الله بن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا قاء أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ (ثمَّ) ليبن عَلَى مَا مَضَى من صلَاته مَا لم يتَكَلَّم قَالَ ابْن جريج : فَإِن تكلم اسْتَأْنف . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن (أَبِيه) قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء . . . بِهِ ، إِلَّا أَنه قَالَ : وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم بدل ثمَّ ليبن . . . إِلَى آخِره (قَالَ) : قَالَ ابْن جريج : وحَدثني ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن عباد بن كثير وَعَطَاء بن عجلَان ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة بِمثلِهِ ، ثمَّ قَالَ : عباد وَعَطَاء ضعيفان ، ثمَّ قَالَ : كَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة ، وَتَابعه سُلَيْمَان بن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، وَأَصْحَاب ابْن جريج (الْحفاظ عَنهُ يَرْوُونَهُ عَن ابْن جريج عَن أَبِيه مُرْسلا . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ حَدِيث سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن ابْن جريج) ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليتم عَلَى مَا مَضَى (مِنْهَا) مَا لم يتَكَلَّم قَالَ : وحَدثني ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث أبي عَاصِم وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَعبد الرَّزَّاق كلهم ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء أحدكُم أَو قلس أَو وجد مذيًا وَهُوَ فِي الصَّلَاة ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم . ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ لنا أَبُو بكر : سَمِعت مُحَمَّد بن يَحْيَى يَقُول : هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج ، وَهُوَ مُرْسل ، وَأما حَدِيث ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَلَيْسَ بِشَيْء . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث (عبد الْوَهَّاب) ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وجد رعافًا أَو قيئًا أَو مذيًا أَو قلسًا ، فَليَتَوَضَّأ ، ثمَّ ليتم عَلَى مَا مَضَى مَا بَقِي ، و(هُوَ) مَعَ ذَلِك يتوقى (أَن يتَكَلَّم) وَصرح الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي علله بتصويب رِوَايَة الْإِرْسَال فَقَالَ : رَوَاهُ أَصْحَاب ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَلم يذكرُوا ابْن أبي مليكَة وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة خطأ ، إِنَّمَا (يرويهِ) ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، والْحَدِيث هُوَ هَذَا . وَلما ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي إِمَامه كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه السالفة أتبعه بِكَلَام أبي حَاتِم هَذَا ، ثمَّ قَالَ : يَنْبَغِي أَن يتتبع هَذَا بالكشف ، ثمَّ ذكر رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة الْمُرْسلَة ثمَّ المسندة الَّتِي فِيهَا : قَالَ ابْن جريج . . . إِلَى آخِره [ قَالَ : ] وَمِمَّنْ رَوَاهُ بِهَذَيْنِ الإسنادين جَمِيعًا عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش الرّبيع بن نَافِع وَدَاوُد ابن رشيد ، ثمَّ قَالَ : و(هَذِه) الرِّوَايَات الَّتِي جمع فِيهَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش بَين الإسنادين جَمِيعًا - أَعنِي : الْمُرْسل والمسند - فِي حَالَة وَاحِدَة مِمَّا يبعد الْخَطَأ عَلَى إِسْمَاعِيل ، فَإِنَّهُ لَو اقْتصر عَلَى (رفع مَا وَقفه) النَّاس لتطرق الْوَهم إِلَى خطئه تطرقًا قَرِيبا ، فَأَما وَقد وَافق النَّاس إِلَى روايتهم الْمُرْسل وَزَاد عَلَيْهِم (الْمسند) فَهَذَا يشْعر بتحفظٍ وَتثبت فِيمَا زَاده عَلَيْهِم . قَالَ : وَإِسْمَاعِيل (قد) وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَغَيره ، وَتَابعه عَلَى الْمسند سُلَيْمَان بن أَرقم . وَهَذَا الْبَحْث من الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُؤذن بِصِحَّة رِوَايَة الْمسند أَيْضا ، وَاحْتج إِلَى ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَإِنَّهُ قَالَ : إِن قيل : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج يَرْوُونَهُ ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَأما حَدِيثه ، عَن ابْن (أبي) مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَيْسَ بِشَيْء ، وَإِنَّمَا يرويهِ ابْن أبي مليكَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ أجَاب بِأَن يَحْيَى بن معِين وثق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة . والمرسل عِنْد أَحْمد حجَّة . انْتَهَى كَلَامه . وَخَالف ذَلِك فِي علله فَذكره وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ؛ فَإِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تغير فَصَارَ يخلط . قَالَ ابْن عدي : وَقد قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . وَهَذَا تخَالف مِنْهُ عَجِيب ، وَقد أسلفت لَك فِي الحَدِيث السَّابِع من بَاب الْغسْل (مقَالَة) الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأَن أَكثر الْحفاظ عَلَى ضعفه فِي غير الشاميين ، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَته عَن ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، فَهُوَ ضَعِيف من هَذَا الْوَجْه ، وَقد ضعفه جماعات . قَالَ ابْن حزم فِي محلاه لما ذكره من طَرِيق إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة : هَذَانِ أثران ساقطان ؛ لِأَن وَالِد ابْن جريج لَا صُحْبَة لَهُ ، فَهُوَ مُنْقَطع ، وَالْآخر من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَهُوَ سَاقِط لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ . انْتَهَى كَلَامه . وَعبارَته فِي إِسْمَاعِيل فِيهَا نظر ، فَإِنَّهُ لَيْسَ سَاقِطا كَمَا أَشرت إِلَيْهِ هُنَاكَ ، بل هُوَ من الْمُخْتَلف فيهم . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : اسْتدلَّ (أَصْحَابنَا) بِأَحَادِيث مُسْتَقِيمَة رويت بأسانيد واهية فَذكر مِنْهَا هَذَا الحَدِيث ، وَتكلم عَلَيْهِ نَحْو كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ السالف ، وَقَالَ : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لَا تقوم بِهِ حجَّة ، وَعباد وَابْن عجلَان ضعفاء . قَالَ يَحْيَى فِي عباد : لَيْسَ بِشَيْء ، وَكَانَ يوضع لَهُ الحَدِيث فَيحدث بِهِ . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ البُخَارِيّ فِي عَطاء : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الْجوزجَاني : كَذَّاب ، (قَالَ :) وَتَابعه سُلَيْمَان وَهُوَ شَرّ من إِسْمَاعِيل بِكَثِير . قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ يسوى فلسًا . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ الْجوزجَاني : سَاقِط . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَهَذَا حَال رُوَاة هَذَا الحَدِيث قَالَ : وَالصَّوَاب إرْسَاله . وَذكر فِي سنَنه عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ : مَا رَوَى ابْن عَيَّاش ، عَن الشاميين صَحِيح ، [ وَمَا رَوَى ] عَن أهل الْحجاز فَلَيْسَ بِصَحِيح ، وَإِنَّمَا رَوَى ابْن جريج هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه لَيْسَ فِيهِ ذكر عَائِشَة ثمَّ أسْندهُ كَذَلِك مُرْسلا قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ . قلت : وَضَعفه أَيْضا من الْمُتَأَخِّرين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط (فَقَالَ) : هَذَا حَدِيث لَا يَصح رَفعه وَهُوَ مُرْسل ضَعِيف رَوَاهُ جمَاعَة عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل جمَاعَة عَن ابْن جريج (عَن أَبِيه مُرْسلا) وَالْمَحْفُوظ فِيهِ الْمُرْسل ، كَذَلِك رَوَاهُ جمَاعَة غَيره من الثِّقَات ، ووصْلُِه أحد مَا أُنكر عَلَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأهل الحَدِيث يضعفونه فِيمَا يرويهِ عَن غير أهل الشَّام لسوء حفظه عَنْهُم ، وَابْن جريج لَيْسَ شاميٍّا فَاعْلَم ذَلِك ؛ فَإِن فِي نِهَايَة الْمطلب عَلَى هَذَا الحَدِيث كلَاما غير قويم . قلت : أَرَادَ بِهِ قَوْله (فِيهِ) تَوْجِيه الْقَدِيم الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي الصِّحَاح وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة إِلَى آخِره قَالَ : وَإِنَّمَا لم يقل بِهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لإرسال ابْن أبي مليكَة ؛ فَإِنَّهُ لم يلق عَائِشَة وَلَا حجَّة فِي الْمُرْسل عِنْده ، وَقد رَوَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فِي طَرِيقه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، لَكِن إِسْمَاعِيل هَذَا سيئ الْحِفْظ ، كثير الْغَلَط فِيمَا يرويهِ عَن غير الشاميين ، وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين . هَذَا آخر كَلَامه وَتَبعهُ الْغَزالِيّ فِي بسيطه فَقَالَ : (رَوَى) ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة عَنهُ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : من قاء . . . إِلَى آخِره بِلَفْظ الرَّافِعِيّ السالف ، ثمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا لم يعْمل بِهِ الشَّافِعِي ؛ لكَونه مُرْسلا ، وَإِلَّا فيسهل عَلَيْهِ كتب صِحَاح . انْتَهَى . وَفِيه أغاليط فَاحِشَة : إِحْدَاهَا : دَعْوَاهُ (أَنه) فِي الصِّحَاح وَلم يُخرجهُ أحد فِيهَا ، وَهُوَ (من) أَفْرَاد سنَن ابْن مَاجَه ، وفيهَا أَحَادِيث كَثِيرَة ضَعِيفَة بل مَوْضُوعَات . ثَانِيهَا : قَوْله (إِنَّه) جعل (إرْسَاله أَن) ابْن أبي مليكَة لم يلق عَائِشَة ، وَإِنَّمَا إرْسَاله أَن ابْن جريج يرويهِ عَن أَبِيه مُرْسلا كَمَا سلف عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، أَو يرويهِ عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة مُرْسلا كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم ، وَلَئِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره فَهُوَ مُنْقَطع لَا مُرْسل بِحَسب اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ . ثَالِثهَا : إِدْخَاله عُرْوَة (بَين) عَائِشَة وَابْن أبي مليكَة ، فَإِنَّهُ غَرِيب لم أر أحدا ذكره سواهُ ، وَقد (أخرجته) من طرق لَيْسَ هَذَا فِيهَا . رَابِعهَا : دَعْوَاهُ أَن إِسْمَاعِيل رَوَاهُ عَن ابْن أبي مليكَة ، ثمَّ ضعف إِسْمَاعِيل فِي غير الشاميين ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَن ابْن جريج عَنهُ فَقَوله : وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين صَوَابه إِذن ، وَابْن جريج لَيْسَ من الشاميين ، فَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ وهم الإِمَام فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث وَخُرُوجه عَن الصَّوَاب فِي التَّعْبِير عَن (المُرَاد) ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيث غير ثَابت كَمَا قَررنَا ، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقد نقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي بَاب الْأَحْدَاث مِنْهُ اتِّفَاق الْحفاظ عَلَى ضعفه ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، [ عَن ] ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ أهل الْحجاز ضَعِيفَة عِنْد أهل الحَدِيث ، وَلِأَنَّهُ مُرْسل . قَالَ الْحفاظ : الْمَحْفُوظ أَنه عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِمَّن قَالَ ذَلِك : الشَّافِعِي ، وَأحمد بن حَنْبَل ، وَمُحَمّد بن يَحْيَى ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم عَن أَبِيه وَأبي زرْعَة ، وَأَبُو [ أَحْمد ] بن عدي ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم . الطَّرِيق الثَّانِي : من طرق الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته ، فلينصرف فليغسل الدَّم ، ثمَّ ليعد وضوءه وَيسْتَقْبل صلَاته . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته من حَدِيث سُلَيْمَان (بن أَرقم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَيْضا ؛ فَإِن سُلَيْمَان) هَذَا مَتْرُوك الحَدِيث كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة لَهما : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا رعف فِي صلَاته تَوَضَّأ ثمَّ بنى عَلَى مَا بَقِي من صلَاته . وَفِي إسنادها عمر بن ريَاح - برَاء مُهْملَة مَكْسُورَة ثمَّ مثناة تَحت - وَهُوَ مَتْرُوك كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ الفلاس : دجال . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من رعف فِي صلَاته ، فَليرْجع فَليَتَوَضَّأ وليبن عَلَى صلَاته . روياه أَيْضا وَقَالا : فِي إِسْنَاده أَبُو بكر الداهري - يَعْنِي : بِالدَّال الْمُهْملَة - ( عبد الله) بن حَكِيم وَهُوَ مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : لَا يَصح . قَالَ السَّعْدِيّ : الداهري هَذَا كَذَّاب مُصَرح . وَقَالَ ابْن حبَان : يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات . وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد جيد (عَلَى شَرط الصَّحِيح) عَن عَلّي قَالَ : إِذا رعف الرجل فِي صلَاته أَو قاء ، فَليَتَوَضَّأ وَلَا يتَكَلَّم ، وليبن عَلَى صلَاته وَهَذَا مَوْقُوف جيد . فَائِدَة : القلس فِي الحَدِيث - بِالْقَافِ وَاللَّام وبالسين الْمُهْملَة - الْقَيْء . وَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ مَا خرج من الْحلق ملْء الْفَم أَو دونه وَلَيْسَ هُوَ بقيء ، فَإِن عَاد فَهُوَ الْقَيْء ، فعلَى هَذَا يكون قَوْله فِي الحَدِيث : أَو قلس للتقسيم ، وَعَلَى الأول تكون أَو للشَّكّ من الرَّاوِي . وَقَوله : أَو رعف هُوَ مثلث الْعين حكاهن ابْن مَالك فِي (مثلثه) ، قَالَ ابْن الصّلاح : الصَّحِيح فِيهِ فتح الْعين ، قَالَ : وَرُوِيَ ضمهَا عَلَى ضعف فِيهِ ، قَالَ : وَرُوِيَ أَن هَذِه الْكَلِمَة كَانَت السَّبَب فِي لُزُوم سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل بن أَحْمد ، وتعويله عَلَيْهِ فِي طلب الْعَرَبيَّة بعد أَن كَانَ يطْلب الحَدِيث وَالتَّفْسِير ، وَذَلِكَ أَنه سَأَلَ يَوْمًا حَمَّاد بن سَلمَة فَقَالَ لَهُ : أحَدثك هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه فِي رجل رعف فِي الصَّلَاة وَضم الْعين - فَقَالَ لَهُ : أَخْطَأت إِنَّمَا هُوَ رعف - بِفَتْح الْعين - فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل وَلَزِمَه .
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الثَّالِث من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته · ص 100 الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته ، فلينصرف وليتوضأ وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم ) . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا : من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : من أَصَابَهُ قيء أَو رُعَاف أَو قلس أَو مذي فلينصرف وليتوضأ ، ثمَّ ليبن عَلَى صلَاته وَهُوَ فِي ذَلِك لَا يتَكَلَّم . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا قَالَ : حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن عبد الله بن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا قاء أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ (ثمَّ) ليبن عَلَى مَا مَضَى من صلَاته مَا لم يتَكَلَّم قَالَ ابْن جريج : فَإِن تكلم اسْتَأْنف . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن (أَبِيه) قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء . . . بِهِ ، إِلَّا أَنه قَالَ : وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم بدل ثمَّ ليبن . . . إِلَى آخِره (قَالَ) : قَالَ ابْن جريج : وحَدثني ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن عباد بن كثير وَعَطَاء بن عجلَان ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة بِمثلِهِ ، ثمَّ قَالَ : عباد وَعَطَاء ضعيفان ، ثمَّ قَالَ : كَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة ، وَتَابعه سُلَيْمَان بن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، وَأَصْحَاب ابْن جريج (الْحفاظ عَنهُ يَرْوُونَهُ عَن ابْن جريج عَن أَبِيه مُرْسلا . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ حَدِيث سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن ابْن جريج) ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليتم عَلَى مَا مَضَى (مِنْهَا) مَا لم يتَكَلَّم قَالَ : وحَدثني ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث أبي عَاصِم وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَعبد الرَّزَّاق كلهم ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء أحدكُم أَو قلس أَو وجد مذيًا وَهُوَ فِي الصَّلَاة ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم . ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ لنا أَبُو بكر : سَمِعت مُحَمَّد بن يَحْيَى يَقُول : هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج ، وَهُوَ مُرْسل ، وَأما حَدِيث ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَلَيْسَ بِشَيْء . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث (عبد الْوَهَّاب) ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وجد رعافًا أَو قيئًا أَو مذيًا أَو قلسًا ، فَليَتَوَضَّأ ، ثمَّ ليتم عَلَى مَا مَضَى مَا بَقِي ، و(هُوَ) مَعَ ذَلِك يتوقى (أَن يتَكَلَّم) وَصرح الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي علله بتصويب رِوَايَة الْإِرْسَال فَقَالَ : رَوَاهُ أَصْحَاب ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَلم يذكرُوا ابْن أبي مليكَة وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة خطأ ، إِنَّمَا (يرويهِ) ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، والْحَدِيث هُوَ هَذَا . وَلما ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي إِمَامه كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه السالفة أتبعه بِكَلَام أبي حَاتِم هَذَا ، ثمَّ قَالَ : يَنْبَغِي أَن يتتبع هَذَا بالكشف ، ثمَّ ذكر رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة الْمُرْسلَة ثمَّ المسندة الَّتِي فِيهَا : قَالَ ابْن جريج . . . إِلَى آخِره [ قَالَ : ] وَمِمَّنْ رَوَاهُ بِهَذَيْنِ الإسنادين جَمِيعًا عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش الرّبيع بن نَافِع وَدَاوُد ابن رشيد ، ثمَّ قَالَ : و(هَذِه) الرِّوَايَات الَّتِي جمع فِيهَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش بَين الإسنادين جَمِيعًا - أَعنِي : الْمُرْسل والمسند - فِي حَالَة وَاحِدَة مِمَّا يبعد الْخَطَأ عَلَى إِسْمَاعِيل ، فَإِنَّهُ لَو اقْتصر عَلَى (رفع مَا وَقفه) النَّاس لتطرق الْوَهم إِلَى خطئه تطرقًا قَرِيبا ، فَأَما وَقد وَافق النَّاس إِلَى روايتهم الْمُرْسل وَزَاد عَلَيْهِم (الْمسند) فَهَذَا يشْعر بتحفظٍ وَتثبت فِيمَا زَاده عَلَيْهِم . قَالَ : وَإِسْمَاعِيل (قد) وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَغَيره ، وَتَابعه عَلَى الْمسند سُلَيْمَان بن أَرقم . وَهَذَا الْبَحْث من الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُؤذن بِصِحَّة رِوَايَة الْمسند أَيْضا ، وَاحْتج إِلَى ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَإِنَّهُ قَالَ : إِن قيل : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج يَرْوُونَهُ ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَأما حَدِيثه ، عَن ابْن (أبي) مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَيْسَ بِشَيْء ، وَإِنَّمَا يرويهِ ابْن أبي مليكَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ أجَاب بِأَن يَحْيَى بن معِين وثق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة . والمرسل عِنْد أَحْمد حجَّة . انْتَهَى كَلَامه . وَخَالف ذَلِك فِي علله فَذكره وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ؛ فَإِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تغير فَصَارَ يخلط . قَالَ ابْن عدي : وَقد قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . وَهَذَا تخَالف مِنْهُ عَجِيب ، وَقد أسلفت لَك فِي الحَدِيث السَّابِع من بَاب الْغسْل (مقَالَة) الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأَن أَكثر الْحفاظ عَلَى ضعفه فِي غير الشاميين ، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَته عَن ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، فَهُوَ ضَعِيف من هَذَا الْوَجْه ، وَقد ضعفه جماعات . قَالَ ابْن حزم فِي محلاه لما ذكره من طَرِيق إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة : هَذَانِ أثران ساقطان ؛ لِأَن وَالِد ابْن جريج لَا صُحْبَة لَهُ ، فَهُوَ مُنْقَطع ، وَالْآخر من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَهُوَ سَاقِط لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ . انْتَهَى كَلَامه . وَعبارَته فِي إِسْمَاعِيل فِيهَا نظر ، فَإِنَّهُ لَيْسَ سَاقِطا كَمَا أَشرت إِلَيْهِ هُنَاكَ ، بل هُوَ من الْمُخْتَلف فيهم . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : اسْتدلَّ (أَصْحَابنَا) بِأَحَادِيث مُسْتَقِيمَة رويت بأسانيد واهية فَذكر مِنْهَا هَذَا الحَدِيث ، وَتكلم عَلَيْهِ نَحْو كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ السالف ، وَقَالَ : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لَا تقوم بِهِ حجَّة ، وَعباد وَابْن عجلَان ضعفاء . قَالَ يَحْيَى فِي عباد : لَيْسَ بِشَيْء ، وَكَانَ يوضع لَهُ الحَدِيث فَيحدث بِهِ . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ البُخَارِيّ فِي عَطاء : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الْجوزجَاني : كَذَّاب ، (قَالَ :) وَتَابعه سُلَيْمَان وَهُوَ شَرّ من إِسْمَاعِيل بِكَثِير . قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ يسوى فلسًا . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ الْجوزجَاني : سَاقِط . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَهَذَا حَال رُوَاة هَذَا الحَدِيث قَالَ : وَالصَّوَاب إرْسَاله . وَذكر فِي سنَنه عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ : مَا رَوَى ابْن عَيَّاش ، عَن الشاميين صَحِيح ، [ وَمَا رَوَى ] عَن أهل الْحجاز فَلَيْسَ بِصَحِيح ، وَإِنَّمَا رَوَى ابْن جريج هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه لَيْسَ فِيهِ ذكر عَائِشَة ثمَّ أسْندهُ كَذَلِك مُرْسلا قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ . قلت : وَضَعفه أَيْضا من الْمُتَأَخِّرين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط (فَقَالَ) : هَذَا حَدِيث لَا يَصح رَفعه وَهُوَ مُرْسل ضَعِيف رَوَاهُ جمَاعَة عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل جمَاعَة عَن ابْن جريج (عَن أَبِيه مُرْسلا) وَالْمَحْفُوظ فِيهِ الْمُرْسل ، كَذَلِك رَوَاهُ جمَاعَة غَيره من الثِّقَات ، ووصْلُِه أحد مَا أُنكر عَلَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأهل الحَدِيث يضعفونه فِيمَا يرويهِ عَن غير أهل الشَّام لسوء حفظه عَنْهُم ، وَابْن جريج لَيْسَ شاميٍّا فَاعْلَم ذَلِك ؛ فَإِن فِي نِهَايَة الْمطلب عَلَى هَذَا الحَدِيث كلَاما غير قويم . قلت : أَرَادَ بِهِ قَوْله (فِيهِ) تَوْجِيه الْقَدِيم الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي الصِّحَاح وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة إِلَى آخِره قَالَ : وَإِنَّمَا لم يقل بِهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لإرسال ابْن أبي مليكَة ؛ فَإِنَّهُ لم يلق عَائِشَة وَلَا حجَّة فِي الْمُرْسل عِنْده ، وَقد رَوَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فِي طَرِيقه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، لَكِن إِسْمَاعِيل هَذَا سيئ الْحِفْظ ، كثير الْغَلَط فِيمَا يرويهِ عَن غير الشاميين ، وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين . هَذَا آخر كَلَامه وَتَبعهُ الْغَزالِيّ فِي بسيطه فَقَالَ : (رَوَى) ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة عَنهُ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : من قاء . . . إِلَى آخِره بِلَفْظ الرَّافِعِيّ السالف ، ثمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا لم يعْمل بِهِ الشَّافِعِي ؛ لكَونه مُرْسلا ، وَإِلَّا فيسهل عَلَيْهِ كتب صِحَاح . انْتَهَى . وَفِيه أغاليط فَاحِشَة : إِحْدَاهَا : دَعْوَاهُ (أَنه) فِي الصِّحَاح وَلم يُخرجهُ أحد فِيهَا ، وَهُوَ (من) أَفْرَاد سنَن ابْن مَاجَه ، وفيهَا أَحَادِيث كَثِيرَة ضَعِيفَة بل مَوْضُوعَات . ثَانِيهَا : قَوْله (إِنَّه) جعل (إرْسَاله أَن) ابْن أبي مليكَة لم يلق عَائِشَة ، وَإِنَّمَا إرْسَاله أَن ابْن جريج يرويهِ عَن أَبِيه مُرْسلا كَمَا سلف عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، أَو يرويهِ عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة مُرْسلا كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم ، وَلَئِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره فَهُوَ مُنْقَطع لَا مُرْسل بِحَسب اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ . ثَالِثهَا : إِدْخَاله عُرْوَة (بَين) عَائِشَة وَابْن أبي مليكَة ، فَإِنَّهُ غَرِيب لم أر أحدا ذكره سواهُ ، وَقد (أخرجته) من طرق لَيْسَ هَذَا فِيهَا . رَابِعهَا : دَعْوَاهُ أَن إِسْمَاعِيل رَوَاهُ عَن ابْن أبي مليكَة ، ثمَّ ضعف إِسْمَاعِيل فِي غير الشاميين ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَن ابْن جريج عَنهُ فَقَوله : وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين صَوَابه إِذن ، وَابْن جريج لَيْسَ من الشاميين ، فَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ وهم الإِمَام فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث وَخُرُوجه عَن الصَّوَاب فِي التَّعْبِير عَن (المُرَاد) ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيث غير ثَابت كَمَا قَررنَا ، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقد نقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي بَاب الْأَحْدَاث مِنْهُ اتِّفَاق الْحفاظ عَلَى ضعفه ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، [ عَن ] ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ أهل الْحجاز ضَعِيفَة عِنْد أهل الحَدِيث ، وَلِأَنَّهُ مُرْسل . قَالَ الْحفاظ : الْمَحْفُوظ أَنه عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِمَّن قَالَ ذَلِك : الشَّافِعِي ، وَأحمد بن حَنْبَل ، وَمُحَمّد بن يَحْيَى ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم عَن أَبِيه وَأبي زرْعَة ، وَأَبُو [ أَحْمد ] بن عدي ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم . الطَّرِيق الثَّانِي : من طرق الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته ، فلينصرف فليغسل الدَّم ، ثمَّ ليعد وضوءه وَيسْتَقْبل صلَاته . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته من حَدِيث سُلَيْمَان (بن أَرقم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَيْضا ؛ فَإِن سُلَيْمَان) هَذَا مَتْرُوك الحَدِيث كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة لَهما : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا رعف فِي صلَاته تَوَضَّأ ثمَّ بنى عَلَى مَا بَقِي من صلَاته . وَفِي إسنادها عمر بن ريَاح - برَاء مُهْملَة مَكْسُورَة ثمَّ مثناة تَحت - وَهُوَ مَتْرُوك كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ الفلاس : دجال . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من رعف فِي صلَاته ، فَليرْجع فَليَتَوَضَّأ وليبن عَلَى صلَاته . روياه أَيْضا وَقَالا : فِي إِسْنَاده أَبُو بكر الداهري - يَعْنِي : بِالدَّال الْمُهْملَة - ( عبد الله) بن حَكِيم وَهُوَ مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : لَا يَصح . قَالَ السَّعْدِيّ : الداهري هَذَا كَذَّاب مُصَرح . وَقَالَ ابْن حبَان : يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات . وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد جيد (عَلَى شَرط الصَّحِيح) عَن عَلّي قَالَ : إِذا رعف الرجل فِي صلَاته أَو قاء ، فَليَتَوَضَّأ وَلَا يتَكَلَّم ، وليبن عَلَى صلَاته وَهَذَا مَوْقُوف جيد . فَائِدَة : القلس فِي الحَدِيث - بِالْقَافِ وَاللَّام وبالسين الْمُهْملَة - الْقَيْء . وَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ مَا خرج من الْحلق ملْء الْفَم أَو دونه وَلَيْسَ هُوَ بقيء ، فَإِن عَاد فَهُوَ الْقَيْء ، فعلَى هَذَا يكون قَوْله فِي الحَدِيث : أَو قلس للتقسيم ، وَعَلَى الأول تكون أَو للشَّكّ من الرَّاوِي . وَقَوله : أَو رعف هُوَ مثلث الْعين حكاهن ابْن مَالك فِي (مثلثه) ، قَالَ ابْن الصّلاح : الصَّحِيح فِيهِ فتح الْعين ، قَالَ : وَرُوِيَ ضمهَا عَلَى ضعف فِيهِ ، قَالَ : وَرُوِيَ أَن هَذِه الْكَلِمَة كَانَت السَّبَب فِي لُزُوم سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل بن أَحْمد ، وتعويله عَلَيْهِ فِي طلب الْعَرَبيَّة بعد أَن كَانَ يطْلب الحَدِيث وَالتَّفْسِير ، وَذَلِكَ أَنه سَأَلَ يَوْمًا حَمَّاد بن سَلمَة فَقَالَ لَهُ : أحَدثك هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه فِي رجل رعف فِي الصَّلَاة وَضم الْعين - فَقَالَ لَهُ : أَخْطَأت إِنَّمَا هُوَ رعف - بِفَتْح الْعين - فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل وَلَزِمَه .
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الثَّالِث من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته · ص 100 الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته ، فلينصرف وليتوضأ وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم ) . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا : من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : من أَصَابَهُ قيء أَو رُعَاف أَو قلس أَو مذي فلينصرف وليتوضأ ، ثمَّ ليبن عَلَى صلَاته وَهُوَ فِي ذَلِك لَا يتَكَلَّم . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا قَالَ : حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن عبد الله بن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا قاء أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ (ثمَّ) ليبن عَلَى مَا مَضَى من صلَاته مَا لم يتَكَلَّم قَالَ ابْن جريج : فَإِن تكلم اسْتَأْنف . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن (أَبِيه) قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء . . . بِهِ ، إِلَّا أَنه قَالَ : وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم بدل ثمَّ ليبن . . . إِلَى آخِره (قَالَ) : قَالَ ابْن جريج : وحَدثني ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن عباد بن كثير وَعَطَاء بن عجلَان ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة بِمثلِهِ ، ثمَّ قَالَ : عباد وَعَطَاء ضعيفان ، ثمَّ قَالَ : كَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة ، وَتَابعه سُلَيْمَان بن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، وَأَصْحَاب ابْن جريج (الْحفاظ عَنهُ يَرْوُونَهُ عَن ابْن جريج عَن أَبِيه مُرْسلا . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ حَدِيث سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن ابْن جريج) ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليتم عَلَى مَا مَضَى (مِنْهَا) مَا لم يتَكَلَّم قَالَ : وحَدثني ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث أبي عَاصِم وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَعبد الرَّزَّاق كلهم ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء أحدكُم أَو قلس أَو وجد مذيًا وَهُوَ فِي الصَّلَاة ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم . ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ لنا أَبُو بكر : سَمِعت مُحَمَّد بن يَحْيَى يَقُول : هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج ، وَهُوَ مُرْسل ، وَأما حَدِيث ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَلَيْسَ بِشَيْء . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث (عبد الْوَهَّاب) ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وجد رعافًا أَو قيئًا أَو مذيًا أَو قلسًا ، فَليَتَوَضَّأ ، ثمَّ ليتم عَلَى مَا مَضَى مَا بَقِي ، و(هُوَ) مَعَ ذَلِك يتوقى (أَن يتَكَلَّم) وَصرح الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي علله بتصويب رِوَايَة الْإِرْسَال فَقَالَ : رَوَاهُ أَصْحَاب ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَلم يذكرُوا ابْن أبي مليكَة وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة خطأ ، إِنَّمَا (يرويهِ) ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، والْحَدِيث هُوَ هَذَا . وَلما ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي إِمَامه كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه السالفة أتبعه بِكَلَام أبي حَاتِم هَذَا ، ثمَّ قَالَ : يَنْبَغِي أَن يتتبع هَذَا بالكشف ، ثمَّ ذكر رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة الْمُرْسلَة ثمَّ المسندة الَّتِي فِيهَا : قَالَ ابْن جريج . . . إِلَى آخِره [ قَالَ : ] وَمِمَّنْ رَوَاهُ بِهَذَيْنِ الإسنادين جَمِيعًا عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش الرّبيع بن نَافِع وَدَاوُد ابن رشيد ، ثمَّ قَالَ : و(هَذِه) الرِّوَايَات الَّتِي جمع فِيهَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش بَين الإسنادين جَمِيعًا - أَعنِي : الْمُرْسل والمسند - فِي حَالَة وَاحِدَة مِمَّا يبعد الْخَطَأ عَلَى إِسْمَاعِيل ، فَإِنَّهُ لَو اقْتصر عَلَى (رفع مَا وَقفه) النَّاس لتطرق الْوَهم إِلَى خطئه تطرقًا قَرِيبا ، فَأَما وَقد وَافق النَّاس إِلَى روايتهم الْمُرْسل وَزَاد عَلَيْهِم (الْمسند) فَهَذَا يشْعر بتحفظٍ وَتثبت فِيمَا زَاده عَلَيْهِم . قَالَ : وَإِسْمَاعِيل (قد) وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَغَيره ، وَتَابعه عَلَى الْمسند سُلَيْمَان بن أَرقم . وَهَذَا الْبَحْث من الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُؤذن بِصِحَّة رِوَايَة الْمسند أَيْضا ، وَاحْتج إِلَى ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَإِنَّهُ قَالَ : إِن قيل : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج يَرْوُونَهُ ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَأما حَدِيثه ، عَن ابْن (أبي) مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَيْسَ بِشَيْء ، وَإِنَّمَا يرويهِ ابْن أبي مليكَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ أجَاب بِأَن يَحْيَى بن معِين وثق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة . والمرسل عِنْد أَحْمد حجَّة . انْتَهَى كَلَامه . وَخَالف ذَلِك فِي علله فَذكره وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ؛ فَإِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تغير فَصَارَ يخلط . قَالَ ابْن عدي : وَقد قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . وَهَذَا تخَالف مِنْهُ عَجِيب ، وَقد أسلفت لَك فِي الحَدِيث السَّابِع من بَاب الْغسْل (مقَالَة) الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأَن أَكثر الْحفاظ عَلَى ضعفه فِي غير الشاميين ، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَته عَن ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، فَهُوَ ضَعِيف من هَذَا الْوَجْه ، وَقد ضعفه جماعات . قَالَ ابْن حزم فِي محلاه لما ذكره من طَرِيق إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة : هَذَانِ أثران ساقطان ؛ لِأَن وَالِد ابْن جريج لَا صُحْبَة لَهُ ، فَهُوَ مُنْقَطع ، وَالْآخر من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَهُوَ سَاقِط لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ . انْتَهَى كَلَامه . وَعبارَته فِي إِسْمَاعِيل فِيهَا نظر ، فَإِنَّهُ لَيْسَ سَاقِطا كَمَا أَشرت إِلَيْهِ هُنَاكَ ، بل هُوَ من الْمُخْتَلف فيهم . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : اسْتدلَّ (أَصْحَابنَا) بِأَحَادِيث مُسْتَقِيمَة رويت بأسانيد واهية فَذكر مِنْهَا هَذَا الحَدِيث ، وَتكلم عَلَيْهِ نَحْو كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ السالف ، وَقَالَ : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لَا تقوم بِهِ حجَّة ، وَعباد وَابْن عجلَان ضعفاء . قَالَ يَحْيَى فِي عباد : لَيْسَ بِشَيْء ، وَكَانَ يوضع لَهُ الحَدِيث فَيحدث بِهِ . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ البُخَارِيّ فِي عَطاء : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الْجوزجَاني : كَذَّاب ، (قَالَ :) وَتَابعه سُلَيْمَان وَهُوَ شَرّ من إِسْمَاعِيل بِكَثِير . قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ يسوى فلسًا . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ الْجوزجَاني : سَاقِط . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَهَذَا حَال رُوَاة هَذَا الحَدِيث قَالَ : وَالصَّوَاب إرْسَاله . وَذكر فِي سنَنه عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ : مَا رَوَى ابْن عَيَّاش ، عَن الشاميين صَحِيح ، [ وَمَا رَوَى ] عَن أهل الْحجاز فَلَيْسَ بِصَحِيح ، وَإِنَّمَا رَوَى ابْن جريج هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه لَيْسَ فِيهِ ذكر عَائِشَة ثمَّ أسْندهُ كَذَلِك مُرْسلا قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ . قلت : وَضَعفه أَيْضا من الْمُتَأَخِّرين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط (فَقَالَ) : هَذَا حَدِيث لَا يَصح رَفعه وَهُوَ مُرْسل ضَعِيف رَوَاهُ جمَاعَة عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل جمَاعَة عَن ابْن جريج (عَن أَبِيه مُرْسلا) وَالْمَحْفُوظ فِيهِ الْمُرْسل ، كَذَلِك رَوَاهُ جمَاعَة غَيره من الثِّقَات ، ووصْلُِه أحد مَا أُنكر عَلَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأهل الحَدِيث يضعفونه فِيمَا يرويهِ عَن غير أهل الشَّام لسوء حفظه عَنْهُم ، وَابْن جريج لَيْسَ شاميٍّا فَاعْلَم ذَلِك ؛ فَإِن فِي نِهَايَة الْمطلب عَلَى هَذَا الحَدِيث كلَاما غير قويم . قلت : أَرَادَ بِهِ قَوْله (فِيهِ) تَوْجِيه الْقَدِيم الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي الصِّحَاح وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة إِلَى آخِره قَالَ : وَإِنَّمَا لم يقل بِهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لإرسال ابْن أبي مليكَة ؛ فَإِنَّهُ لم يلق عَائِشَة وَلَا حجَّة فِي الْمُرْسل عِنْده ، وَقد رَوَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فِي طَرِيقه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، لَكِن إِسْمَاعِيل هَذَا سيئ الْحِفْظ ، كثير الْغَلَط فِيمَا يرويهِ عَن غير الشاميين ، وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين . هَذَا آخر كَلَامه وَتَبعهُ الْغَزالِيّ فِي بسيطه فَقَالَ : (رَوَى) ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة عَنهُ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : من قاء . . . إِلَى آخِره بِلَفْظ الرَّافِعِيّ السالف ، ثمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا لم يعْمل بِهِ الشَّافِعِي ؛ لكَونه مُرْسلا ، وَإِلَّا فيسهل عَلَيْهِ كتب صِحَاح . انْتَهَى . وَفِيه أغاليط فَاحِشَة : إِحْدَاهَا : دَعْوَاهُ (أَنه) فِي الصِّحَاح وَلم يُخرجهُ أحد فِيهَا ، وَهُوَ (من) أَفْرَاد سنَن ابْن مَاجَه ، وفيهَا أَحَادِيث كَثِيرَة ضَعِيفَة بل مَوْضُوعَات . ثَانِيهَا : قَوْله (إِنَّه) جعل (إرْسَاله أَن) ابْن أبي مليكَة لم يلق عَائِشَة ، وَإِنَّمَا إرْسَاله أَن ابْن جريج يرويهِ عَن أَبِيه مُرْسلا كَمَا سلف عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، أَو يرويهِ عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة مُرْسلا كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم ، وَلَئِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره فَهُوَ مُنْقَطع لَا مُرْسل بِحَسب اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ . ثَالِثهَا : إِدْخَاله عُرْوَة (بَين) عَائِشَة وَابْن أبي مليكَة ، فَإِنَّهُ غَرِيب لم أر أحدا ذكره سواهُ ، وَقد (أخرجته) من طرق لَيْسَ هَذَا فِيهَا . رَابِعهَا : دَعْوَاهُ أَن إِسْمَاعِيل رَوَاهُ عَن ابْن أبي مليكَة ، ثمَّ ضعف إِسْمَاعِيل فِي غير الشاميين ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَن ابْن جريج عَنهُ فَقَوله : وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين صَوَابه إِذن ، وَابْن جريج لَيْسَ من الشاميين ، فَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ وهم الإِمَام فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث وَخُرُوجه عَن الصَّوَاب فِي التَّعْبِير عَن (المُرَاد) ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيث غير ثَابت كَمَا قَررنَا ، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقد نقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي بَاب الْأَحْدَاث مِنْهُ اتِّفَاق الْحفاظ عَلَى ضعفه ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، [ عَن ] ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ أهل الْحجاز ضَعِيفَة عِنْد أهل الحَدِيث ، وَلِأَنَّهُ مُرْسل . قَالَ الْحفاظ : الْمَحْفُوظ أَنه عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِمَّن قَالَ ذَلِك : الشَّافِعِي ، وَأحمد بن حَنْبَل ، وَمُحَمّد بن يَحْيَى ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم عَن أَبِيه وَأبي زرْعَة ، وَأَبُو [ أَحْمد ] بن عدي ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم . الطَّرِيق الثَّانِي : من طرق الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته ، فلينصرف فليغسل الدَّم ، ثمَّ ليعد وضوءه وَيسْتَقْبل صلَاته . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته من حَدِيث سُلَيْمَان (بن أَرقم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَيْضا ؛ فَإِن سُلَيْمَان) هَذَا مَتْرُوك الحَدِيث كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة لَهما : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا رعف فِي صلَاته تَوَضَّأ ثمَّ بنى عَلَى مَا بَقِي من صلَاته . وَفِي إسنادها عمر بن ريَاح - برَاء مُهْملَة مَكْسُورَة ثمَّ مثناة تَحت - وَهُوَ مَتْرُوك كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ الفلاس : دجال . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من رعف فِي صلَاته ، فَليرْجع فَليَتَوَضَّأ وليبن عَلَى صلَاته . روياه أَيْضا وَقَالا : فِي إِسْنَاده أَبُو بكر الداهري - يَعْنِي : بِالدَّال الْمُهْملَة - ( عبد الله) بن حَكِيم وَهُوَ مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : لَا يَصح . قَالَ السَّعْدِيّ : الداهري هَذَا كَذَّاب مُصَرح . وَقَالَ ابْن حبَان : يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات . وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد جيد (عَلَى شَرط الصَّحِيح) عَن عَلّي قَالَ : إِذا رعف الرجل فِي صلَاته أَو قاء ، فَليَتَوَضَّأ وَلَا يتَكَلَّم ، وليبن عَلَى صلَاته وَهَذَا مَوْقُوف جيد . فَائِدَة : القلس فِي الحَدِيث - بِالْقَافِ وَاللَّام وبالسين الْمُهْملَة - الْقَيْء . وَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ مَا خرج من الْحلق ملْء الْفَم أَو دونه وَلَيْسَ هُوَ بقيء ، فَإِن عَاد فَهُوَ الْقَيْء ، فعلَى هَذَا يكون قَوْله فِي الحَدِيث : أَو قلس للتقسيم ، وَعَلَى الأول تكون أَو للشَّكّ من الرَّاوِي . وَقَوله : أَو رعف هُوَ مثلث الْعين حكاهن ابْن مَالك فِي (مثلثه) ، قَالَ ابْن الصّلاح : الصَّحِيح فِيهِ فتح الْعين ، قَالَ : وَرُوِيَ ضمهَا عَلَى ضعف فِيهِ ، قَالَ : وَرُوِيَ أَن هَذِه الْكَلِمَة كَانَت السَّبَب فِي لُزُوم سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل بن أَحْمد ، وتعويله عَلَيْهِ فِي طلب الْعَرَبيَّة بعد أَن كَانَ يطْلب الحَدِيث وَالتَّفْسِير ، وَذَلِكَ أَنه سَأَلَ يَوْمًا حَمَّاد بن سَلمَة فَقَالَ لَهُ : أحَدثك هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه فِي رجل رعف فِي الصَّلَاة وَضم الْعين - فَقَالَ لَهُ : أَخْطَأت إِنَّمَا هُوَ رعف - بِفَتْح الْعين - فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل وَلَزِمَه .
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الثَّالِث من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته · ص 100 الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته ، فلينصرف وليتوضأ وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم ) . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا : من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : من أَصَابَهُ قيء أَو رُعَاف أَو قلس أَو مذي فلينصرف وليتوضأ ، ثمَّ ليبن عَلَى صلَاته وَهُوَ فِي ذَلِك لَا يتَكَلَّم . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا قَالَ : حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن عبد الله بن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا قاء أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ (ثمَّ) ليبن عَلَى مَا مَضَى من صلَاته مَا لم يتَكَلَّم قَالَ ابْن جريج : فَإِن تكلم اسْتَأْنف . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن (أَبِيه) قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء . . . بِهِ ، إِلَّا أَنه قَالَ : وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم بدل ثمَّ ليبن . . . إِلَى آخِره (قَالَ) : قَالَ ابْن جريج : وحَدثني ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن عباد بن كثير وَعَطَاء بن عجلَان ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة بِمثلِهِ ، ثمَّ قَالَ : عباد وَعَطَاء ضعيفان ، ثمَّ قَالَ : كَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة ، وَتَابعه سُلَيْمَان بن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، وَأَصْحَاب ابْن جريج (الْحفاظ عَنهُ يَرْوُونَهُ عَن ابْن جريج عَن أَبِيه مُرْسلا . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ حَدِيث سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن ابْن جريج) ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليتم عَلَى مَا مَضَى (مِنْهَا) مَا لم يتَكَلَّم قَالَ : وحَدثني ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث أبي عَاصِم وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَعبد الرَّزَّاق كلهم ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء أحدكُم أَو قلس أَو وجد مذيًا وَهُوَ فِي الصَّلَاة ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم . ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ لنا أَبُو بكر : سَمِعت مُحَمَّد بن يَحْيَى يَقُول : هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج ، وَهُوَ مُرْسل ، وَأما حَدِيث ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَلَيْسَ بِشَيْء . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث (عبد الْوَهَّاب) ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وجد رعافًا أَو قيئًا أَو مذيًا أَو قلسًا ، فَليَتَوَضَّأ ، ثمَّ ليتم عَلَى مَا مَضَى مَا بَقِي ، و(هُوَ) مَعَ ذَلِك يتوقى (أَن يتَكَلَّم) وَصرح الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي علله بتصويب رِوَايَة الْإِرْسَال فَقَالَ : رَوَاهُ أَصْحَاب ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَلم يذكرُوا ابْن أبي مليكَة وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة خطأ ، إِنَّمَا (يرويهِ) ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، والْحَدِيث هُوَ هَذَا . وَلما ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي إِمَامه كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه السالفة أتبعه بِكَلَام أبي حَاتِم هَذَا ، ثمَّ قَالَ : يَنْبَغِي أَن يتتبع هَذَا بالكشف ، ثمَّ ذكر رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة الْمُرْسلَة ثمَّ المسندة الَّتِي فِيهَا : قَالَ ابْن جريج . . . إِلَى آخِره [ قَالَ : ] وَمِمَّنْ رَوَاهُ بِهَذَيْنِ الإسنادين جَمِيعًا عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش الرّبيع بن نَافِع وَدَاوُد ابن رشيد ، ثمَّ قَالَ : و(هَذِه) الرِّوَايَات الَّتِي جمع فِيهَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش بَين الإسنادين جَمِيعًا - أَعنِي : الْمُرْسل والمسند - فِي حَالَة وَاحِدَة مِمَّا يبعد الْخَطَأ عَلَى إِسْمَاعِيل ، فَإِنَّهُ لَو اقْتصر عَلَى (رفع مَا وَقفه) النَّاس لتطرق الْوَهم إِلَى خطئه تطرقًا قَرِيبا ، فَأَما وَقد وَافق النَّاس إِلَى روايتهم الْمُرْسل وَزَاد عَلَيْهِم (الْمسند) فَهَذَا يشْعر بتحفظٍ وَتثبت فِيمَا زَاده عَلَيْهِم . قَالَ : وَإِسْمَاعِيل (قد) وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَغَيره ، وَتَابعه عَلَى الْمسند سُلَيْمَان بن أَرقم . وَهَذَا الْبَحْث من الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُؤذن بِصِحَّة رِوَايَة الْمسند أَيْضا ، وَاحْتج إِلَى ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَإِنَّهُ قَالَ : إِن قيل : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج يَرْوُونَهُ ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَأما حَدِيثه ، عَن ابْن (أبي) مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَيْسَ بِشَيْء ، وَإِنَّمَا يرويهِ ابْن أبي مليكَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ أجَاب بِأَن يَحْيَى بن معِين وثق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة . والمرسل عِنْد أَحْمد حجَّة . انْتَهَى كَلَامه . وَخَالف ذَلِك فِي علله فَذكره وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ؛ فَإِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تغير فَصَارَ يخلط . قَالَ ابْن عدي : وَقد قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . وَهَذَا تخَالف مِنْهُ عَجِيب ، وَقد أسلفت لَك فِي الحَدِيث السَّابِع من بَاب الْغسْل (مقَالَة) الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأَن أَكثر الْحفاظ عَلَى ضعفه فِي غير الشاميين ، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَته عَن ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، فَهُوَ ضَعِيف من هَذَا الْوَجْه ، وَقد ضعفه جماعات . قَالَ ابْن حزم فِي محلاه لما ذكره من طَرِيق إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة : هَذَانِ أثران ساقطان ؛ لِأَن وَالِد ابْن جريج لَا صُحْبَة لَهُ ، فَهُوَ مُنْقَطع ، وَالْآخر من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَهُوَ سَاقِط لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ . انْتَهَى كَلَامه . وَعبارَته فِي إِسْمَاعِيل فِيهَا نظر ، فَإِنَّهُ لَيْسَ سَاقِطا كَمَا أَشرت إِلَيْهِ هُنَاكَ ، بل هُوَ من الْمُخْتَلف فيهم . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : اسْتدلَّ (أَصْحَابنَا) بِأَحَادِيث مُسْتَقِيمَة رويت بأسانيد واهية فَذكر مِنْهَا هَذَا الحَدِيث ، وَتكلم عَلَيْهِ نَحْو كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ السالف ، وَقَالَ : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لَا تقوم بِهِ حجَّة ، وَعباد وَابْن عجلَان ضعفاء . قَالَ يَحْيَى فِي عباد : لَيْسَ بِشَيْء ، وَكَانَ يوضع لَهُ الحَدِيث فَيحدث بِهِ . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ البُخَارِيّ فِي عَطاء : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الْجوزجَاني : كَذَّاب ، (قَالَ :) وَتَابعه سُلَيْمَان وَهُوَ شَرّ من إِسْمَاعِيل بِكَثِير . قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ يسوى فلسًا . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ الْجوزجَاني : سَاقِط . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَهَذَا حَال رُوَاة هَذَا الحَدِيث قَالَ : وَالصَّوَاب إرْسَاله . وَذكر فِي سنَنه عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ : مَا رَوَى ابْن عَيَّاش ، عَن الشاميين صَحِيح ، [ وَمَا رَوَى ] عَن أهل الْحجاز فَلَيْسَ بِصَحِيح ، وَإِنَّمَا رَوَى ابْن جريج هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه لَيْسَ فِيهِ ذكر عَائِشَة ثمَّ أسْندهُ كَذَلِك مُرْسلا قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ . قلت : وَضَعفه أَيْضا من الْمُتَأَخِّرين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط (فَقَالَ) : هَذَا حَدِيث لَا يَصح رَفعه وَهُوَ مُرْسل ضَعِيف رَوَاهُ جمَاعَة عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل جمَاعَة عَن ابْن جريج (عَن أَبِيه مُرْسلا) وَالْمَحْفُوظ فِيهِ الْمُرْسل ، كَذَلِك رَوَاهُ جمَاعَة غَيره من الثِّقَات ، ووصْلُِه أحد مَا أُنكر عَلَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأهل الحَدِيث يضعفونه فِيمَا يرويهِ عَن غير أهل الشَّام لسوء حفظه عَنْهُم ، وَابْن جريج لَيْسَ شاميٍّا فَاعْلَم ذَلِك ؛ فَإِن فِي نِهَايَة الْمطلب عَلَى هَذَا الحَدِيث كلَاما غير قويم . قلت : أَرَادَ بِهِ قَوْله (فِيهِ) تَوْجِيه الْقَدِيم الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي الصِّحَاح وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة إِلَى آخِره قَالَ : وَإِنَّمَا لم يقل بِهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لإرسال ابْن أبي مليكَة ؛ فَإِنَّهُ لم يلق عَائِشَة وَلَا حجَّة فِي الْمُرْسل عِنْده ، وَقد رَوَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فِي طَرِيقه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، لَكِن إِسْمَاعِيل هَذَا سيئ الْحِفْظ ، كثير الْغَلَط فِيمَا يرويهِ عَن غير الشاميين ، وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين . هَذَا آخر كَلَامه وَتَبعهُ الْغَزالِيّ فِي بسيطه فَقَالَ : (رَوَى) ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة عَنهُ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : من قاء . . . إِلَى آخِره بِلَفْظ الرَّافِعِيّ السالف ، ثمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا لم يعْمل بِهِ الشَّافِعِي ؛ لكَونه مُرْسلا ، وَإِلَّا فيسهل عَلَيْهِ كتب صِحَاح . انْتَهَى . وَفِيه أغاليط فَاحِشَة : إِحْدَاهَا : دَعْوَاهُ (أَنه) فِي الصِّحَاح وَلم يُخرجهُ أحد فِيهَا ، وَهُوَ (من) أَفْرَاد سنَن ابْن مَاجَه ، وفيهَا أَحَادِيث كَثِيرَة ضَعِيفَة بل مَوْضُوعَات . ثَانِيهَا : قَوْله (إِنَّه) جعل (إرْسَاله أَن) ابْن أبي مليكَة لم يلق عَائِشَة ، وَإِنَّمَا إرْسَاله أَن ابْن جريج يرويهِ عَن أَبِيه مُرْسلا كَمَا سلف عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، أَو يرويهِ عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة مُرْسلا كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم ، وَلَئِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره فَهُوَ مُنْقَطع لَا مُرْسل بِحَسب اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ . ثَالِثهَا : إِدْخَاله عُرْوَة (بَين) عَائِشَة وَابْن أبي مليكَة ، فَإِنَّهُ غَرِيب لم أر أحدا ذكره سواهُ ، وَقد (أخرجته) من طرق لَيْسَ هَذَا فِيهَا . رَابِعهَا : دَعْوَاهُ أَن إِسْمَاعِيل رَوَاهُ عَن ابْن أبي مليكَة ، ثمَّ ضعف إِسْمَاعِيل فِي غير الشاميين ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَن ابْن جريج عَنهُ فَقَوله : وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين صَوَابه إِذن ، وَابْن جريج لَيْسَ من الشاميين ، فَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ وهم الإِمَام فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث وَخُرُوجه عَن الصَّوَاب فِي التَّعْبِير عَن (المُرَاد) ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيث غير ثَابت كَمَا قَررنَا ، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقد نقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي بَاب الْأَحْدَاث مِنْهُ اتِّفَاق الْحفاظ عَلَى ضعفه ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، [ عَن ] ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ أهل الْحجاز ضَعِيفَة عِنْد أهل الحَدِيث ، وَلِأَنَّهُ مُرْسل . قَالَ الْحفاظ : الْمَحْفُوظ أَنه عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِمَّن قَالَ ذَلِك : الشَّافِعِي ، وَأحمد بن حَنْبَل ، وَمُحَمّد بن يَحْيَى ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم عَن أَبِيه وَأبي زرْعَة ، وَأَبُو [ أَحْمد ] بن عدي ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم . الطَّرِيق الثَّانِي : من طرق الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته ، فلينصرف فليغسل الدَّم ، ثمَّ ليعد وضوءه وَيسْتَقْبل صلَاته . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته من حَدِيث سُلَيْمَان (بن أَرقم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَيْضا ؛ فَإِن سُلَيْمَان) هَذَا مَتْرُوك الحَدِيث كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة لَهما : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا رعف فِي صلَاته تَوَضَّأ ثمَّ بنى عَلَى مَا بَقِي من صلَاته . وَفِي إسنادها عمر بن ريَاح - برَاء مُهْملَة مَكْسُورَة ثمَّ مثناة تَحت - وَهُوَ مَتْرُوك كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ الفلاس : دجال . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من رعف فِي صلَاته ، فَليرْجع فَليَتَوَضَّأ وليبن عَلَى صلَاته . روياه أَيْضا وَقَالا : فِي إِسْنَاده أَبُو بكر الداهري - يَعْنِي : بِالدَّال الْمُهْملَة - ( عبد الله) بن حَكِيم وَهُوَ مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : لَا يَصح . قَالَ السَّعْدِيّ : الداهري هَذَا كَذَّاب مُصَرح . وَقَالَ ابْن حبَان : يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات . وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد جيد (عَلَى شَرط الصَّحِيح) عَن عَلّي قَالَ : إِذا رعف الرجل فِي صلَاته أَو قاء ، فَليَتَوَضَّأ وَلَا يتَكَلَّم ، وليبن عَلَى صلَاته وَهَذَا مَوْقُوف جيد . فَائِدَة : القلس فِي الحَدِيث - بِالْقَافِ وَاللَّام وبالسين الْمُهْملَة - الْقَيْء . وَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ مَا خرج من الْحلق ملْء الْفَم أَو دونه وَلَيْسَ هُوَ بقيء ، فَإِن عَاد فَهُوَ الْقَيْء ، فعلَى هَذَا يكون قَوْله فِي الحَدِيث : أَو قلس للتقسيم ، وَعَلَى الأول تكون أَو للشَّكّ من الرَّاوِي . وَقَوله : أَو رعف هُوَ مثلث الْعين حكاهن ابْن مَالك فِي (مثلثه) ، قَالَ ابْن الصّلاح : الصَّحِيح فِيهِ فتح الْعين ، قَالَ : وَرُوِيَ ضمهَا عَلَى ضعف فِيهِ ، قَالَ : وَرُوِيَ أَن هَذِه الْكَلِمَة كَانَت السَّبَب فِي لُزُوم سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل بن أَحْمد ، وتعويله عَلَيْهِ فِي طلب الْعَرَبيَّة بعد أَن كَانَ يطْلب الحَدِيث وَالتَّفْسِير ، وَذَلِكَ أَنه سَأَلَ يَوْمًا حَمَّاد بن سَلمَة فَقَالَ لَهُ : أحَدثك هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه فِي رجل رعف فِي الصَّلَاة وَضم الْعين - فَقَالَ لَهُ : أَخْطَأت إِنَّمَا هُوَ رعف - بِفَتْح الْعين - فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل وَلَزِمَه .
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الثَّالِث من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته · ص 100 الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته ، فلينصرف وليتوضأ وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم ) . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا : من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : من أَصَابَهُ قيء أَو رُعَاف أَو قلس أَو مذي فلينصرف وليتوضأ ، ثمَّ ليبن عَلَى صلَاته وَهُوَ فِي ذَلِك لَا يتَكَلَّم . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا قَالَ : حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن عبد الله بن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا قاء أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ (ثمَّ) ليبن عَلَى مَا مَضَى من صلَاته مَا لم يتَكَلَّم قَالَ ابْن جريج : فَإِن تكلم اسْتَأْنف . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن (أَبِيه) قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء . . . بِهِ ، إِلَّا أَنه قَالَ : وليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم بدل ثمَّ ليبن . . . إِلَى آخِره (قَالَ) : قَالَ ابْن جريج : وحَدثني ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن عباد بن كثير وَعَطَاء بن عجلَان ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة بِمثلِهِ ، ثمَّ قَالَ : عباد وَعَطَاء ضعيفان ، ثمَّ قَالَ : كَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة ، وَتَابعه سُلَيْمَان بن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، وَأَصْحَاب ابْن جريج (الْحفاظ عَنهُ يَرْوُونَهُ عَن ابْن جريج عَن أَبِيه مُرْسلا . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ حَدِيث سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن ابْن جريج) ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليتم عَلَى مَا مَضَى (مِنْهَا) مَا لم يتَكَلَّم قَالَ : وحَدثني ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا مثله ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث أبي عَاصِم وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَعبد الرَّزَّاق كلهم ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا قاء أحدكُم أَو قلس أَو وجد مذيًا وَهُوَ فِي الصَّلَاة ، فلينصرف فَليَتَوَضَّأ وليرجع فليبن عَلَى صلَاته مَا لم يتَكَلَّم . ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ لنا أَبُو بكر : سَمِعت مُحَمَّد بن يَحْيَى يَقُول : هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج ، وَهُوَ مُرْسل ، وَأما حَدِيث ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَلَيْسَ بِشَيْء . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث (عبد الْوَهَّاب) ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وجد رعافًا أَو قيئًا أَو مذيًا أَو قلسًا ، فَليَتَوَضَّأ ، ثمَّ ليتم عَلَى مَا مَضَى مَا بَقِي ، و(هُوَ) مَعَ ذَلِك يتوقى (أَن يتَكَلَّم) وَصرح الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي علله بتصويب رِوَايَة الْإِرْسَال فَقَالَ : رَوَاهُ أَصْحَاب ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَلم يذكرُوا ابْن أبي مليكَة وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة خطأ ، إِنَّمَا (يرويهِ) ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، والْحَدِيث هُوَ هَذَا . وَلما ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي إِمَامه كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه السالفة أتبعه بِكَلَام أبي حَاتِم هَذَا ، ثمَّ قَالَ : يَنْبَغِي أَن يتتبع هَذَا بالكشف ، ثمَّ ذكر رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة الْمُرْسلَة ثمَّ المسندة الَّتِي فِيهَا : قَالَ ابْن جريج . . . إِلَى آخِره [ قَالَ : ] وَمِمَّنْ رَوَاهُ بِهَذَيْنِ الإسنادين جَمِيعًا عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش الرّبيع بن نَافِع وَدَاوُد ابن رشيد ، ثمَّ قَالَ : و(هَذِه) الرِّوَايَات الَّتِي جمع فِيهَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش بَين الإسنادين جَمِيعًا - أَعنِي : الْمُرْسل والمسند - فِي حَالَة وَاحِدَة مِمَّا يبعد الْخَطَأ عَلَى إِسْمَاعِيل ، فَإِنَّهُ لَو اقْتصر عَلَى (رفع مَا وَقفه) النَّاس لتطرق الْوَهم إِلَى خطئه تطرقًا قَرِيبا ، فَأَما وَقد وَافق النَّاس إِلَى روايتهم الْمُرْسل وَزَاد عَلَيْهِم (الْمسند) فَهَذَا يشْعر بتحفظٍ وَتثبت فِيمَا زَاده عَلَيْهِم . قَالَ : وَإِسْمَاعِيل (قد) وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَغَيره ، وَتَابعه عَلَى الْمسند سُلَيْمَان بن أَرقم . وَهَذَا الْبَحْث من الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُؤذن بِصِحَّة رِوَايَة الْمسند أَيْضا ، وَاحْتج إِلَى ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَإِنَّهُ قَالَ : إِن قيل : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج يَرْوُونَهُ ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَأما حَدِيثه ، عَن ابْن (أبي) مليكَة ، عَن عَائِشَة الَّذِي يرويهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَيْسَ بِشَيْء ، وَإِنَّمَا يرويهِ ابْن أبي مليكَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ أجَاب بِأَن يَحْيَى بن معِين وثق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة . والمرسل عِنْد أَحْمد حجَّة . انْتَهَى كَلَامه . وَخَالف ذَلِك فِي علله فَذكره وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ؛ فَإِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تغير فَصَارَ يخلط . قَالَ ابْن عدي : وَقد قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . وَهَذَا تخَالف مِنْهُ عَجِيب ، وَقد أسلفت لَك فِي الحَدِيث السَّابِع من بَاب الْغسْل (مقَالَة) الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأَن أَكثر الْحفاظ عَلَى ضعفه فِي غير الشاميين ، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَته عَن ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، فَهُوَ ضَعِيف من هَذَا الْوَجْه ، وَقد ضعفه جماعات . قَالَ ابْن حزم فِي محلاه لما ذكره من طَرِيق إِسْمَاعِيل ، عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، وَعَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة : هَذَانِ أثران ساقطان ؛ لِأَن وَالِد ابْن جريج لَا صُحْبَة لَهُ ، فَهُوَ مُنْقَطع ، وَالْآخر من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَهُوَ سَاقِط لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ . انْتَهَى كَلَامه . وَعبارَته فِي إِسْمَاعِيل فِيهَا نظر ، فَإِنَّهُ لَيْسَ سَاقِطا كَمَا أَشرت إِلَيْهِ هُنَاكَ ، بل هُوَ من الْمُخْتَلف فيهم . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : اسْتدلَّ (أَصْحَابنَا) بِأَحَادِيث مُسْتَقِيمَة رويت بأسانيد واهية فَذكر مِنْهَا هَذَا الحَدِيث ، وَتكلم عَلَيْهِ نَحْو كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ السالف ، وَقَالَ : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لَا تقوم بِهِ حجَّة ، وَعباد وَابْن عجلَان ضعفاء . قَالَ يَحْيَى فِي عباد : لَيْسَ بِشَيْء ، وَكَانَ يوضع لَهُ الحَدِيث فَيحدث بِهِ . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ البُخَارِيّ فِي عَطاء : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الْجوزجَاني : كَذَّاب ، (قَالَ :) وَتَابعه سُلَيْمَان وَهُوَ شَرّ من إِسْمَاعِيل بِكَثِير . قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ يسوى فلسًا . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ الْجوزجَاني : سَاقِط . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَهَذَا حَال رُوَاة هَذَا الحَدِيث قَالَ : وَالصَّوَاب إرْسَاله . وَذكر فِي سنَنه عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ : مَا رَوَى ابْن عَيَّاش ، عَن الشاميين صَحِيح ، [ وَمَا رَوَى ] عَن أهل الْحجاز فَلَيْسَ بِصَحِيح ، وَإِنَّمَا رَوَى ابْن جريج هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه لَيْسَ فِيهِ ذكر عَائِشَة ثمَّ أسْندهُ كَذَلِك مُرْسلا قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ . قلت : وَضَعفه أَيْضا من الْمُتَأَخِّرين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط (فَقَالَ) : هَذَا حَدِيث لَا يَصح رَفعه وَهُوَ مُرْسل ضَعِيف رَوَاهُ جمَاعَة عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل جمَاعَة عَن ابْن جريج (عَن أَبِيه مُرْسلا) وَالْمَحْفُوظ فِيهِ الْمُرْسل ، كَذَلِك رَوَاهُ جمَاعَة غَيره من الثِّقَات ، ووصْلُِه أحد مَا أُنكر عَلَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَأهل الحَدِيث يضعفونه فِيمَا يرويهِ عَن غير أهل الشَّام لسوء حفظه عَنْهُم ، وَابْن جريج لَيْسَ شاميٍّا فَاعْلَم ذَلِك ؛ فَإِن فِي نِهَايَة الْمطلب عَلَى هَذَا الحَدِيث كلَاما غير قويم . قلت : أَرَادَ بِهِ قَوْله (فِيهِ) تَوْجِيه الْقَدِيم الحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي الصِّحَاح وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة إِلَى آخِره قَالَ : وَإِنَّمَا لم يقل بِهِ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لإرسال ابْن أبي مليكَة ؛ فَإِنَّهُ لم يلق عَائِشَة وَلَا حجَّة فِي الْمُرْسل عِنْده ، وَقد رَوَى إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش فِي طَرِيقه ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، لَكِن إِسْمَاعِيل هَذَا سيئ الْحِفْظ ، كثير الْغَلَط فِيمَا يرويهِ عَن غير الشاميين ، وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين . هَذَا آخر كَلَامه وَتَبعهُ الْغَزالِيّ فِي بسيطه فَقَالَ : (رَوَى) ابْن أبي مليكَة ، عَن عَائِشَة عَنهُ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : من قاء . . . إِلَى آخِره بِلَفْظ الرَّافِعِيّ السالف ، ثمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا لم يعْمل بِهِ الشَّافِعِي ؛ لكَونه مُرْسلا ، وَإِلَّا فيسهل عَلَيْهِ كتب صِحَاح . انْتَهَى . وَفِيه أغاليط فَاحِشَة : إِحْدَاهَا : دَعْوَاهُ (أَنه) فِي الصِّحَاح وَلم يُخرجهُ أحد فِيهَا ، وَهُوَ (من) أَفْرَاد سنَن ابْن مَاجَه ، وفيهَا أَحَادِيث كَثِيرَة ضَعِيفَة بل مَوْضُوعَات . ثَانِيهَا : قَوْله (إِنَّه) جعل (إرْسَاله أَن) ابْن أبي مليكَة لم يلق عَائِشَة ، وَإِنَّمَا إرْسَاله أَن ابْن جريج يرويهِ عَن أَبِيه مُرْسلا كَمَا سلف عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، أَو يرويهِ عَن أَبِيه ، عَن ابْن أبي مليكَة مُرْسلا كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم ، وَلَئِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره فَهُوَ مُنْقَطع لَا مُرْسل بِحَسب اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ . ثَالِثهَا : إِدْخَاله عُرْوَة (بَين) عَائِشَة وَابْن أبي مليكَة ، فَإِنَّهُ غَرِيب لم أر أحدا ذكره سواهُ ، وَقد (أخرجته) من طرق لَيْسَ هَذَا فِيهَا . رَابِعهَا : دَعْوَاهُ أَن إِسْمَاعِيل رَوَاهُ عَن ابْن أبي مليكَة ، ثمَّ ضعف إِسْمَاعِيل فِي غير الشاميين ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَن ابْن جريج عَنهُ فَقَوله : وَابْن أبي مليكَة لَيْسَ من الشاميين صَوَابه إِذن ، وَابْن جريج لَيْسَ من الشاميين ، فَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ وهم الإِمَام فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث وَخُرُوجه عَن الصَّوَاب فِي التَّعْبِير عَن (المُرَاد) ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيث غير ثَابت كَمَا قَررنَا ، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقد نقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي بَاب الْأَحْدَاث مِنْهُ اتِّفَاق الْحفاظ عَلَى ضعفه ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل ، [ عَن ] ابْن جريج وَهُوَ حجازي ، وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل عَنْ أهل الْحجاز ضَعِيفَة عِنْد أهل الحَدِيث ، وَلِأَنَّهُ مُرْسل . قَالَ الْحفاظ : الْمَحْفُوظ أَنه عَن ابْن جريج ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِمَّن قَالَ ذَلِك : الشَّافِعِي ، وَأحمد بن حَنْبَل ، وَمُحَمّد بن يَحْيَى ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم عَن أَبِيه وَأبي زرْعَة ، وَأَبُو [ أَحْمد ] بن عدي ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم . الطَّرِيق الثَّانِي : من طرق الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رعف أحدكُم فِي صلَاته ، فلينصرف فليغسل الدَّم ، ثمَّ ليعد وضوءه وَيسْتَقْبل صلَاته . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته من حَدِيث سُلَيْمَان (بن أَرقم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَيْضا ؛ فَإِن سُلَيْمَان) هَذَا مَتْرُوك الحَدِيث كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة لَهما : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا رعف فِي صلَاته تَوَضَّأ ثمَّ بنى عَلَى مَا بَقِي من صلَاته . وَفِي إسنادها عمر بن ريَاح - برَاء مُهْملَة مَكْسُورَة ثمَّ مثناة تَحت - وَهُوَ مَتْرُوك كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ الفلاس : دجال . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من رعف فِي صلَاته ، فَليرْجع فَليَتَوَضَّأ وليبن عَلَى صلَاته . روياه أَيْضا وَقَالا : فِي إِسْنَاده أَبُو بكر الداهري - يَعْنِي : بِالدَّال الْمُهْملَة - ( عبد الله) بن حَكِيم وَهُوَ مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : لَا يَصح . قَالَ السَّعْدِيّ : الداهري هَذَا كَذَّاب مُصَرح . وَقَالَ ابْن حبَان : يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات . وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد جيد (عَلَى شَرط الصَّحِيح) عَن عَلّي قَالَ : إِذا رعف الرجل فِي صلَاته أَو قاء ، فَليَتَوَضَّأ وَلَا يتَكَلَّم ، وليبن عَلَى صلَاته وَهَذَا مَوْقُوف جيد . فَائِدَة : القلس فِي الحَدِيث - بِالْقَافِ وَاللَّام وبالسين الْمُهْملَة - الْقَيْء . وَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ مَا خرج من الْحلق ملْء الْفَم أَو دونه وَلَيْسَ هُوَ بقيء ، فَإِن عَاد فَهُوَ الْقَيْء ، فعلَى هَذَا يكون قَوْله فِي الحَدِيث : أَو قلس للتقسيم ، وَعَلَى الأول تكون أَو للشَّكّ من الرَّاوِي . وَقَوله : أَو رعف هُوَ مثلث الْعين حكاهن ابْن مَالك فِي (مثلثه) ، قَالَ ابْن الصّلاح : الصَّحِيح فِيهِ فتح الْعين ، قَالَ : وَرُوِيَ ضمهَا عَلَى ضعف فِيهِ ، قَالَ : وَرُوِيَ أَن هَذِه الْكَلِمَة كَانَت السَّبَب فِي لُزُوم سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل بن أَحْمد ، وتعويله عَلَيْهِ فِي طلب الْعَرَبيَّة بعد أَن كَانَ يطْلب الحَدِيث وَالتَّفْسِير ، وَذَلِكَ أَنه سَأَلَ يَوْمًا حَمَّاد بن سَلمَة فَقَالَ لَهُ : أحَدثك هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه فِي رجل رعف فِي الصَّلَاة وَضم الْعين - فَقَالَ لَهُ : أَخْطَأت إِنَّمَا هُوَ رعف - بِفَتْح الْعين - فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل وَلَزِمَه .
إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرةص 202