قَوْلُهُ : قُلْنَا : ثَبَتَ النَّسْخُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ يَعْنِي نَسْخَ الْمُتْعَةِ ; قُلْت : أَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ : إنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ ، يَعْرِضُ بِرَجُلٍ ، فَنَادَاهُ : إنَّك لَجِلْفٌ جَافٌّ ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ فِي عَهْدِ إمَامِ الْمُتَّقِينَ - يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ : فَجَرِّبْ بِنَفْسِك ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتهَا لَأَرْجُمَنَّك بِأَحْجَارِك . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَأَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللَّهِ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ فِي الْمُتْعَةِ ، فَأَمَرَهُ بِهَا ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ : مَهْلًا ، قَالَ : مَا هِيَ ؟ وَاَللَّهِ لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ إمَامِ الْمُتَّقِينَ ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ : إنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا ; كَالْمَيْتَةِ ، وَالدَّمِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ الدِّينَ ، وَنَهَى عَنْهَا ; قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ : قَدْ كُنْت اسْتَمْتَعْت فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ ، ثُمَّ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُتْعَةِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَسَمِعْت رَبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَنَا جَالِسٌ ، انْتَهَى . أَحَادِيثُ التَّحْرِيمِ وَالنَّسْخِ : أَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، عَنْ إيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، عن أبيه ، قَالَ رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا انْتَهَى . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَعَامُ أَوْطَاسٍ ، وَعَامُ الْفَتْحِ وَاحِدٌ ، لِأَنَّهَا بَعْدَ الْفَتْحِ بِيَسِيرٍ ، انْتَهَى . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُتْعَةِ ، فَانْطَلَقْت أَنَا وَرَجُلٌ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ، كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ ، فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا ، فَقَالَتْ : مَا تُعْطِي ؟ فَقُلْت : رِدَائِي ، وَقَالَ صَاحِبِي : رِدَائِي ، وَكَانَ رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ مِنْ رِدَائِي ، وَكُنْت أَشَبَّ مِنْهُ ، فَإِذَا نَظَرَتْ إلَى رِدَاءِ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا ، وَإِذَا نَظَرَتْ إلَيَّ أَعْجَبْتُهَا ، ثُمَّ قَالَتْ : أَنْتَ وَرِدَاؤُك يَكْفِينِي ، فَمَكَثَت مَعَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ بِهِنَّ ، فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ انْتَهَى . وَفِي لَفْظٍ : أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ ، فَأَذِنَ لَنَا فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ . الْحَدِيثَ . وَفِي لَفْظٍ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ ، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا انْتَهَى . وَفِي لَفْظٍ : أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنِّي قد كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ النِّسَاءِ ، وَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا انْتَهَى . وَفِي لَفْظٍ : قَالَ : نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ ، وَقَالَ : أَلَا إنَّهَا حَرَامٌ ، مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ انْتَهَى . وَطَوَّلَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، فَقَالَ : ذَكَرَ الْبَيَانَ بِأَنَّ الْمُصْطَفَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ بِسَنَدِهِ عَنْ سَبْرَةَ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَضَيْنَا عُمْرَتَنَا قَالَ لَنَا : اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ ، قَالَ : وَالِاسْتِمْتَاعُ عِنْدَنَا يَوْمَئِذٍ التَّزَوُّجُ ، فَعَرَضْنَا بِذَلِكَ النِّسَاءَ أَنْ نَضْرِبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُنَّ أَجَلًا ، قَالَ : فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : افْعَلُوا ، فَخَرَجْت أَنَا ، وَابْنُ عَمٍّ لِي ، مَعِي بُرْدَةٌ ، وَمَعَهُ بُرْدَةٌ ، وَبُرْدُهُ أَجْوَدُ مِنْ بُرْدِي ، وَأَنَا أَشَبُّ مِنْهُ ، فَأَتَيْنَا امْرَأَةً فَعَرَضْنَا ذَلِكَ عَلَيْهَا ، فَأَعْجَبَهَا شَبَابِي ، وَأَعْجَبَهَا بُرْدُ ابْنِ عَمِّي ، فَقَالَتْ : بُرْدٌ كَبُرْدٍ فَتَزَوَّجْتُهَا ، وَكَانَ الْأَجَلُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا عَشْرًا ، فَلَبِثْتُ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ غَادِيًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُهُ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْبَابِ قَائِمًا يَخْطُبُ النَّاسَ ، وَهُوَ يَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي قد كُنْت أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ فِي هَذِهِ النِّسَاءِ ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا انْتَهَى . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَتَذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النِّسَاءِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ انْتَهَى . وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ عَلَى نَسْخِ الْمُتْعَةِ ، وَبِحَدِيثِ عَلِيٍّ مِنْ جِهَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ الْآتِي . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : رَوَى الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ انْتَهَى . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : إنَّ عَلِيًّا سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَلِينُ فِي الْمُتْعَةِ ، فَقَالَ : مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ انْتَهَى . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ ، وَمُسْلِمٌ فِي النِّكَاحِ ، وَفِي الذَّبَائِحِ ، وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ خَلَا أَبَا دَاوُد ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ : هَذِهِ رِوَايَةٌ مُشْكِلَةٌ ، فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ ; وَرُوَاةُ الْأَثَرِ : أَنَّ الْمُتْعَةَ حُرِّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، فَقَالَ فِيهِ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَامَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ الْمُتْعَةِ وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ : أَيْ وَنَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَهُوَ إذًا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فِي لَفْظِ ابْنِ شِهَابٍ ، لَا فِي لَفْظِ مَالِكٍ ، لِأَنَّ مَالِكًا قَدْ وَافَقَهُ عَلَى لَفْظِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْت : لَمْ أَجِدْ رِوَايَةَ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إلَّا بِلَفْظِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ انْتَهَى . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ انْتَهَى . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ أَنَّ عَلِيًّا سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَلِينُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، فَقَالَ : مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَيُنْظَرُ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، فَأَغْرَبُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ : إنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، ثُمَّ رِوَايَةُ الْحَسَنِ : إنَّ ذَلِكَ كان فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، وَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ كَانَ عَامَ الْفَتْحِ ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ . وَفِيهِ ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَيْضًا : أَنَّ تَحْرِيمَهَا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ; وَرِوَايَةُ مَنْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ عَامِ الْفَتْحِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْت : رِوَايَةُ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَخْرَجَهَا الْحَازِمِيُّ فِي النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ ، حَتَّى إذَا كُنَّا عِنْدَ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ جَاءَتْ نِسْوَةٌ ، فَذَكَرْنَا تَمَتُّعَنَا ، وَهُنَّ يطُفْنَ فِي رِحَالِنَا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إلَيْهِنَّ ، وَقَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةُ ؟ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسْوَةٌ تَمَتَّعْنَا مِنْهُنَّ ، قَالَ : فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ ، وَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ ، وَقَامَ فِينَا خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ ، فَتَوَادَعْنَا يَوْمَئِذٍ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ ، وَلَمْ نَعُدْ ، وَلَا نَعُودُ لَهَا أَبَدًا ، فَبِهَا سُمِّيَتْ يَوْمَئِذٍ : ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ انْتَهَى . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ ثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : حَرَّمَ ، أَوْ هَدَمَ الْمُتْعَةَ ، النِّكَاحُ ، وَالطَّلَاقُ ، وَالْعِدَّةُ ، وَالْمِيرَاثُ انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ : إسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَنْ يُنْظَرُ فِي أَمْرِهِ ، إلَّا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ بْنِ مَنِيعٍ النَّيْسَابُورِيُّ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَابْنُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ ; وَقَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ . وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ رَوَوْا عَنْهُ نَحْوَ الْعَشَرَةِ ; وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ; فَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ إيَاسِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُتْعَةِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَتْ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ ، فَلَمَّا أُنْزِلَ النِّكَاحُ ، وَالطَّلَاقُ ، وَالْعِدَّةُ ، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ نُسِخَتْ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَقَالَ : غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ; وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ تُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا انْتَهَى . وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ : إنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ ، يَعْرِضُ بِرَجُلٍ ، فَنَادَاهُ . فَقَالَ : إنَّك لَجِلْفٌ جَافٌّ ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ فِي عَهْدِ إمَامِ الْمُتَّقِينَ - يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ : فَجَرِّبْ بِنَفْسِك ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتهَا لَأَرْجُمَنَّك بِأَحْجَارِك ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللَّهِ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ جَاءَهُ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ ، فَأَمَرَهُ بِهَا ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ : مَهْلًا ، قَالَ : مَا هِيَ ؟ وَاَللَّهِ لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ إمَامِ الْمُتَّقِينَ ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ : إنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا : كَالْمَيْتَةِ ، وَالدَّمِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ الدِّينَ ، وَنَهَى عَنْهَا ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ : كُنْت اسْتَمْتَعْت فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ : وَقَدْ كَانَتْ الْمُتْعَةُ مُبَاحَةً مَشْرُوعَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّمَا أَبَاحَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ ، فَقُلْنَا : أَلَا نَسْتَخْصِي ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ انْتَهَى . وأَوْ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إنَّمَا كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْبَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ ، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ ، فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ ، وَتُصْلِحُ لَهُ شَيْئَهُ ، حَتَّى إذَا نَزَلَتْ الْآيَةُ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَكُلُّ فَرْجٍ سِوَاهُمَا حَرَامٌ ، انْتَهَى .
تخريج كتب التخريج والعلل
نصب الراية لأحاديث الهدايةبيان نقل الإجماع على تحريم المتعة ونسخها والأحاديث في ذلك بإشباع · ص 176 التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبيربَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ · ص 319 1603 - ( 3 ) - حَدِيثُ عَلِيٍّ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ نُسِخَ ، رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ إبَاحَةَ ذَلِكَ ثُمَّ نَسَخَهُ . وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : بَيَّنَ عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ . وَفِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ : ( إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ حَرَّمَهَا ، وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَمَتَّعَ وَهُوَ مُحْصَنٌ إلَّا رَجَمْته بِالْحِجَارَةِ ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ : ( أَتَى ابْنُ عُمَرَ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ مَا أَظُنُّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَفْعَلُ هَذَا ، فَقِيلَ : بَلَى ، قَالَ : وَهَلْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إلَّا غُلَامًا صَغِيرًا ؟! ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : نَهَانَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَمَا كُنَّا مسَافِحِينَ ). إسْنَادُهُ قَوِيٌّ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( هَدَمَ الْمُتْعَةَ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ ). إسْنَادُهُ حَسَنٌ . ( فَائِدَةٌ ) : حَكَى الْعَبَّادِيُّ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ : لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ شَيْءٌ أُحِلَّ ثُمَّ حُرِّمَ ثُمَّ أُحِلَّ ثُمَّ حُرِّمَ إلَّا الْمُتْعَةُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : نُسِخَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَقِيلَ : أَكْثَرَ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِهَا ، وَإِذَا صَحَّتْ كُلُّهَا فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا الْحَمْلُ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَالْأَجْوَدُ فِي الْجَمْعِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ قَطُّ فِي حَالِ الْحَضَرِ وَالرَّفَاهِيَةِ ، بَلْ فِي حَالِ السَّفَرِ وَالْحَاجَةِ ، وَالْأَحَادِيثُ ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ( كُنَّا نَغْزُو وَلَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ ، فَرَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ ). فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ التَّحْرِيمِ فِي الْمَوَاطِنِ الْمُتَعَدِّدَةِ ، يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَنَّ الْحَاجَةَ انْقَضَتْ ، وَوَقَعَ الْعَزْمُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْوَطَنِ ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ تَحْرِيمٌ أَبَدًا إلَّا الَّذِي وَقَعَ آخِرًا ، وَقَدْ اجْتَمَعَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِهَا أَقْوَالٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ نَذْكُرُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ : الْأَوَّلُ : عُمْرَةُ الْقَضَاءِ : قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : ( مَا حَلَّتْ الْمُتْعَةُ قَطُّ إلَّا ثَلَاثًا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، مَا حَلَّتْ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ) ، وَشَاهِدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ : ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَضَيْنَا عُمْرَتَنَا ، قَالَ لَنَا : أَلَا تَسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ ) - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - . الثَّانِي : خَيْبَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظِ : ( نُهِيَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ ). وَاسْتَشْكَلَهُ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا إشْكَالَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ . أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ . الثَّالِثُ : عَامُ الْفَتْحِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى فِي يَوْمِ الْفَتْحِ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ). وَفِي لَفْظٍ لَهُ : ( أُمِرْنَا بِالْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ ، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا ). وَفِي لَفْظٍ لَهُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنِّي كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ النِّسَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ). الرَّابِعُ : يَوْمُ حُنَيْنٍ ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ مِنْ خَيْبَرَ وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ تَفَرَّدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ : حُنَيْنٍ . فِي رِوَايَةٍ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عَامِ أَوْطَاسٍ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : هِيَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَامَ الْفَتْحِ ، وَأَنَّهُمَا كَانَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ . الْخَامِسُ : غَزْوَةُ تَبُوكِ ، رَوَاهُ الْحَازِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتَّى إذَا كُنَّا عِنْدَ الثَّنِيَّةِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ ، جَاءَتْنَا نِسْوَةٌ تَمَتَّعْنَا بِهِنَّ يَطُفْنَ بِرِجَالِنَا ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ وَأَخْبَرْنَاهُ ، فَغَضِبَ وَقَامَ فِينَا خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَنَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ ، فَتَوَادَعْنَا يَوْمَئِذٍ وَلَمْ نَعُدْ . وَلَا نَعُودُ فِيهَا أَبَدًا . فَبِهَا سُمِّيَتْ يَوْمَئِذٍ ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ ) . وَهَذَا إسْنَادٌ ضَعِيفٌ ، لَكِنْ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَشْهَدُ لَهُ . وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَنَزَلْنَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ ) فَذَكَرَهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ الَّذِي وَقَعَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ غَضِبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . السَّادِسُ : حَجَّةُ الْوَدَاعِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِذِكْرِ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إشَاعَةُ النَّهْيِ وَالتَّحْرِيمِ لِكَثْرَةِ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ الْخَلَائِقِ . الثَّانِي : احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ انْتَقَلَ ذِهْنُ أَحَدِ رُوَاتِهِ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ إلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ سَبْرَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْفَتْحِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
العلل الواردة في الأحاديث النبويةسعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه · ص 369 س2057 - وسُئِل عَن حَدِيثِ المَقبُرِيِّ ، عَن أَبِي هُرَيرة ، قال رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلم : هَدمُ النِّكاحِ المُتعَةُ . فَقال : يَروِيهِ عِكرِمَةُ بن عَمّارٍ ، واختُلِف عَنهُ ؛ فَرَواهُ مُؤَمَّلُ بن إِسماعِيل ، وبَكرُ بن يَزِيد العُقَيلِيُّ ، عَن عِكرِمَة بنِ عَمّارٍ ، فَقال المُؤَمَّلُ : عَنِ المَقبُرِيِّ ، عَن أَبِي هُرَيرةَ . وَقال بَكرُ بن يَزِيد : عَنِ المَقبُرِيِّ ، عَن أَبِيهِ ، عَن أَبِي هُرَيرةَ . وَخالَفَهُما بِشرُ بن عُمَر ، رَواهُ عِن عِكرِمَة بنِ عَمّارٍ ، عَن عَبدِ الله بنِ سَعِيدٍ مُرسَلاً ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلم .
إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرةسَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ · ص 685