فصل في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها ، وإرشاده الأصحاءَ إلى مجانبة أهلها ثبت في ( صحيح مسلم ) من حديث جابر بن عبد الله ، أنه كان في وَفْد ثَقِيف رجلٌ مجذومٌ ، فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - : ارْجِعْ فَقَدْ بايَعْنَاكَ . وروى البخاري في ( صحيحه ) تعليقا مِن حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ . وفي ( سنن ابن ماجه ) من حديث ابن عباس ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلى الْمَجْذُومِين . وفي ( الصحيحين ) من حديث أبي هُريرة ، قال : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ . ويُذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - : كَلِّمْ الْمَجْذُومَ ، وَبَيْنَك وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ . الجُذَام : عِلَّة رديئة تحدثُ من انتشار المِرَّةِ السَّوداء في البدن كُلِّه ، فيفسُد مِزاجُ الأعضاء وهيئتُها وشكلُها ، ورُبما فسد في آخره اتصالُها حتى تتآكلَ الأعضاء وتسقط ، ويُسمى داءَ الأسد . وفي هذه التسمية ثلاثةُ أقوال للأطباء ؛ أحدها : أنها لِكثرة ما تعتري الأسد . والثاني : لأنَّ هذه العِلَّة تُجهِّم وجهَ صاحبها وتجعلُه في سُحنةَ الأسد . والثالث : أنه يفترِسُ مَن يقرُبه ، أو يدنو منه بدائه افتراسَ الأسد . وهذه العِلَّة عند الأطباء من العلل المُعدية المتوارثة ، ومقارِبُ المجذوم ، وصاحبِ السل يَسْقَمُ برائحته ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لكمال شفقته على الأُمة ، ونُصحه لهم ، نهاهم عن الأسباب التي تُعرِّضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم ، ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيُّؤ واستعداد كامن لقبول هذا الداء ، وقد تكون الطبيعةُ سريعة الانفعال قابلةً للاكتساب من أبدان مَن تُجاوِرُه وتُخالطه ، فإنها نقَّالة ، وقد يكون خوفُها من ذلك ووهمهُا مِن أكبر أسباب إصابة تلك العِلَّة لها ، فإنَّ الوهم فعَّال مستَوْلٍ على القُوَى والطبائع ، وقد تَصِلُ رائحة العليل إلى الصحيح فتُسقمه ، وهذا معايَن في بعض الأمراض ، والرائحةُ أحدُ أسباب العدوى ، ومع هذا كله فلا بد من وجود استعدادِ البدن وقبوله لذلك الداء ، وقد تزوَّج النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأةً ، فلما أراد الدخولَ بها ، وجَد بكَشْحها بياضا ، فقال : الْحَقي بأهْلِكِ . وقد ظنَّ طائفة مِن الناس أنَّ هذه الأحاديث معارَضةٌ بأحاديثَ أُخَر تُبطلها وتُناقضها ، فمنها : ما رواه الترمذي ، من حديث جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيَدِ رجُلٍ مجذومٍ ، فأدخلها معه في القَصْعَةِ ، وقال : كُلْ باسم الله ، ثِقَةً بالله ، وتوكُّلا عليه ، ورواه ابن ماجه . وبما ثبت في ( الصحيح ) ، عن أبي هُريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا عَدوَى ولا طِيَرَة . ونحن نقول : لا تعارُض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة . فإذا وقع التعارضُ ، فإما أن يكون أحدُ الحديثين ليس مِن كلامه - صلى الله عليه وسلم - وقد غَلِطَ فيه بعضُ الرواة مع كونه ثقةً ثَبتا ، فالثقةُ يَغْلَطُ ، أو يكونُ أحدُ الحديثين ناسخا للآخر إذا كان مما يَقْبَلُ النسخ ، أو يكونُ التعارضُ في فهم السامع ، لا في نفس كلامه - صلى الله عليه وسلم - فلا بُدَّ مِن وجه من هذه الوجوه الثلاثة . وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان مِن كل وجه ، ليس أحدُهما ناسخا للآخر ، فهذا لا يُوجد أصلا ، ومعاذَ اللهِ أن يُوجَدَ في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحقُّ ، والآفةُ مِن التقصير في معرفة المنقول ، والتمييز بين صحيحه ومعلوله ، أو من القُصور في فهم مُراده - صلى الله عليه وسلم - وحمل كلامه على غير ما عناه به ، أو منهما معا . ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع . . وبالله التوفيق . قال ابن قتيبة في كتاب ( اختلاف الحديث ) له حكايةً عن أعداء الحديث وأهله : قالوا : حديثان متناقضان رويتُم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا عَدوَى ولا طِّيَرَة . وقيل له : إنَّ العفنة تقع بمِشْفَرِ البَعيرِ ، فيجرَبُ لذلك الإبلُ ، قال : فما أعدَى الأولَ ؟ ثم رويتُم : لا يُوردُ ذو عاهة على مُصِحٍّ ، وفِرَّ من المجذومِ فِرارَك من الأسَدِ ، وأتاه رجل مجذوم ليُبايَعه بَيْعة الإسلام ، فأرسل إليه البَيْعةَ ، وأمَره بالانصراف ، ولم يأذن له ، وقال : الشُّؤمُ في المرأة والدارِ والدَّابةِ . قالوا : وهذا كُلُّه مختلِفٌ لا يُشبه بعضُه بعضا . قال أبو محمد : ونحن نقول : إنه ليس في هذا اختلافٌ ، ولكل معنى منها وقتٌ وموضع ، فإذا وُضِع موضعَه زال الاختلاف والعدوى جنسان ؛ أحدهما : عدوى الجُذام ، فإنَّ المجذوم تشتدُّ رائحتُه حتى يُسْقِم مَن أطال مجالسته ومحادثته ، وكذلك المرأةُ تكونُ تحتَ المجذوم ، فتُضاجِعُه في شِعارَ واحد ، فيُوصِل إليها الأذى ، وربما جُذِمَتْ ، وكذلك ولدُه يَنزِعُون في الكِبر إليه ، وكذلك مَن كان به سلٌ ودِقٌ ونُقْبٌ . والأطباء تأمر ألا يُجالَس المسلول ولا المجذُوم ، ولا يُريدون بذلك معنى العدوى ، وإنما يُريدون به معنى تغيُّرِ الرائحة ، وأنها قد تُسْقِمْ مَن أطال اشتمامَها ، والأطباء أبعدُ الناس عن الإيمان بيُمن وشُؤم ، وكذلك النُّقْبةُ تكون بالبعير - وهو جَرَبٌ رَطبٌ - فإذا خالط الإبلَ أو حاكَّها ، وأوَى في مَباركها ، وصل إليها بالماء الذي يَسيل منه ، وبالنَّطف نحو ما به ، فهذا هو المعنى الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يُورَدُ ذو عاهة على مُصِح ، كَرِهَ أن يُخالط المَعْيُوه الصحيحَ ، لئلا ينالَه مِن نَطَفه وحِكَّته نحو مما به . قال : وأما الجنسُ الآخرُ من العدوى ، فهو الطاعونُ ينزلُ ببلد ، فيخرُج منه خوفَ العدوى ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا وقَعَ بِبَلَدٍ وأنْتُم به ، فلا تَخْرُجُوا مِنْه ، وإذا كان بِبَلَدٍ ، فلا تَدْخُلُوه . يريد بقوله : لا تَخْرُجُوا مِن البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون أنَّ الفِرارَ مِن قَدَر الله يُنجيكم من الله ، ويُريد بقوله : ( إذا كان ببلد فلا تدخلوه ) ، أي : مُقامُكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسْكنُ لقلوبكم ، وأطيبُ لعيشكم ، ومن ذلك المرأةُ تُعرف بالشؤم أو الدارُ ، فينال الرجلَ مكروهٌ أو جائحةٌ ، فيقول : أعدتْني بشؤمها ، فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا عَدْوَى ) . وقالت فِرْقة أُخرى : بل الأمرُ باجتنابِ المجذوم والفِرار منه على الاستحباب ، والاختيار ، والإرشاد . وأما الأكل معه ، ففَعلُه لبيانِ الجواز ، وأنَّ هذا ليس بحرام . وقالت فِرْقة أُخرى : بل الخطابُ بهذين الخطابين جزئي لا كلي . فكلُّ واحد خاطبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يليق بحاله ، فبعضُ الناس يكون قوي الإيمان ، قوي التوكل تدفع قوةُ توكله قُوَّةَ العدوى ، كما تدفع قوةُ الطبيعة قوةَ العِلَّة فتُبطلها ، وبعضُ الناس لا يَقوى على ذلك ، فخاطبه بالاحتياط والأخذ بالتحفظ ، وكذلك هو - صلى الله عليه وسلم - فَعل الحالتين معا ، لتقتدي به الأُمة فيهما ، فيأخذ مَن قَوي من أُمته بطريقة التوكل والقُوَّة والثقة بالله ، ويأخذ مَن ضَعف منهم بطريقة التحفظ والاحتياط ، وهما طريقان صحيحان . أحدهما للمؤمن القوي ، والآخر للمؤمن الضعيف ، فتكون لكل واحد من الطائفتين حُجَّةٌ وقُدوةٌ بحسب حالهم وما يناسبهم ، وهذا كما أنه - صلى الله عليه وسلم - كَوى ، وأثنَى على تارِك الكي ، وقرن تركَه بالتوكل ، وتَرَكَ الطِّيرة ، ولهذا نظائرُ كثيرة ، وهذه طريقة لطيفةٌ حسنة جدا مَن أعطاها حقَّها ، ورُزِق فقْه نَفْسه فيها ، أزالت عنه تعارضا كثيرا يظنه بالسُّـنَّةِ الصحيحة . وذهبت فِرقة أُخرى إلى أنَّ الأمر بالفِرار منه ، ومجانبتِه لأمر طبيعي ، وهو انتقالُ الداء منه بواسطة الملامسة والمخالطة والرائحة إلى الصحيح ، وهذا يكون مع تكرير المخالطة والملامسة له ، وأما أكلُه معه مقدارا يسيرا من الزمان لمصلحة راجحة ، فلا بأس به ، ولا تحصُل العدوى مِن مرَّةٍ واحدة ولحظة واحدة ، فنَهى سدا للذريعة ، وحِمايةً للصحة ، وخالطه مخالطةً ما للحاجة والمصلحة ، فلا تعارُضَ بين الأمرين . وقالت طائفة أُخرى : يجوز أن يكونَ هذا المجذومُ الذي أكل معه به من الجُذام أمرٌ يسير لا يُعدي مثله ، وليس الْجَذْمَى كُلُّهم سواءً ، ولا العدوى حاصلة من جميعهم ، بل منهم مَن لا تضرُّ مخالطته ، ولا تُعدي ، وهو مَن أصابه من ذلك شيء يسير ، ثم وقف واستمر على حاله ، ولم يُعْدِ بقيةَ جسمه ، فهو أن لا يعدي غيره أولى وأحرى . وقالت فِرقة أُخرى : إنَّ الجاهلية كانت تعتقد أنَّ الأمراض المعدية تُعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله سبحانه ، فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتقادَهم ذلك ، وأكل مع المجذوم ليُبَيِّنَ لهم أنَّ الله سبحانه هو الذي يُمرض ويَشفي ، ونهى عن القُرب منه ليتبينَ لهم أنَّ هذا من الأسباب التي جعلها الله مُفضية إلى مسبباتها ، ففي نهيه إثباتُ الأسباب ، وفي فعله بيان أنها لا تستقِلُّ بشيء ، بل الربُّ سبحانه إن شاء سلبها قواها ، فلا تؤثر شيئا ، وإن شاء أبقى عليها قُواها فأثَّرت . وقالت فِرقة أُخرى : بل هذه الأحاديث فيها الناسخ والمنسوخ ، فيُنظر في تاريخها ، فإن عُلِمَ المتأخر منها ، حُكِمَ بأنه الناسخ ، وإلا توقفنا فيها . وقالت فِرقة أُخرى : بل بعضُها محفوظ ، وبعضها غيرُ محفوظ ، وتكلمت في حديث : ( لا عَدوَى ) ، وقالت : قد كان أبو هريرة يرويه أوَّلا ، ثم شكَّ فيه فتركه ، وراجعوه فيه ، وقالوا : سمعناك تُحدِّث به ، فأبى أن يُحدِّث به . قال أبو سلمة : فلا أدري ، أنسيَ أبو هريرة ، أم نَسخَ أحدُ الحديثين الآخَر ؟ وأما حديثُ جابر : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيدِ مجذوم ، فأدخلها معه في القصعة ، فحديثٌ لا يثبت ولا يَصِحُّ ، وغاية ما قال فيه الترمذي : إنه غريب ، لم يُصَحِّحْه ولم يُحَسِّنه . وقد قال شعبة وغيرُه : اتقوا هذه الغرائبَ . قال الترمذي : ويُروى هذا من فعل عمر ، وهو أثبت ، فهذا شأنُ هذين الحديثين اللَّذين عُورض بهما أحاديثُ النهي . أحدهما : رجع أبو هريرة عن التحديث به وأنكره . والثاني : لا يَصِحُّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم ، وقد أشبعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب ( المفتاح ) ، بأطولَ من هذا . وبالله التوفيق .
الطب النبوي
الطب النبويفصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها · ص 111 الطب النبويفصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها · ص 111 فصل في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها ، وإرشاده الأصحاءَ إلى مجانبة أهلها ثبت في ( صحيح مسلم ) من حديث جابر بن عبد الله ، أنه كان في وَفْد ثَقِيف رجلٌ مجذومٌ ، فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - : ارْجِعْ فَقَدْ بايَعْنَاكَ . وروى البخاري في ( صحيحه ) تعليقا مِن حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ . وفي ( سنن ابن ماجه ) من حديث ابن عباس ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلى الْمَجْذُومِين . وفي ( الصحيحين ) من حديث أبي هُريرة ، قال : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ . ويُذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - : كَلِّمْ الْمَجْذُومَ ، وَبَيْنَك وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ . الجُذَام : عِلَّة رديئة تحدثُ من انتشار المِرَّةِ السَّوداء في البدن كُلِّه ، فيفسُد مِزاجُ الأعضاء وهيئتُها وشكلُها ، ورُبما فسد في آخره اتصالُها حتى تتآكلَ الأعضاء وتسقط ، ويُسمى داءَ الأسد . وفي هذه التسمية ثلاثةُ أقوال للأطباء ؛ أحدها : أنها لِكثرة ما تعتري الأسد . والثاني : لأنَّ هذه العِلَّة تُجهِّم وجهَ صاحبها وتجعلُه في سُحنةَ الأسد . والثالث : أنه يفترِسُ مَن يقرُبه ، أو يدنو منه بدائه افتراسَ الأسد . وهذه العِلَّة عند الأطباء من العلل المُعدية المتوارثة ، ومقارِبُ المجذوم ، وصاحبِ السل يَسْقَمُ برائحته ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لكمال شفقته على الأُمة ، ونُصحه لهم ، نهاهم عن الأسباب التي تُعرِّضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم ، ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيُّؤ واستعداد كامن لقبول هذا الداء ، وقد تكون الطبيعةُ سريعة الانفعال قابلةً للاكتساب من أبدان مَن تُجاوِرُه وتُخالطه ، فإنها نقَّالة ، وقد يكون خوفُها من ذلك ووهمهُا مِن أكبر أسباب إصابة تلك العِلَّة لها ، فإنَّ الوهم فعَّال مستَوْلٍ على القُوَى والطبائع ، وقد تَصِلُ رائحة العليل إلى الصحيح فتُسقمه ، وهذا معايَن في بعض الأمراض ، والرائحةُ أحدُ أسباب العدوى ، ومع هذا كله فلا بد من وجود استعدادِ البدن وقبوله لذلك الداء ، وقد تزوَّج النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأةً ، فلما أراد الدخولَ بها ، وجَد بكَشْحها بياضا ، فقال : الْحَقي بأهْلِكِ . وقد ظنَّ طائفة مِن الناس أنَّ هذه الأحاديث معارَضةٌ بأحاديثَ أُخَر تُبطلها وتُناقضها ، فمنها : ما رواه الترمذي ، من حديث جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيَدِ رجُلٍ مجذومٍ ، فأدخلها معه في القَصْعَةِ ، وقال : كُلْ باسم الله ، ثِقَةً بالله ، وتوكُّلا عليه ، ورواه ابن ماجه . وبما ثبت في ( الصحيح ) ، عن أبي هُريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا عَدوَى ولا طِيَرَة . ونحن نقول : لا تعارُض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة . فإذا وقع التعارضُ ، فإما أن يكون أحدُ الحديثين ليس مِن كلامه - صلى الله عليه وسلم - وقد غَلِطَ فيه بعضُ الرواة مع كونه ثقةً ثَبتا ، فالثقةُ يَغْلَطُ ، أو يكونُ أحدُ الحديثين ناسخا للآخر إذا كان مما يَقْبَلُ النسخ ، أو يكونُ التعارضُ في فهم السامع ، لا في نفس كلامه - صلى الله عليه وسلم - فلا بُدَّ مِن وجه من هذه الوجوه الثلاثة . وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان مِن كل وجه ، ليس أحدُهما ناسخا للآخر ، فهذا لا يُوجد أصلا ، ومعاذَ اللهِ أن يُوجَدَ في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحقُّ ، والآفةُ مِن التقصير في معرفة المنقول ، والتمييز بين صحيحه ومعلوله ، أو من القُصور في فهم مُراده - صلى الله عليه وسلم - وحمل كلامه على غير ما عناه به ، أو منهما معا . ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع . . وبالله التوفيق . قال ابن قتيبة في كتاب ( اختلاف الحديث ) له حكايةً عن أعداء الحديث وأهله : قالوا : حديثان متناقضان رويتُم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا عَدوَى ولا طِّيَرَة . وقيل له : إنَّ العفنة تقع بمِشْفَرِ البَعيرِ ، فيجرَبُ لذلك الإبلُ ، قال : فما أعدَى الأولَ ؟ ثم رويتُم : لا يُوردُ ذو عاهة على مُصِحٍّ ، وفِرَّ من المجذومِ فِرارَك من الأسَدِ ، وأتاه رجل مجذوم ليُبايَعه بَيْعة الإسلام ، فأرسل إليه البَيْعةَ ، وأمَره بالانصراف ، ولم يأذن له ، وقال : الشُّؤمُ في المرأة والدارِ والدَّابةِ . قالوا : وهذا كُلُّه مختلِفٌ لا يُشبه بعضُه بعضا . قال أبو محمد : ونحن نقول : إنه ليس في هذا اختلافٌ ، ولكل معنى منها وقتٌ وموضع ، فإذا وُضِع موضعَه زال الاختلاف والعدوى جنسان ؛ أحدهما : عدوى الجُذام ، فإنَّ المجذوم تشتدُّ رائحتُه حتى يُسْقِم مَن أطال مجالسته ومحادثته ، وكذلك المرأةُ تكونُ تحتَ المجذوم ، فتُضاجِعُه في شِعارَ واحد ، فيُوصِل إليها الأذى ، وربما جُذِمَتْ ، وكذلك ولدُه يَنزِعُون في الكِبر إليه ، وكذلك مَن كان به سلٌ ودِقٌ ونُقْبٌ . والأطباء تأمر ألا يُجالَس المسلول ولا المجذُوم ، ولا يُريدون بذلك معنى العدوى ، وإنما يُريدون به معنى تغيُّرِ الرائحة ، وأنها قد تُسْقِمْ مَن أطال اشتمامَها ، والأطباء أبعدُ الناس عن الإيمان بيُمن وشُؤم ، وكذلك النُّقْبةُ تكون بالبعير - وهو جَرَبٌ رَطبٌ - فإذا خالط الإبلَ أو حاكَّها ، وأوَى في مَباركها ، وصل إليها بالماء الذي يَسيل منه ، وبالنَّطف نحو ما به ، فهذا هو المعنى الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يُورَدُ ذو عاهة على مُصِح ، كَرِهَ أن يُخالط المَعْيُوه الصحيحَ ، لئلا ينالَه مِن نَطَفه وحِكَّته نحو مما به . قال : وأما الجنسُ الآخرُ من العدوى ، فهو الطاعونُ ينزلُ ببلد ، فيخرُج منه خوفَ العدوى ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا وقَعَ بِبَلَدٍ وأنْتُم به ، فلا تَخْرُجُوا مِنْه ، وإذا كان بِبَلَدٍ ، فلا تَدْخُلُوه . يريد بقوله : لا تَخْرُجُوا مِن البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون أنَّ الفِرارَ مِن قَدَر الله يُنجيكم من الله ، ويُريد بقوله : ( إذا كان ببلد فلا تدخلوه ) ، أي : مُقامُكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسْكنُ لقلوبكم ، وأطيبُ لعيشكم ، ومن ذلك المرأةُ تُعرف بالشؤم أو الدارُ ، فينال الرجلَ مكروهٌ أو جائحةٌ ، فيقول : أعدتْني بشؤمها ، فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا عَدْوَى ) . وقالت فِرْقة أُخرى : بل الأمرُ باجتنابِ المجذوم والفِرار منه على الاستحباب ، والاختيار ، والإرشاد . وأما الأكل معه ، ففَعلُه لبيانِ الجواز ، وأنَّ هذا ليس بحرام . وقالت فِرْقة أُخرى : بل الخطابُ بهذين الخطابين جزئي لا كلي . فكلُّ واحد خاطبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يليق بحاله ، فبعضُ الناس يكون قوي الإيمان ، قوي التوكل تدفع قوةُ توكله قُوَّةَ العدوى ، كما تدفع قوةُ الطبيعة قوةَ العِلَّة فتُبطلها ، وبعضُ الناس لا يَقوى على ذلك ، فخاطبه بالاحتياط والأخذ بالتحفظ ، وكذلك هو - صلى الله عليه وسلم - فَعل الحالتين معا ، لتقتدي به الأُمة فيهما ، فيأخذ مَن قَوي من أُمته بطريقة التوكل والقُوَّة والثقة بالله ، ويأخذ مَن ضَعف منهم بطريقة التحفظ والاحتياط ، وهما طريقان صحيحان . أحدهما للمؤمن القوي ، والآخر للمؤمن الضعيف ، فتكون لكل واحد من الطائفتين حُجَّةٌ وقُدوةٌ بحسب حالهم وما يناسبهم ، وهذا كما أنه - صلى الله عليه وسلم - كَوى ، وأثنَى على تارِك الكي ، وقرن تركَه بالتوكل ، وتَرَكَ الطِّيرة ، ولهذا نظائرُ كثيرة ، وهذه طريقة لطيفةٌ حسنة جدا مَن أعطاها حقَّها ، ورُزِق فقْه نَفْسه فيها ، أزالت عنه تعارضا كثيرا يظنه بالسُّـنَّةِ الصحيحة . وذهبت فِرقة أُخرى إلى أنَّ الأمر بالفِرار منه ، ومجانبتِه لأمر طبيعي ، وهو انتقالُ الداء منه بواسطة الملامسة والمخالطة والرائحة إلى الصحيح ، وهذا يكون مع تكرير المخالطة والملامسة له ، وأما أكلُه معه مقدارا يسيرا من الزمان لمصلحة راجحة ، فلا بأس به ، ولا تحصُل العدوى مِن مرَّةٍ واحدة ولحظة واحدة ، فنَهى سدا للذريعة ، وحِمايةً للصحة ، وخالطه مخالطةً ما للحاجة والمصلحة ، فلا تعارُضَ بين الأمرين . وقالت طائفة أُخرى : يجوز أن يكونَ هذا المجذومُ الذي أكل معه به من الجُذام أمرٌ يسير لا يُعدي مثله ، وليس الْجَذْمَى كُلُّهم سواءً ، ولا العدوى حاصلة من جميعهم ، بل منهم مَن لا تضرُّ مخالطته ، ولا تُعدي ، وهو مَن أصابه من ذلك شيء يسير ، ثم وقف واستمر على حاله ، ولم يُعْدِ بقيةَ جسمه ، فهو أن لا يعدي غيره أولى وأحرى . وقالت فِرقة أُخرى : إنَّ الجاهلية كانت تعتقد أنَّ الأمراض المعدية تُعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله سبحانه ، فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتقادَهم ذلك ، وأكل مع المجذوم ليُبَيِّنَ لهم أنَّ الله سبحانه هو الذي يُمرض ويَشفي ، ونهى عن القُرب منه ليتبينَ لهم أنَّ هذا من الأسباب التي جعلها الله مُفضية إلى مسبباتها ، ففي نهيه إثباتُ الأسباب ، وفي فعله بيان أنها لا تستقِلُّ بشيء ، بل الربُّ سبحانه إن شاء سلبها قواها ، فلا تؤثر شيئا ، وإن شاء أبقى عليها قُواها فأثَّرت . وقالت فِرقة أُخرى : بل هذه الأحاديث فيها الناسخ والمنسوخ ، فيُنظر في تاريخها ، فإن عُلِمَ المتأخر منها ، حُكِمَ بأنه الناسخ ، وإلا توقفنا فيها . وقالت فِرقة أُخرى : بل بعضُها محفوظ ، وبعضها غيرُ محفوظ ، وتكلمت في حديث : ( لا عَدوَى ) ، وقالت : قد كان أبو هريرة يرويه أوَّلا ، ثم شكَّ فيه فتركه ، وراجعوه فيه ، وقالوا : سمعناك تُحدِّث به ، فأبى أن يُحدِّث به . قال أبو سلمة : فلا أدري ، أنسيَ أبو هريرة ، أم نَسخَ أحدُ الحديثين الآخَر ؟ وأما حديثُ جابر : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيدِ مجذوم ، فأدخلها معه في القصعة ، فحديثٌ لا يثبت ولا يَصِحُّ ، وغاية ما قال فيه الترمذي : إنه غريب ، لم يُصَحِّحْه ولم يُحَسِّنه . وقد قال شعبة وغيرُه : اتقوا هذه الغرائبَ . قال الترمذي : ويُروى هذا من فعل عمر ، وهو أثبت ، فهذا شأنُ هذين الحديثين اللَّذين عُورض بهما أحاديثُ النهي . أحدهما : رجع أبو هريرة عن التحديث به وأنكره . والثاني : لا يَصِحُّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم ، وقد أشبعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب ( المفتاح ) ، بأطولَ من هذا . وبالله التوفيق .
الطب النبويفصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في علاج المصاب بالعَيْنِ · ص 121 فصل في هَدْيه في علاج المصاب بالعَيْنِ روى مسلم في ( صحيحه ) عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : العَيْنُ حَقٌ ولو كان شيء سَابَقَ القَدَرِ ، لَسَبَقتْهُ العَيْنُ . وفي ( صحيحه ) أيضا عن أنس : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رخَّصَ في الرُّقية مِن الحُمَةِ ، والعَيْنِ ، والنَّملةِ . وفي ( الصحيحين ) من حديث أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : العَيْنُ حَقٌ . وفي ( سنن أبي داود ) عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان يُؤمَرُ العائِنُ فيتوضَّأ ، ثم يَغْتَسِلُ منه المَعِينُ . وفي ( الصحيحين ) عن عائشة قالت : أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أَمَرَ أن نَسْتَرْقي من العَيْن . وذكر الترمذي ، من حديث سفيان بن عُيَينةَ ، عن عمرو بن دينار ، عن عروة بن عامر ، عن عُبيد بن رفاعة الزُّرَقي ، أنَّ أسماء بنت عُمَيْس قالت : يا رسولَ الله ؛ إنَّ بَنِي جعفر تُصيبُهم العَينُ ، أفأسترْقي لهم ؟ فقال : نعم فَلَوْ كان شيء يَسْبِقُ القضاءَ لسَبَقَتْهُ العَيْنُ قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وروى مالك رحمه الله ، عن ابن شهابٍ ، عن أبي أُمامةَ بن سهل بن حنيفٍ ، قال : رأى عامرُ بن ربيعة سَهْلَ بن حُنَيف يغتسِلُ ، فقال : واللهِ ما رأيتُ كاليوم ولا جِلْدَ مُخَبَّأة ، قال : فلُبِطَ سَهْلٌ ، فأتى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عامرا ، فتَغَيَّظَ عليه ، وقال : عَلامَ يَقْتُلُ أحدُكُم أخاهُ ؟ ألاَ بَرَّكْتَ ؟ اغْتَسِلْ له ، فغسل له عامرٌ وجهَه ويديه ومِرفَقَيْه ورُكبتيه ، وأطرافَ رِجليه ، وداخِلَة إزاره في قدح ، ثم صبَّ عليه ، فراحَ مع الناس . وروى مالك رحمه الله أيضا عن محمد بن أبي أُمامة بن سهل ، عن أبيه هذا الحديث ، وقال فيه : إنَّ العيْنَ حقٌ ، توضَّأْ لهُ ، فتوضَّأ له . وذكر عبد الرزَّاق ، عن مَعْمَرٍ ، عن ابن طاوس ، عن أبيه مرفوعا : العَيْنُ حَقٌ ، ولو كان شيء سَابَقَ القَدَرَ ، لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ ، وإذا اسْتُغْسِلَ أحدُكمْ ، فَلْيَغْتَسِلْ ، ووصله صحيحٌ . قال الزُّهْري : يُؤْمَر الرجل العائن بقدح ، فيُدخِلُ كفَّه فيه ، فيتمضمض ، ثم يَمُجّه في القدح ، ويغسِلُ وجهه في القدح ، ثم يُدخِل يده اليُسرى ، فيصُبُّ على رُكبته اليُمنى في القَدَح ، ثم يُدخِلُ يده اليُمنى ، فيصُبُّ على رُكبته اليُسرى ، ثم يَغْسِلُ داخِلَة إزارِهِ ، ولا يُوضع القَدَحُ في الأرض ، ثم يُصَبُّ على رأس الرجل الذي تُصيبه العينُ من خلفه صبةً واحدةً . والعَيْن عَيْنان : عَيْنٌ إنسية ، وعَيْنٌ جِنِّية . فقد صح عن أُمِّ سلمةَ ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في بيتها جاريةً في وجهها سَفْعَةٌ ، فقال : اسْتَْرقُوا لها ، فإنَّ بها النَّظرَة . قال الحسين بن مسعود الفرَّاء : وقوله : ( سَفْعَة ) أي : نظرة ، يعني من الجن ، يقول : بها عينٌ أصابْتها من نظَرِ الجن أنفذُ من أسِّـنَة الرِماح . ويُذكر عن جابر يرفعه : إنَّ العَيْنَ لتُدْخِلُ الرجُلَ القَبْرَ ، والجَمَلَ القِدْرَ . وعن أبي سعيد ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوَّذ من الجان ، ومن عَيْن الإنسان . فأبطلت طائفةٌ ممن قلَّ نصيبُهم مِن السمع والعقل أمْرَ العَيْن ، وقالوا : إنما ذلك أوهامٌ لا حقيقةَ لها ، وهؤلاء مِن أجهل الناس بالسَّمعِ والعقل ، ومِن أغلظهم حِجابا ، وأكثفِهم طِباعا ، وأبعدِهم معرفةً عن الأرواح والنفوسِ ، وصفاتها وأفعالِها وتأثيراتها ، وعقلاءُ الأُمم على اختلافِ مِللهم ونِحلهم لا تدفَعُ أمر العَيْن ، ولا تُنكره ، وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العَيْن . فقالت طائفة : إنَّ العائن إذا تكيَّفت نفسُه بالكيفية الرديئة ، انبعث مِن عينه قُوَّةٌ سُمِّيةٌ تتصل بالمَعِين ، فيتضرر . قالوا : ولا يُستنكر هذا ، كما لا يُستنكر انبعاثُ قوة سُمِّية من الأفعى تتصل بالإنسان ، فيهلك ، وهذا أمر قد اشتُهِرَ عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرُها على الإنسان هلك ، فكذلك العائنُ . وقالت فِرقة أُخرى : لا يُستبعد أن ينبعِثَ من عَيْن بعضِ الناس جواهِرُ لطيفة غيرُ مرئية ، فتتصل بالمَعِين ، وتتخلل مسامَ جسمه ، فيحصل له الضررُ . وقالت فِرقة أُخرى : قد أجرى الله العادةَ بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عَيْنِ العائن من يَعِينه مِن غير أن يكون منه قوةٌ ولا سببٌ ولا تأثيرٌ أصلا ، وهذا مذهبُ منكري الأسباب والقُوَى والتأثيرات في العالَم ، وهؤلاء قد سدُّوا على أنفسهم بابَ العِلل والتأثيرات والأسباب ، وخالفوا العقلاء أجمعين . ولا ريب أنَّ اللهَ سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قُوَى وطبائع مختلفة ، وجعل في كثير منها خواصَّ وكيفياتٍ مؤثرة ، ولا يمكن لعاقل إنكارُ تأثير الأرواح في الأجسام ، فإنه أمر مُشاهَدٌ محسوس ، وأنت ترى الوجهَ كيف يحمَرُّ حُمرةً شديدة إذا نظر إليه مَن يحتشِمُه ويَستحيي منه ، ويصفرُّ صُفرة شديدة عند نظر مَن يخافُه إليه ، وقد شاهد الناسُ مَن يَسقَم من النظر وتضعُف قواه ، وهذا كُلُّه بواسطة تأثير الأرواح ، ولشدة ارتباطها بالعَيْن يُنسب الفعل إليها ، وليست هي الفاعلة ، وإنما التأثيرُ للرّوح . والأرواحُ مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها ، فروحُ الحاسد مؤذية للمحسود أذى بيِّنا . ولهذا أمر اللهُ سبحانه رسولَه أن يستعيذَ به من شره . وتأثيرُ الحاسد في أذى المحسود أمرٌ لا يُنكره إلا مَن هو خارج عن حقيقةِ الإنسانية ، وهو أصل الإصابة بالعَيْن ، فإنَّ النفس الخبيثة الحاسدة تتكيَّفُ بكيفية خبيثة ، وتُقَابِلُ المحسود ، فتؤثِّرُ فيه بتلك الخاصِّية ، وأشبهُ الأشياء بهذا الأفعى ، فإن السُّمَّ كامِنٌ فيها بالقوة ، فإذا قابلتْ عدوَّها ، انبعثت منها قوة غضبية ، وتكيَّفتْ بكيفية خبَيثةٍ مؤذية ، فمنها ما تشتدُّ كيفيتُها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين ، ومنها ما تؤثر في طمس البصر ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأَبْتَر ، وذي الطُّفْيَتَيْن مِنَ الحيَّات : إنَّهمَا يَلتَمِسَان البَصَرَ ، ويُسقطان الحَبَلَ . ومنها ما تُؤثر في الإنسان كيفيتُها بمجرد الرؤية من غير اتصال به ، لشدة خُبْثِ تلك النفس ، وكيفيتها الخبيثة المؤثرة ، والتأثيرُ غيرُ موقوف على الاتصالات الجسمية ، كما يظنُّه مَن قلَّ علمُه ومعرفته بالطبيعة والشريعة ، بل التأثيرُ يكون تارةً بالاتصال ، وتارةً بالمقابلة ، وتارةً بالرؤية ، وتارةً بتوجه الرَّوح نحوَ مَن يُؤثر فيه ، وتارةً بالأدعية والرُّقَى والتعوُّذات ، وتارةً بالوهم والتخيُّل ، ونفسُ العائن لا يتوقفُ تأثيرُها على الرؤية ، بل قد يكون أعمى ، فيُوصف له الشيء ، فتؤثِّرُ نفسه فيه ، وإن لم يره ، وكثيرٌ من العائنين يُؤثر في المَعِين بالوصف من غير رؤية ، وقد قال تعالى لنبيه : وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وقال : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ فكلُّ عائنٌ حاسدٌ ، وليس كلُّ حاسد عائنا . فلمَّا كان الحاسد أعمَّ من العائن ، كانت الاستعاذةُ منه استعاذةً من العائن ، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحوَ المحسود والمَعِين تُصيبُه تارةً وتُخطئه تارة ، فإن صادفته مكشوفا لا وِقاية عليه ، أثَّرتْ فيه ، ولا بُدَّ ، وإن صادفته حَذِرا شاكيَ السِّلاح لا منفذَ فيهِ للسهام ، لم تُؤثر فيه ، وربما رُدَّتْ السهامُ على صاحبها ، وهذا بمثابة الرمي الحِسِّي سواء ، فهذا مِن النفوس والأرواح ، وذاك مِن الأجسام والأشباح . وأصلُه مِن إعجاب العائن بالشيء ، ثم تتبعه كيفيةُ نفسِه الخبيثة ، ثم تستعينُ على تنفيذ سُمِّها بنظرة إلى المَعِين ، وقد يَعِينُ الرجلُ نفسَه ، وقد يَعينُ بغير إرادته ، بل بطبعه ، وهذا أردأ ما يكونُ من النوع الإنساني ، وقد قال أصحابُنا وغيرُهم من الفقهاء : إنَّ مَن عُرِفَ بذلك ، حبَسه الإمامُ ، وأجرَى له ما يُنفِقُ عليه إلى الموت ، وهذا هو الصوابُ قطعا .