[ 8 ] ( 11 ) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ . فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ . فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ فَقَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ . وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ . قَالَ : فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ . [ 9 ] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَفْلَحَ - وَأَبِيهِ - إِنْ صَدَقَ . أَوْ : دَخَلَ الْجَنَّةَ - وَأَبِيهِ - إِنْ صَدَقَ . ( 2 ) بَابُ بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فِيهِ ( قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ ) اخْتُلِفَ فِيهِ ؛ فَقِيلَ : قُتَيْبَةُ اسْمُهُ . وَقِيلَ : بَلْ هُوَ لَقَبٌ ، وَاسْمُهُ عَلِيٌّ ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ . وَقِيلَ : اسْمُهُ يَحْيَى . قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( الثَّقَفِيُّ ) فَهُوَ مَوْلَاهُمْ ، قِيلَ : إِنَّ جَدَّهُ جَمِيلًا كَانَ مَوْلًى لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ . وَفِيهِ : ( أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ ) اسْمُ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيُّ ، وَنَافِعٌ عَمُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْإِمَامِ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ ) هُوَ بِرَفْعِ ( ثَائِرٍ ) صِفَةٌ لِرَجُلٍ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ . وَمَعْنَى ( ثَائِرَ الرَّأْسِ ) : قَائِمٌ شَعْرُهُ مُنْتَفِشُهُ . وَقَوْلُهُ : ( نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ ) رُوِيَ : ( نَسْمَعُ وَنَفْقَهُ ) ؛ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ فِيهِمَا . وَرُوِيَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ ، الْمَضْمُومَةِ فِيهِمَا . وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَشْهَرُ الْأَكْثَرُ الْأَعْرَفُ . وَأَمَّا ( دَوِيَّ صَوْتِهِ ) فَهُوَ بُعْدُهُ فِي الْهَوَاءِ ، وَمَعْنَاهُ شِدَّةُ صَوْتٍ لَا يُفْهَمُ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . وَحَكَى صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ " فِيهِ ضَمَّ الدَّالِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ) الْمَشْهُورُ فِيهِ ( تَطَّوَّعَ ) الطَّاءِ عَلَى إِدْغَامِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الطَّاءِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى الْحَذْفِ . قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ " اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، وَمَعْنَاهُ : لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَكَ أَنْ تَطَّوَّعَ . وَجَعَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا ، وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ أَوْ صَوْمِ نَفْلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ . وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِتْمَامُ وَلَا يَجِبُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ) قِيلَ : هَذَا الْفَلَاحُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهُ : لَا أَنْقُصُ ؛ خَاصَّةً . وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الْمَجْمُوعِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ كَانَ مُفْلِحًا لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ ، وَمَنْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ فَهُوَ مُفْلِحٌ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ لَا يَكُونُ مُفْلِحًا لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ فَلَأَنْ يُفْلِحَ بِالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ أَوْلَى . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ : لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَمِيعُ الْوَاجِبَاتِ وَلَا الْمَنْهِيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا السُّنَنِ الْمَنْدُوبَاتِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ تُوَضِّحُ الْمَقْصُودَ ، قَالَ : فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيَّ شَيْئًا . فَعَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ : بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، وَقَوْلِهِ : مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ ؛ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِي الْفَرَائِضِ . وَأَمَّا النَّوَافِلُ فَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ شَرْعِهَا ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَا أَزِيدُ فِي الْفَرْضِ بِتَغْيِيرِ صِفَتِهِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : لَا أُصَلِّي الظُّهْرَ خَمْسًا ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي النَّافِلَةَ مَعَ أَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْفَرَائِضِ ، وَهَذَا مُفْلِحٌ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ مَذْمُومَةٌ وَتُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ بَلْ هُوَ مُفْلِحٌ نَاجٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْحَجِّ ، وَلَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَا غَيْرُ هَذَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَمْ يُذْكَرْ فِي بَعْضِهَا الصَّوْمُ ، وَلَمْ يُذْكَرُ فِي بَعْضِهَا الزَّكَاةُ ، وَذُكِرَ فِي بَعْضِهَا صِلَةُ الرَّحِمِ ، وَفِي بَعْضِهَا أَدَاءُ الْخُمُسِ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي بَعْضِهَا ذِكْرُ الْإِيمَانِ ، فَتَفَاوَتَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي عَدَدِ خِصَالِ الْإِيمَانِ زِيَادَةً وَنَقْصًا وَإِثْبَاتًا وَحَذْفًا . وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَنْهَا بِجَوَابٍ لَخَّصَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَّبَهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ صَادِرٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ هُوَ مِنْ تَفَاوُتِ الرُّوَاةِ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ ; فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا حَفِظَهُ فَأَدَّاهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا زَادَهُ غَيْرُهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ ، وإِنْ كَانَ اقْتِصَارُهُ عَلَى ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ الْكُلُّ ، فَقَدْ بَانَ بِمَا أَتَى بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الثِّقَاتِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْكُلِّ ، وَأَنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَيْهِ كَانَ لِقُصُورِ حِفْظِهِ عَنْ تَمَامِهِ . أَلَا تَرَى حَدِيثَ النُّعْمَانِ بْنِ قَوْقَلٍ الْآتِي قَرِيبًا ؟ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي خِصَالِهِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَعَ أَنَّ رَاوِيَ الْجَمِيعِ رَاوٍ وَاحِدٍ وَهُوَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ . ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِيرَادِ الْجَمِيعِ فِي الصَّحِيحِ لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ مِنْ أَنَّا نَقْبَلُهَا ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَهُوَ تَقْرِيرٌ حَسَنٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفْلَحَ - وَأَبِيهِ - إِنْ صَدَقَ ) هَذَا مِمَّا جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنِ الْجَوَابِ عَنْهُ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ " لَيْسَ هُوَ حَلِفًا ؛ إِنَّمَا هُوَ كَلِمَةٌ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ تُدْخِلَهَا فِي كَلَامِهَا غَيْرَ قَاصِدَةٍ بِهَا حَقِيقَةَ الْحَلِفِ . وَالنَّهْيُ إِنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ الْحَلِفِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْظَامِ الْمَحْلُوفِ بِهِ وَمُضَاهَاتِهِ بِهِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الْمُرْضِي ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الَّتِي أُطْلِقَتْ فِي بَاقِي الْأَحَادِيثِ هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَأَنَّهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِهَا ، وَقَوْلُنَا بِهَا احْتِرَازٌ مِنَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَإِنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ إِلَّا الصَّلَاةَ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ . وَفِيهِ أَنَّ وُجُوبَ صَلَاةِ اللَّيْلِ مَنْسُوخٌ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي نَسْخِهِ فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَصَحُّ نَسْخُهُ . وَفِيهِ أَنَّ صَلَاةَ الْوِتْرِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ أَيْضًا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَطَائِفَةٌ إِلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ ، وَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَا غَيْرِهِ سِوَى رَمَضَانَ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ؛ هَلْ كَانَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا قَبْلَ إِيجَابِ رَمَضَانَ أَمْ كَانَ الْأَمْرُ بِهِ نَدْبًا ؟ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَظْهَرُهُمَا : لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا . وَالثَّانِي : كَانَ وَاجِبًا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ · ص 138 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب وُجُوبِ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ · ص 156 ( 2 ) بَابُ وُجُوبِ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ 11 - [ 9 ] عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ، قال : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَهلِ نَجْدٍ ، ثَائِرُ الرَّأْسِ ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ ، وَلا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِذَا هو يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ فَقَالَ : لا ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ ، وَصِيَامُ شَهرِ رَمَضَانَ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ َقَالَ : لا ، إِلاّ أَنْ تَطَّوَّعَ ، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الزَّكَاةَ ، فقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لا ، إِلاّ أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ : فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وهو يَقُولُ : وَالله ، لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا ، وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ!! فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ، أو : دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ . ( 2 ) ومِنْ بَابِ وُجُوبِ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ الشرائع : جمع شَرِيعَةٍ ، وهي في أصل اللغة : مَشْرَعَةُ الماء ، وهي مَوْرِدُ الشارعة ، فسمِّيَتْ شرائعُ الإسلام بذلك ؛ لأنَّهَا الأحكامُ التي لا بُدَّ للمكلَّفين من الورود عليها والعمل بها . و ( قوله : جاء رَجُلٌ مِنْ أهل نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ ) قيل : إن هذا الرجل هو ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ الذي سمَّاه البخاريُّ في حديث أنسٍ المذكورِ بعدَ هذا ، وإنَّ الحديثَيْن حديثٌ واحد ، وهذا فيه بُعْدٌ ؛ لاختلافِ مساقهما ، وتباينِ الأَسْئلَةِ فيهما ، ولزيادةِ الحجِّ في حديث أنس ، ويبعُدُ الجَمْعُ بينهما ؛ فالأَوْلَى أن يقال : هما حديثانِ مختلفانِ ، وكذلك القَوْلُ في كُلِّ ما يَرِدُ من الأحاديث التي فيها الأسئلةُ المختلفة ؛ كحديث أبي أيُّوبَ ، وجابرٍ ، وغيرِهما ممّا يُذْكَرُ بعد هذا . وقد رام بعضُ العلماءِ الجَمْعَ بينها ، وزَعَم أنَّها كلَّها حديثٌ واحد ، فادَّعَى فَرَطَا ، وتكلَّف شَطَطَا ، من غير ضرورةٍ نقليّةٍ ، ولا عقليّةٍ . والنَّجْدُ : المرتفعُ من الأرض ، والغَوْرُ : المنخفض منها ، وهما بحكم العرف جهتانِ مخصوصتان . وثائرُ الرأس : منتفشُ الشَّعْرِ مرتفعُهُ ، مِنْ قولهم : ثار الشَّيْءُ : إذا ارتفَعَ ، ومنه : ثارَتِ الفتنةُ ، وهذه صفةُ أهلِ البادية غالبًا . و ( قوله : نسْمَعُ دَوِيّ صَوْتِهِ ولا نفْقَهُ مَا يَقُولُ ) رويناه : يُسْمَع ، ويُفْقَه بالياء اثنتين من تحتها مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ ، وبالنون فيهما للفاعل ، وكلاهما واضحُ الصحَّة ، وإنَّمَا لم يفهموا ما يقولُ ؛ لأنَّه نادى مِنْ بُعْدٍ ، فلمَّا دنا فهموه ؛ كما قال : حتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - . و ( قوله : فَإِذَا هو يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ ) إذا هذه هي المفَاجِئَةُ التي تقدَّم ذِكْرها . وهذا السائلُ إنَّما سَأَلَ عن شرائعِ الإسلام ، لا عن حقيقة الإسلام ؛ إذْ لو كان ذلك ، لأجَابَهُ بما أجاب به جبريلَ - عليه السلام - في حديثه ، ولِمَا رواه البخاريُّ في هذا الحديث ؛ فإنَّه قال : فأخبرَهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائعِ الإسلام ، وكأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَهِمَ عنه أَنَّهُ إِنَّما سأل عمَّا تعيَّن فعلُهُ مِنْ شرائعِ الإسلام الفعليَّة لا القلبيَّة ؛ ولذلك لم يذكُرْ له : أَنْ تشهَدَ أنْ لا إِلَهَ إلاَّ الله ، وأنَّ محمَّدًا رسول الله ، وكذلك لم يذكُرْ له الحَجَّ ؛ لأَنَّهُ لم يكنْ واجبًا عليه ؛ لأنَّه غيرُ مستطيع ، أو لأنَّ الحجَّ على التراخي ، أو لأنَّهُ كان قبل فَرْضِ الحجِّ ، والله أعلم ، وسيأتي ذكر الاختلافُ في وقت فرضِ الحجِّ . و ( قوله : خمسُ صَلَواتٍ فِي الْيَوْمِ واللَّيْلَةِ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ فقال : لاَ يدُلُّ هذا على أنَّ الوِتْرَ ليس بلازمٍ ولا واجب ؛ وهو مذهبُ الجمهور ، وخالفهم أبو حنيفة ، فقال : إنَّه واجبٌ ، ولا يسمِّيه فرضًا ؛ لأنَّ الفرضَ عنده ما كان مقطوعًا بلزومه ؛ كالصلوات الخمس . و ( قوله : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ فَقَالَ : لاَ ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ ) ظاهرٌ في أنَّ معنى هذا الكلامِ : هل يجبُ عليَّ مِنْ تطوعِ الصلواتِ شيءٌ غيرُ هذه الخَمْس ؟ فأجابه : بأَنَّهُ لا يَجِبُ عليه شيءٌ ، إلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ ، فَيَجِبُ عليك . وهذا ظاهرٌ ؛ لأنَّ أصلَ الاستثناءِ من الجنس ، والاستثناءُ من غير الجنس مُختَلَفٌ فيه ، ثُمَّ هو مَجَازٌ عند القائلِ به . فإذا حَمَلْنَاه على الاستثناءِ المتَّصِل ، لَزِمَ منه أن يكون التطوُّعُ واجبًا ، ولا قائلَ به ؛ لاستحالتِهِ وتناقُضِهِ ، فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذهب إليه مالكٌ ، وهو أنَّ التطوُّعَ يصيرُ واجبًا بنفس الشروع فيه ، كما يصير واجبًا بالنذر ؛ فالشروعُ فيه التزامٌ له ؛ وحينئذٍ : يكونُ معنى قوله : أن تَطَّوَّعَ : أن تشرَعَ فيه وتبتدئه ، ومن ادَّعى أنَّه استثناءٌ من غير الجنسِ ، طولبَ بتصحيحِ ما ادَّعاه ، وتمسَّك مانعُهُ بالأصل الذي قرَّرناه . و ( قوله : فأدبر الرجل وهو يقول : واللهِ لا أزيد على هذا ولا أنقص ) قيل معناه : لا أُغيِّر الفروض المذكورة بزيادة فيها ولا نقصان منها . ولا يصحّ أن يقال : إنّ معناه : لا أفعل شيئًا زائدًا على هذه الفرائض المذكورة من السنن ، ولا من فروض أُخَر إن فُرضتْ ، فإنّ ذلك لا يجوزُ أن يقوله ولا يعتقده ؛ لأنَّهُ مُنْكَرٌ ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يُقِرُّ على مثله . و ( قوله : أَفْلَحَ وأَبِيهِ إنْ صَدَقَ ) أي : فاز بمطلوبه ؛ قال الهَرَوِيُّ : العرب تقول لكلِّ من أصاب خيرًا : مُفْلِح ، قال ابنُ دُرَيْدٍ : أَفْلَحَ الرجلُ وأَنْجَحَ : إذا أدرَكَ مطلوبَهُ . وأصلُ الفلاح الشَّقُّ والقطع ؛ قال الشاعر : . . . . . . . . . . . إِنَّ الْحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلَح أي : يُشَقّ ؛ فكأنَّ المُفْلِحَ قد قطَعَ المصاعبَ حتَّى نال مطلوبَهُ . وقد استُعْمِلَ الفلاحُ في البقاء . كما قال : لَو كَانَ حَيٌّ مُدْرِكَ الفَلاَحِ أدْرَكَهَا مُلاعِبُ الرِّمَاحِ وقال آخر : نَحُلُّ بِلاَدًا كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا وَنَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ و ( قوله : وأبيه ) الروايةُ الصحيحةُ التي لا يُعْرَفُ غيرُها هكذا ، بصيغة القسم بالأب . وقال بعضهم : إنَّما هي : واللهِ وصُحِّفَتْ بأَنْ قُصِرَتِ اللامان ؛ فالتبسَتْ بأبيه ؛ وهذا لا يُلتَفَتُ إليه ؛ لأَنَّهُ تقديرٌ يَخْرِمُ الثقةَ برواية الثقاتِ الأثبات . وإنَّما صار هذا القائلُ إلى هذا الاحتمال ؛ لِمَا عارضَهُ عنده مِنْ نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بالآباء ؛ حيثُ قال : لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ؛ مَنْ كاَنَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ أو لِيَصْمُتْ . وَيُنْفَصَلُ عن هَذَا مِنْ وجهين : أحدهما : أَنْ يقال : إنَّ هذا كان قبل النَّهيِ عن ذلك . والثاني : أن يكونَ ذلك جَرَى على اللسان بِحُكْمِ السَّبْقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ للحَلِفِ به ، كما جَرَى منه : تَرِبَتْ يمِينُكِ ، وعَقْرَى حَلْقَى ، وهذه عادةٌ عربيَّةٌ بشريَّةٌ لا مؤاخذةَ عليها ، ولا ذمَّ يتعلَّق بها . وقد جاء في هذا الحديث : الصدقُ في الخبر المستقبل ، وهو رَدٌّ على ابن قتيبة إذْ قال : الصِّدْقَ إنّما يدخُلُ على الماضي ، والخُلْفَ في المستقبل ، ويَرُدُّ عليه أيضًا قولُهُ تعالى : ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ . و ( قوله : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ أو : دَخَلَ الجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ) هذا شكٌّ من بعض الرواة في هذا الطريق ، وقد جاء طريقٌ آخَرُ بالجزم على أحدهما ؛ كما تقدَّم . ثم معنى اللفظَيْن واحدٌ ، فلا يَضُرُّ الشكّ ، وإنَّما ذكره الراوي متحرِّيًا .