حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب وُجُوبِ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ

) بَابُ وُجُوبِ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ 11 - [ 9 ] عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ، قال : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَهلِ نَجْدٍ ، ثَائِرُ الرَّأْسِ ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ ، وَلا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِذَا هو يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ فَقَالَ : لا ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ ، وَصِيَامُ شَهرِ رَمَضَانَ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ َقَالَ : لا ، إِلاّ أَنْ تَطَّوَّعَ ، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الزَّكَاةَ ، فقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لا ، إِلاّ أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ : فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وهو يَقُولُ : وَالله ، لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا ، وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ!! فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ، أو : دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ . ( 2 ) ومِنْ بَابِ وُجُوبِ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ الشرائع : جمع شَرِيعَةٍ ، وهي في أصل اللغة : مَشْرَعَةُ الماء ، وهي مَوْرِدُ الشارعة ، فسمِّيَتْ شرائعُ الإسلام بذلك ؛ لأنَّهَا الأحكامُ التي لا بُدَّ للمكلَّفين من الورود عليها والعمل بها .

و ( قوله : جاء رَجُلٌ مِنْ أهل نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ ) قيل : إن هذا الرجل هو ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ الذي سمَّاه البخاريُّ في حديث أنسٍ المذكورِ بعدَ هذا ، وإنَّ الحديثَيْن حديثٌ واحد ، وهذا فيه بُعْدٌ ؛ لاختلافِ مساقهما ، وتباينِ الأَسْئلَةِ فيهما ، ولزيادةِ الحجِّ في حديث أنس ، ويبعُدُ الجَمْعُ بينهما ؛ فالأَوْلَى أن يقال : هما حديثانِ مختلفانِ ، وكذلك القَوْلُ في كُلِّ ما يَرِدُ من الأحاديث التي فيها الأسئلةُ المختلفة ؛ كحديث أبي أيُّوبَ ، وجابرٍ ، وغيرِهما ممّا يُذْكَرُ بعد هذا . وقد رام بعضُ العلماءِ الجَمْعَ بينها ، وزَعَم أنَّها كلَّها حديثٌ واحد ، فادَّعَى فَرَطَا ، وتكلَّف شَطَطَا ، من غير ضرورةٍ نقليّةٍ ، ولا عقليّةٍ . والنَّجْدُ : المرتفعُ من الأرض ، والغَوْرُ : المنخفض منها ، وهما بحكم العرف جهتانِ مخصوصتان .

وثائرُ الرأس : منتفشُ الشَّعْرِ مرتفعُهُ ، مِنْ قولهم : ثار الشَّيْءُ : إذا ارتفَعَ ، ومنه : ثارَتِ الفتنةُ ، وهذه صفةُ أهلِ البادية غالبًا . و ( قوله : نسْمَعُ دَوِيّ صَوْتِهِ ولا نفْقَهُ مَا يَقُولُ ) رويناه : يُسْمَع ، ويُفْقَه بالياء اثنتين من تحتها مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ ، وبالنون فيهما للفاعل ، وكلاهما واضحُ الصحَّة ، وإنَّمَا لم يفهموا ما يقولُ ؛ لأنَّه نادى مِنْ بُعْدٍ ، فلمَّا دنا فهموه ؛ كما قال : حتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - . و ( قوله : فَإِذَا هو يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ ) إذا هذه هي المفَاجِئَةُ التي تقدَّم ذِكْرها .

وهذا السائلُ إنَّما سَأَلَ عن شرائعِ الإسلام ، لا عن حقيقة الإسلام ؛ إذْ لو كان ذلك ، لأجَابَهُ بما أجاب به جبريلَ - عليه السلام - في حديثه ، ولِمَا رواه البخاريُّ في هذا الحديث ؛ فإنَّه قال : فأخبرَهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائعِ الإسلام ، وكأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَهِمَ عنه أَنَّهُ إِنَّما سأل عمَّا تعيَّن فعلُهُ مِنْ شرائعِ الإسلام الفعليَّة لا القلبيَّة ؛ ولذلك لم يذكُرْ له : أَنْ تشهَدَ أنْ لا إِلَهَ إلاَّ الله ، وأنَّ محمَّدًا رسول الله ، وكذلك لم يذكُرْ له الحَجَّ ؛ لأَنَّهُ لم يكنْ واجبًا عليه ؛ لأنَّه غيرُ مستطيع ، أو لأنَّ الحجَّ على التراخي ، أو لأنَّهُ كان قبل فَرْضِ الحجِّ ، والله أعلم ، وسيأتي ذكر الاختلافُ في وقت فرضِ الحجِّ . و ( قوله : خمسُ صَلَواتٍ فِي الْيَوْمِ واللَّيْلَةِ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ فقال : لاَ يدُلُّ هذا على أنَّ الوِتْرَ ليس بلازمٍ ولا واجب ؛ وهو مذهبُ الجمهور ، وخالفهم أبو حنيفة ، فقال : إنَّه واجبٌ ، ولا يسمِّيه فرضًا ؛ لأنَّ الفرضَ عنده ما كان مقطوعًا بلزومه ؛ كالصلوات الخمس . و ( قوله : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ فَقَالَ : لاَ ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ ) ظاهرٌ في أنَّ معنى هذا الكلامِ : هل يجبُ عليَّ مِنْ تطوعِ الصلواتِ شيءٌ غيرُ هذه الخَمْس ؟ فأجابه : بأَنَّهُ لا يَجِبُ عليه شيءٌ ، إلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ ، فَيَجِبُ عليك .

وهذا ظاهرٌ ؛ لأنَّ أصلَ الاستثناءِ من الجنس ، والاستثناءُ من غير الجنس مُختَلَفٌ فيه ، ثُمَّ هو مَجَازٌ عند القائلِ به . فإذا حَمَلْنَاه على الاستثناءِ المتَّصِل ، لَزِمَ منه أن يكون التطوُّعُ واجبًا ، ولا قائلَ به ؛ لاستحالتِهِ وتناقُضِهِ ، فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذهب إليه مالكٌ ، وهو أنَّ التطوُّعَ يصيرُ واجبًا بنفس الشروع فيه ، كما يصير واجبًا بالنذر ؛ فالشروعُ فيه التزامٌ له ؛ وحينئذٍ : يكونُ معنى قوله : أن تَطَّوَّعَ : أن تشرَعَ فيه وتبتدئه ، ومن ادَّعى أنَّه استثناءٌ من غير الجنسِ ، طولبَ بتصحيحِ ما ادَّعاه ، وتمسَّك مانعُهُ بالأصل الذي قرَّرناه . و ( قوله : فأدبر الرجل وهو يقول : واللهِ لا أزيد على هذا ولا أنقص ) قيل معناه : لا أُغيِّر الفروض المذكورة بزيادة فيها ولا نقصان منها .

ولا يصحّ أن يقال : إنّ معناه : لا أفعل شيئًا زائدًا على هذه الفرائض المذكورة من السنن ، ولا من فروض أُخَر إن فُرضتْ ، فإنّ ذلك لا يجوزُ أن يقوله ولا يعتقده ؛ لأنَّهُ مُنْكَرٌ ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يُقِرُّ على مثله . و ( قوله : أَفْلَحَ وأَبِيهِ إنْ صَدَقَ ) أي : فاز بمطلوبه ؛ قال الهَرَوِيُّ : العرب تقول لكلِّ من أصاب خيرًا : مُفْلِح ، قال ابنُ دُرَيْدٍ : أَفْلَحَ الرجلُ وأَنْجَحَ : إذا أدرَكَ مطلوبَهُ . وأصلُ الفلاح الشَّقُّ والقطع ؛ قال الشاعر : .

إِنَّ الْحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلَح أي : يُشَقّ ؛ فكأنَّ المُفْلِحَ قد قطَعَ المصاعبَ حتَّى نال مطلوبَهُ . وقد استُعْمِلَ الفلاحُ في البقاء . كما قال : لَو كَانَ حَيٌّ مُدْرِكَ الفَلاَحِ أدْرَكَهَا مُلاعِبُ الرِّمَاحِ وقال آخر : نَحُلُّ بِلاَدًا كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا وَنَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ و ( قوله : وأبيه ) الروايةُ الصحيحةُ التي لا يُعْرَفُ غيرُها هكذا ، بصيغة القسم بالأب .

وقال بعضهم : إنَّما هي : واللهِ وصُحِّفَتْ بأَنْ قُصِرَتِ اللامان ؛ فالتبسَتْ بأبيه ؛ وهذا لا يُلتَفَتُ إليه ؛ لأَنَّهُ تقديرٌ يَخْرِمُ الثقةَ برواية الثقاتِ الأثبات . وإنَّما صار هذا القائلُ إلى هذا الاحتمال ؛ لِمَا عارضَهُ عنده مِنْ نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بالآباء ؛ حيثُ قال : لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ؛ مَنْ كاَنَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ أو لِيَصْمُتْ . وَيُنْفَصَلُ عن هَذَا مِنْ وجهين : أحدهما : أَنْ يقال : إنَّ هذا كان قبل النَّهيِ عن ذلك .

والثاني : أن يكونَ ذلك جَرَى على اللسان بِحُكْمِ السَّبْقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ للحَلِفِ به ، كما جَرَى منه : تَرِبَتْ يمِينُكِ ، وعَقْرَى حَلْقَى ، وهذه عادةٌ عربيَّةٌ بشريَّةٌ لا مؤاخذةَ عليها ، ولا ذمَّ يتعلَّق بها . وقد جاء في هذا الحديث : الصدقُ في الخبر المستقبل ، وهو رَدٌّ على ابن قتيبة إذْ قال : الصِّدْقَ إنّما يدخُلُ على الماضي ، والخُلْفَ في المستقبل ، ويَرُدُّ عليه أيضًا قولُهُ تعالى : ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ . و ( قوله : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ أو : دَخَلَ الجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ) هذا شكٌّ من بعض الرواة في هذا الطريق ، وقد جاء طريقٌ آخَرُ بالجزم على أحدهما ؛ كما تقدَّم .

ثم معنى اللفظَيْن واحدٌ ، فلا يَضُرُّ الشكّ ، وإنَّما ذكره الراوي متحرِّيًا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث