حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب مَعَانِي الإِْيمَانِ وَالإِْسْلاَمِ وَالإِْحْسَانِ شَرْعًا

[ 8 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : سَلُونِي ، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ ، فَقَالَ : يَا رسولَ الله ، مَا الإِْسْلاَمُ ؟ قَالَ : أَلاَّ تُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا - فِي رِوَايَةٍ : تَعْبُدُ اللهَ ، لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا - وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ - فِي رِوَايَةٍ : الْمَكْتُوبَةَ - وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ - فِي رِوَايَةٍ : الْمَفْرُوضَةَ - وَتَصُومُ رَمَضَانَ . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : يَا رسولَ الله ، مَا الإِيمَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخر ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ .

قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : يَا رسولَ الله ، مَا الإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ؛ فَإِنَّكَ إِنْ لاَ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ . قَالَ : صَدَقْتَ .

قَالَ : يَا رسولَ الله ، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ ؟ قَالَ : مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا : إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : رُدُّوهُ عَلَيَّ ، فَالْتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : هَذَا جِبْرِيلُ ، أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا . وَفِي رِوَايَةٍ : إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعْلَهَا يَعْنِي : السَّرَارِيَّ . ( قوله عليه الصلاة والسلام - : سَلُونِي ؛ فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ ) كان هذا منه لمَّا أكثروا عليه من الأسئلة ، واستشعروا أنّه كان هناك مَنْ سأل تعنتًا وتجهيلاً ، فَغَضِبَ لذلك حتى احمَرَّ وجهُهُ ، وجعَلَ يقول : سلوني سلوني ؛ فوالله لا تسألوني عن شَيْءٍ إلا أخبرتُكُمْ به ما دُمْتُ في مقامي هذا فدخل الناسَ مِنْ ذلك خوفٌ ، فلم يَزَلْ كذلك حتَّى بَرَكَ عمَرُ بين يدَيْهِ ، وجعل يقول : رَضِينَا باللهِ رَبًّا ، وبالإسلامِ دِينًا ، وبمحمَّدٍ رسولاً ، حتى سكَنَ غضبه - صلى الله عليه وسلم - ، وسيأتي الحديث بكماله .

وفي ذلك الوقت أنزَلَ اللهُ تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ؛ فانكفَّ الناسُ عن سؤالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولذلك قال : نُهِينَا أن نسأَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء ؛ فلمَّا انكفُّوا عن ذلك ؛ امتثالاً لأمر الله تعالى ، وتعظيمًا لحرمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، عَلِمَ اللهُ ذلك منهم ، فأرسَلَ السائلَ البصير ، فأجابه العالِمُ الخبير ، فجعلَ العلم للسامعينَ الممتثلينَ مِن غير سؤال ، كما قد كَفَى اللهُ المؤمنينَ القتالَ ، وقد نبَّه على ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : هذا جِبْرِيلُ ؛ أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا . وقولُهُ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في جوابه عن الإسلام : تعبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، بدَلَ قوله في حديث عمر : أن تَشْهَدَ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ . إلى آخره ، فهو نقلٌ بالمعنى ، وحديثُ عمر نَقْلٌ باللفظ ، والله أعلم .

وتقييدُهُ في هذا الحديث الصلاةَ بالمكتوبة ، والزكاةَ بالمفروضة : دليلٌ على أنَّ النوافلَ لا تدخُلُ في مسمَّى الإسلامِ الشرعيِّ ، فيخرُجُ منه الصلواتُ المسنونات وغيرها ، وزكاةُ الفِطْرِ على قولِ مَنْ يَرى أنها سنَّة ، وصدقاتُ التطوُّع ، وهذا كلّه يدور على القولِ بدليلِ الخطاب على ما أوضَحْناه في الأصول . و ( قوله : وَتَصُومُ رَمَضَانَ ) دليلٌ على جواز قول القائل : رمضانُ ، من غير إضافة الشهر إليه ؛ خلافًا لمن يقول : لا يقالُ إلا شَهرُ رمضان ؛ متمسكاً في ذلك بحديثٍ لا يَصِحُّ ، وهو أنَّه يروى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : لا تقولوا رمضانُ ، فإنَّ رَمَضَانَ اسمٌ من أسماء الله تعالى . خرَّجه ابنُ عَدِيٍّ مِنْ حديثِ أبي مَعْشَرٍ نَجِيحٍ ، ولا يُحْتَجُّ به .

ولو سلَّمنا صِحَّته ، لكانت الأحاديث التي فيها ذِكْرُ رمضان من غير شهر الأولى ؛ لأنّها أصحُّ وأشهر ، ولأنَّ مثبته منكر ؛ إذْ لم يُوجَدْ في شيءٍ من أسماء الله تعالى رمضان ، ولأنَّ المعنى الذي اشتُقَّ منه رمضان محالٌ على الله تعالى . وحُكِيَ عن القاضي أبي بكر بْنِ الطَّيِّبِ أنه قال : إنما يُكْرَهُ ذلك فيما يُدْخل في الكلام لَبْسًا ؛ مِثلُ : جاء رَمضانٌ ، ودخل رمضانُ ، وأما : صُمْنَا رمضانَ ، فلا بأس به . و ( قوله : متى تقومُ السَّاعَةُ ؟ ) مقصودُ هذا السؤالِ امتناعُ السامعين مِنَ السؤال عنها ؛ إذْ قد كانوا أكثروا السؤال عن تعيينِ وقتها ؛ كما قال تعالى : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا و يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ وهو كثيرٌ في الكتابِ والسنَّة ، فلمَّا أجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنّه لا يَعْلَمُها إلا الله ، يَئِسَ السائلون مِنْ معرفتها ، فانكفُّوا عن السؤال عنها ، وهذا بخلاف الأَسْئلَةِ الأُخَرِ ؛ فإنَّ مقصودها : استخراجُ الأجوبةِ عنها ليستعملها السامعون ، ويعمل بها العاملون .

و ( قوله : سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا ) وفي حديث عمر قال : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا ، ووجه التلفيق : أنَّه لم يقلْ له النبي - صلى الله عليه وسلم - : سَأُحَدِّثُك عَنْ أَشْرَاطِهَا ، حتَّى قال له جبريلُ : فَأَخْبِرْني عَنْ أَمَارَتِهَا ؛ فذكر في إحدى الروايَتَيْنِ السؤالَ والجواب ، وفي الأخرى الجوابَ فقط ، والله أعلم . وقد اقتصَرَ في هذا الحديث على ذِكْرِ بعضِ الأشراط التي يكونُ وقوعُهَا قريبًا مِنْ زمانه ، وإِلاَّ فالشروطُ كثيرةٌ ، وهي أكثَرُ مما ذكر هنا ؛ كما دَلَّ عليه الكتاب والسنة . ثم إنها منقسمةٌ إلى ما يكونُ مِنْ نوعِ المعتاد : كهذه الأشراطِ المذكورة في هذا الحديث ، وكرفع العِلْمِ وظهورِ الجهل وكثرةِ الزنى وشربِ الخمر إلى غير ذلك ، وأما التي ليست من النوع المعتاد : فكخروج الدَّجَّال ، ونزولِ عيسى ابْنِ مريم ، وخروجِ يأجوجَ ومأجوجَ ، ودابَّةِ الأرض ، وطلوعِ الشمس من مَغْرِبها ، والدُّخَانِ ، والنَّارِ التي تسوقُ الناسَ وتحشُرُهم ؛ على ما يأتي .

و ( قوله : في خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ ) فيه حذفٌ وتوسُّع ، أي : هي من الخَمْس التي قد انفرَدَ الله بعلمها ، أو في عددهنَّ ؛ فلا مطمَعَ لأحدٍ في عِلْمِ شيء من هذه الأمور الخمس ، ولقوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ؛ فلا طريقَ لِعِلْمِ شيءٍ من ذلك إلا أن يُعْلِمَ اللهُ تعالى بذلك - أو بشيءٍ منه - أحداً ممن شاءه ؛ كما قال تعالى : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ . فمَنِ ادعَى عِلْمَ شيء من هذه الأمور ، كان في دعواه كاذبًا ، إلا أن يُسْنِدَ ذلك إلى رسولٍ بطريقٍ تُفيدُ العِلْمَ القطعيَّ ؛ ووجودُ ذلك متعذِّر بل ممتنعٌ . وأما ظنُّ الغيب فلم يتعرَّض شيءٌ من الشرع لنفيِهِ ولا لإثباتٍه ؛ فقد يجوزُ أن يَظُنَّ المنجِّمُ - أو صاحبُ خَطِّ الرَّمْلِ ، أو نحو هذا - شيئًا مما يقعُ في المستقبل ، فَيَقَعَ على ما ظنّه ؛ فيكونُ ذلك ظنًّا صادقًا ، إذا كان عن مُوجِبٍ عاديٍّ يقتضي ذلك الظَّنَّ ، وليس بِعِلْمٍ ، فيفهمْ هذا منه ؛ فإنَّه موضعٌ غَلِطَ بسببه رجال ، وأُكِلَتْ به أموال ، ثم اعلم أنّ أَخْذَ الأجرةِ والجُعْلِ على ادِّعَاءِ عِلْمِ الغيبِ أو ظَنِّهِ لا يجوزُ بالإجماع ؛ على ما حكاه أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ .

وفي الحديث أبوابٌ من الفقه وأبحاثٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا ، والله أعلم .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث