باب وُجُوبِ الْتِزَامِ شَرَائِعِ الإِْسْلاَمِ
[ 10 ] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ، قَالَ : نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ شَيْءٍ ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أهل الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ ، فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أهل الْبَادِيَةِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ . قَالَ : صَدَقَ . قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ ؟ قَالَ : اللهُ .
قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ ؟ قَالَ : اللهُ . قَالَ : فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ ؟ قَالَ : اللهُ . قَالَ : فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ ، وَخَلَقَ الأَرْضَ ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ ، آللهُ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا . قَالَ : صَدَقَ . قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا ؟ قَالَ : صَدَقَ . قَالَ : فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قال : وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا .
قال : صدق . قال : فبالذي أرسلك ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قال : وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا .
قال : صدق ، قال : ثم ولى ، قال : والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ، ولا أنقص منهن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صدق ليدخلن الجنة . وَفِي رِوَايَةٍ : كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَل . وَذَكَرَهُ .
و ( قوله : نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - في القرآن - عَنْ شَيْءٍ ) يعني بذلك قولَهُ تعالى : لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وقد تقدَّمَ سببُ ذلك ، وسيأتي تكميله . و ( قوله : فَجَاءَ رَجُلٌ ) هذا الرجلُ هو ضِمَامُ بن ثَعْلَبَةَ أخو بني سعد بن بكر ، قَدِمَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنَةَ تِسْع ؛ قاله أبو عُبَيْدَ ، وقيل : سنةَ سَبْع ، وقال محمَّد بن حَبِيب : سنةَ خَمْس ، وهو أبعدها ؛ لأنَّ فرض الحَجِّ لم يكنْ نزل إذْ ذاك ، والله أعلم ، وسيأتي ذلك في الحجِّ إن شاء الله تعالى . وقد خرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ ، وقال فيه : عن أنس - رضي الله عنه - : بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ، ثُمَّ عَقَلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : أيُّكم محمَّدٌ بن عبد الله ؟ وَالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين ظَهرانيهم ، فقُلنا : هذا الرجل الأبيضُ المُتَّكِئُ ، فقَالَ الرَّجُلُ : ابنَ عبدِ المُطَّلب ؟ فقال لَهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : قَدْ أَجَبْتُكَ ، فقالَ الرَّجُلُ : إنِّي سَائِلُك فمُشَدِّدٌ عَلَيْك في المَسْأَلةِ ، فلا تجِدْ عليَّ في نفسِكَ ، فقَالَ : سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ فَقَال : أَسْأَلُكَ بربِّكَ ورَبِّ مَنْ قَبْلَكَ ، آللهُ أرْسَلَكَ إلَى النّْاس كُلِّهِمْ ؟ فقال : اللَّهُمَّ نعم .
وذكر نحو حديثِ مسلم . وقد فَهِمَ البخاريُّ مِنْ هذا الحديثِ : أنَّ هذا الرجُلَ قد كان أسلَمَ على يدَيْ رسول رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حين جاءهم ، وصَحَّ إيمانه ، وحَفِظَ شرائعه ، ثُمَّ جاء يَعْرِضها على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ أَلاَ تَرَى البخاريّ كيف بوَّب على هذا بابُ : القِرَاءَةِ وَالعَرْضِ على المحدِّث ؟ وكأنَّ البخاريَّ أخذ هذا المعنى من قولِ الرجل في آخر الحديث : آمَنْتُ بما جِئتَ بِهِ ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي ، وفيه نَظَرٌ . وأمَّا مساقُ حديثِ مسلم : فظاهره أنَّ الرجُلَ لم يَْشَرِحْ صدرُهُ للإسلامِ بَعْدُ ، وأنَّه بَقِيَتْ في قلبه منازعاتٌ وشكوكٌ ، فجاء مجيءَ الباحثِ المستَثْبِت ؛ أَلاَ تراه يقولُ : يا محمَّدُ ، أتانا رسُولُكَ فزَعَمَ لنا أَنَّكَ تزعُمُ أنَّ الله أَرْسَلَكَ ؛ فإنَّ الزَّعْم قولٌ لا يُوثَقُ به .
قاله ابن السِّكِّيتِ وغيرُهُ ، غير أنَّ هذا الرجُلَ كان كاملَ العَقْل ، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات ، فَدَلَّهُ ذلك على أنَّ لها خالقًا خلقها ؛ ألا ترى أنَّهُ استفهَمَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن خالقِ المخلوقاتِ استفهامَ تقريرٍ للقاعدة التي لا يَصِحُّ العلمُ بالرسول إلاَّ بعد حصولها ، وهي التي تفيدُ العِلْمَ بالمُرْسِلِ ، ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا وافقَهُ على ما شَهِدَ به العقلُ ، وأنَّ الله تعالى هو المُنْفَرِدُ بِخَلْقِ هذه المخلوقات : أقسَمَ عليه وسأله به : هل أرسلَهُ ؟ ثمَّ إنَّ الرجُلَ استمرَّ على أَسْئلتِه ، إلى أنْ حَصَلَ على طَلِبَتِه ، فانشرَحَ صدرُهُ للإسلامْ ، وزاحَتْ عنه الشكوك والأوهامْ ، وذلك ببركَةِ مشاهدِته أنوارِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فلقدْ كان كثيرٌ من العقلاء يحصُلُ لهم العلمُ بصحَّةِ رسالَتِه ، بنفسِ رؤيتِهِ ومشاهدتِه قبلَ النظر في معجزتِه ؛ كما قال أبو ذرٍّ : فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ ، حتَّى قال بعضهم : لَو لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ والحاصلُ : مِنْ حال هذا السائل أنَّهُ حصَلَ له العلمُ بصدقِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبصحَّةِ رسالتِهِ لمجموع قرائن لا تتعيَّنُ إحداها ولا تنحصرُ أعدادها . ويستفادُ من هذا الحديث : أنَّ الشرع إنَّما طلَبَ مِنَ المكلَّفين التصديقَ الجزم بالحقِّ ، كيف حَصَل ، وبأيِّ وجهٍ ثَبَت ، ولم يَقْصُرْهُم في ذلك على النظر في دلالةٍ معيَّنة ، ولا معجزةٍ ولا غيرها ، بل كُلُّ مَنْ حصَلَ له اليقينُ بِصِدْقِهِ : بمشاهدةِ وجهه ، أو بالنظرِ في معجزتِه ، أو بتحليفهِ ، أو بقرينةٍ لاَحَتْ له كان من المؤمنينْ ، وكان مِنْ جُمْلَةِ عبادِ الله المخلصينْ ؛ لكنْ دلالاتُ المعجزات هي الخاصَّةُ بالأنبياءْ ، والطرقُ العامَّةُ للعقلاءْ . وقد روى ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - حديثَ ضِمَامٍ هذا بأكملَ مِنْ هذا ، وقال فيه ما يَدُلُّ على أنَّ ضِمَامًا إِنَّما أسلَمَ بعد أنْ أجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أسئلته المتقدِّمة ، فلمَّا أنْ فرَغَ ، قال ضِمَام : أَشْهدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَشْهَدُ أنَّ محمّدًا رسولُ اللهِ ، وَسَأُؤدِّي هذه الفرائضَ ، وَأَجْتَنِبُ ما نهَيتَنِي عنه ، ثمّ لا أزيد ولا أنقُصُ ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : إِنْ يَصْدُقْ ذُو العَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلِ الجَنَّة ثُمَّ قَدِمَ عَلَى أهلِهِ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ ، فَمَا أَمْسَى ذَلِكَ اليَوْمُ في حَاضرِهِ مِنْ رجُلٍ ولا امرأةٍ إلاَّ مسلمًا ، قال ابْنُ عَبَّاسٍ : فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدٍ قَطُّ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامٍ .
ونادى هذا الرجلِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يا محمَّد ، ويا ابْنَ عَبْدِ المطَّلب ، ولم ينادِه بالنبوَّةِ ولا بالرسالة ، إمَّا لأنَّهُ لم يؤمنْ بَعْدُ ؛ كما قلناه ، وإمَّا لأنَّهُ باقٍ على صفة أهلِ الباديةِ والأعراب ؛ إذْ لم يتأدَّبْ بَعْدُ بشيء من آداب الشرع ، ولاَ عَلِمَ ما يجبُ عليه مِنْ تَعْزِيرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره ؛ فإنّ اللهَ تعالى قد نهى أن ينادَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : يا محمَّدُ ، حين قال تعالى : لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ، وأَوْلَى ما يقال : إنّ ضِمَامًا قَدِمَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة تِسْعٍ ؛ كما قاله أبو عُبَيْدَةَ وغيرُهُ من أهل التواريخ ، ولأنَّها كانتْ سنةَ الوفود ؛ وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا فتَحَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ ، وهزَمَ جَمْعَ هَوَازِنَ ، وأسلَمْتْ قريشٌ كلُّها - : دوَّخَ اللهُ العرَبَ ، ونصَرَ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك سنةَ ثمانٍ من الهجرة ؛ فدخَلَ الناسُ في دين الله أفواجًا ، وقَدِمَ رؤساءُ العربِ وفودا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - سنة تسع ، فَسُمِّيَتْ : سنةَ الوفود لذلك . وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفَى يطولُ تتبُّعُهَا .