[ 29 ] ( 19 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ : ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا - قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ . [ 30 ] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ . ( ح ) ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ : إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا . . . بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ . ( 7 ) بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فِيهِ بَعْثِ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مُعَاذٍ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَرُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ : ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا - قَالَ ) هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نِهَايَةُ التَّحْقِيقِ وَالِاحْتِيَاطِ وَالتَّدْقِيقِ ؛ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى قَالَ فِيهَا : عَنْ مُعَاذٍ . وَالثَّانِيَةَ : أَنَّ مُعَاذًا . وَبَيْنَ ( أَنَّ ) وَ ( عَنْ ) فَرْقٌ ، فَإِنَّ الْجَمَاهِيرَ قَالُوا : أَنَّ كَعَنْ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الِاتِّصَالِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ : لَا تَلْتَحِقُ ( أَنَّ ) ( بِعَنْ ) ، بَلْ تُحْمَلُ ( أَنَّ ) عَلَى الِانْقِطَاعِ ، وَيَكُونُ مُرْسَلًا ، وَلَكِنَّهُ هُنَا يَكُونُ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ لَهُ حُكْمُ الْمُتَّصِلِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ . وَفِيهِ قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي الْفُصُولِ أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، فَاحْتَاطَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبَيَّنَ اللَّفْظَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( أَبُو مَعْبَدٍ ) فَاسْمُهُ نَافِذٌ - بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - وَهُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : كَانَ مِنْ أَصْدَقِ مَوَالِي ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ ، فَإِنْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ) أَمَّا الْكَرَائِمُ فَجَمْعُ كَرِيمَةٍ ، قَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ " : هِيَ جَامِعَةُ الْكَمَالِ الْمُمْكِنِ فِي حَقِّهَا مِنْ غَزَارَةِ لَبَنٍ وَجَمَالِ صُورَةٍ أَوْ كَثْرَةِ لَحْمٍ أَوْ صُوفٍ . وَهَكَذَا الرِّوَايَةُ : ( فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ ) ؛ بِالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ : ( وَكَرَائِمَ ) . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : وَلَا يَجُوزُ ( إِيَّاكَ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ) بِحَذْفِهَا . وَمَعْنَى ( لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ) ؛ أَيْ أَنَّهَا مَسْمُوعَةٌ لَا تُرَدُّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ بَعْثَ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ كَانَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَلِيلٍ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنَّ الْكُفَّارَ يُدْعَوْنَ إِلَى التَّوْحِيدِ قَبْلَ الْقِتَالِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إِلَّا بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ؛ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ . وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَجِبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَفِيهِ بَيَانُ عِظَمِ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَأَنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي أَنْ يَعِظَ وُلَاتَهُ وَيَأْمُرَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُبَالِغَ فِي نَهْيِهِمْ عَنِ الظُّلْمِ وَيُعَرِّفَهُمْ قُبْحَ عَاقِبَتِهِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى السَّاعِي أَخْذَ كَرَائِمِ الْمَالِ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ بَلْ يَأْخُذُ الْوَسَطَ وَيَحْرُمُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ إِخْرَاجُ شَرِّ الْمَالِ ، وَفِيهِ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُدْفَعُ إِلَى كَافِرٍ وَلَا تُدْفَعُ أَيْضًا إِلَى غَنِيٍّ مِنْ نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ نَقْلُهَا عَنْ بَلَدِ الْمَالِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ " ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي " فُقَرَائِهِمْ " مُحْتَمِلٌ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلِفُقَرَاءِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَالنَّاحِيَةِ ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَيْسُوا بِمُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَنَحْوِهَا ; لِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يُطِيعُوا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ . وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِالصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَالْمُطَالَبَةُ فِي الدُّنْيَا لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونُوا مُخَاطَبِينَ بِهَا يُزَادُ فِي عَذَابِهِمْ بِسَبَبِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَتَّبَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَبَدَأَ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ ، أَلَا تَرَاهُ بَدَأَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّكَاةِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ : إِنَّهُ يَصِيرُ مُكَلَّفًا بِالصَّلَاةِ دُونَ الزَّكَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، هَذَا قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرِينَ ، وَقِيلَ : لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِهَا ، وَقِيلَ : مُخَاطَبُونَ بِالْمَنْهِيِّ دُونَ الْمَأْمُورِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ دُونَ بَعْضِ هُوَ مِنْ تَقْصِيرِ الرَّاوِي كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ نَظَائِرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، سَكَنَ مَكَّةَ . وَفِيهَا ( عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ) هُوَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ ، يُكَنَى أَبَا مُحَمَّدٍ ، قِيلَ : اسْمُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ . وَفِيهَا ( أَبُو عَاصِمٍ ) هُوَ النَّبِيلُ ، الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُعَاذًا ) هَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي بَعْدَهُ . وَأَمَّا الْأُولَى فَمِنْ مُسْنَدِ مُعَاذٍ ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ مُعَاذٍ فَرَوَاهُ تَارَةً عَنْهُ مُتَّصِلًا وَتَارَةً أَرْسَلَهُ فَلَمْ يَذْكُرْ مُعَاذًا . وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا لَمْ يُعْرَفِ الْمَحْذُوفُ يَكُونُ حُجَّةً ، فَكَيْفَ وَقَدْ عَرَفْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُعَاذٌ ؟ أو يُحْتَمَلُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِنْ مُعَاذٍ وَحَضَرَ الْقَضِيَّةَ ، فَتَارَةً رَوَاهَا بِلَا وَاسِطَةٍ لِحُضُورِهِ إِيَّاهَا ، وَتَارَةً رَوَاهَا عَنْ مُعَاذٍ ؛ إِمَّا لِنِسْيَانِهِ الْحُضُورَ ، وَإِمَّا لِمَعْنًى آخَرَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ · ص 160 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ · ص 180 ( 6 ) بَابُ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ 19 - [ 16 ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ َقَالَ : إِنَّكَ سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أهل كِتَابٍ ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ عز وجل ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ، فَإِذَا فَعَلُوا ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا ، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مُعَاذٍ ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أهل الْكِتَابِ ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ . . . وَذَكَرَ الحَدِيثَ نَحْوَهُ ، وَزَادَ : وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ . ( 6 ) وَمِنْ بَابِ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ ( قوله : إِنَّكَ سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أهل كِتَابٍ ) يعني به : اليهودَ والنصارى ؛ لأنهم كانوا في اليمنِ أكثرَ مِنْ مشركي العَرَبِ أو أغلَبَ ، وإنما نبَّهه على هذا ؛ ليتهيَّأَ لمناظرتهم ، ويُعِدَّ الأدلَّةَ لإفحامهم ؛ لأنَّهم أهلُ عِلْمٍ سابقٍ ، بخلافِ المُشْرِكين وعَبَدَةِ الأوثان . و ( قوله : فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ ) قد تقدَّم أنَّ أصلَ العبادةِ التذلُّلُ والخضوع ، وسُمِّيَتْ وظائفُ الشرعِ على المكلَّفين : عباداتٍ ؛ لأنَّهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذلِّلين لله تعالى . والمراد بالعبادة هنا : هو النطقُ بشهادة أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله ؛ كما جاء في الرواية الأخرى مفسَّرًا : فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ . و ( قوله : فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ ، فَأَخْبِرْهُمْ ) أي : إنْ أطاعوا بالنطق بذلك ، أي : بكلمتي التوحيد ؛ كما قال في الرواية الأخرى : فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا بذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ ، فسمَّى الطواعية بذلك والنطقَ به : معرفةً ؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن المعرفة . وهذا الذي أَمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - به معاذًا ، هو الدَّعْوَةُ قبلَ القتالِ ؛ التي كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُوصِي بها أُمَرَاءَهُ ، وقد اختُلِفَ في حُكْمها على ما يأتي في الجهاد . وعلى هذا فلا يكونُ في حديث معاذٍ حُجَّةٌ لمن تمسَّكَ به من المتكلِّمين على أنَّ أوَّلَ واجبٍ على كلِّ مكلَّفٍ : معرفةُ الله تعالى بالدليل والبرهان ، بل هو حُجَّةٌ لمن يقول : إنَّ أَوَّلَ الواجباتِ التلفُّظُ بكلمتَيِ الشهادةِ ، مُصَدِّقًا بها . وقد اختلف المتكلِّمون في أوَّل الواجبات على أقوالٍ كثيرةٍ ، منها ما يَشْنُعُ ذكره ، ومنها ما ظَهَرَ ضعفه ، والذي عليه أئمَّةُ الفتوى ، وبهم يُقْتَدَى كمالكٍ ، والشافعيِّ ، وأبي حنيفةَ ، وأحمدَ بن حنبل ، وغيرِهِمْ من أئمَّةِ السلف : أنَّ أوَّلَ الواجباتِ على المكلَّف : الإيمانُ التصديقيُّ الجَزْمِيُّ الذي لا رَيْبَ معه بالله تعالى ورسلِهِ وكُتُبِه ، وما جاءتْ به الرسلُ ، على ما تقرَّرَ في حديثِ جبريلَ ، كيفما حصَلَ ذلك الإيمان ، وبأيِّ طريقٍ إليه تُوُصِّلَ ، وأما النطقُ باللسان : فمُظْهِرٌ لما استَقَرَّ في القلب من الإيمان ، وسَبَبٌ ظاهرٌ تترتَّبُ عليه أحكامُ الإسلام . وتفصيلُ ما أجملناه يستدعي تفصيلاً وتطويلاً يُخْرِجُ عن المقصود ، ولعلَّنَا بِعَوْنِ الله تعالى نكتُبُ في هذه المسألة جزءًا ؛ فإنها حَرِيَّةٌ بذلك . وقد احتَجَّ بهذا الحديث مَنْ قال بأنَّ الكفَّارَ ليسوا مخاطَبِينَ بفروع الشريعة ؛ وهو أحدُ القولَيْنِ لأصحابنا وغيرِهم ؛ من حيثُ إنّهُ - عليه الصلاة والسلام - إنما خاطبهم بالتوحيد أوَّلاً ، فلمَّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاةُ والزكاة ، وهذا لا حجة فيه ؛ لوجهين : أحدهما : أنّه لم يَنُصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أنَّه إنما قدّم الخطابَ بالتوحيد لِمَا ذكروه ، بل يَحْتَمِلُ ذلك ، ويحتملُ أن يقال : إنَّه إنَّما قدَّمه لكونِ الإيمانِ شَرْطًا مصحِّحًا للأعمالِ الفروعيَّة ، لا للخطابِ بالفروع ؛ إذ لا يَصِحُّ فِعْلُهَا شرعًا إلا بتقدُّم وجوده ، ويصحُّ الخطابُ بالإيمانِ وبالفروعِ معًا في وقتٍ واحد ، وإنْ كانتْ في الوجودِ متعاقبةً ؛ كما بيَّناه في الأصول ؛ وهذا الاحتمالُ أظهَرُ مما تمسَّكوا به ، ولو لم يكنْ أظهَرَ ، فهو مساو له ؛ فيكونُ ذلك الخطابُ مجمَلاً بالنسبةِ إلى هذا الحكم . وثانيهما : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنما رتَّب هذه القواعدَ ؛ ليبيِّن الأوكَدَ فالأوكد ، والأهَمَّ فالأهم ؛ كما بيَّنَّاه في حديثِ ابن عمر الذي قبل هذا ، والله تعالى أعلم . واقتصارُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذِكْرِ القواعد الثلاث ؛ لأنَّها كانتْ هي المتعيِّنَةَ عليهم في ذلك الوقتِ المتأكِّدَ فيه ؛ ولا يُظَنُّ أنّ الصومَ والحجَّ لم يكونا فُرِضَا إذْ ذاك ؛ لأنَّ إرسالَ معاذٍ إلى اليمن كان في سنة تِسْعٍ ، وقد كان فُرِضَ الحَجُّ ، وأما الصوم : ففُرِضَ في السنة الثانية من الهجرة ، ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاذٌ باليمن على الصحيح . وقولُ مَنْ قال : إنَّ الرواةَ سَكَتُوا عن ذكر الصومِ والحجِّ ؛ قولٌ فاسد ؛ لأنَّ الحديث قد اشتهر ، واعتنى الناسُ بنقله سلفًا وخلفًا ؛ فلو ذكر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - له شيئًا مِن ذلك لَنُقِلَ . و ( قوله : إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ) دليلٌ لمالك على أنَّ الزكاةَ لا تجبُ قِسْمتها على الأصنافِ المذكورين في الآية ، وأنَّه يجوزُ للإمامِ أن يصرفها إلى صِنْفٍ واحد من الأصناف المذكورين في الآية ؛ إذا رآه نَظَرًا ومصلحةً دينيَّة ، وسيأتي هذا كاملا في كتاب الزكاة ، إن شاء الله تعالى . وفيه دليلٌ لمن يقول : يدفعها مَنْ وجبَتْ عليه للإمامِ العدل ، الذي يضعها مواضعها ، ولا يجوزُ لمن وجبَتْ عليه أن يَلِيَ تفرقتَهَا بنفسه إذا أقام الإمامُ من تُدْفَعُ إليه ، ومن ذلك تفصيلٌ يُعْرَفُ في الفروع . و ( قوله : وَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ) أي : خيارَهَا ونفائسَهَا ؛ حذَّرَهُ مِنْ ذلك ؛ نظرًا لأربابِ الأموال ، ورِفْقًا بهم ، وكذلك أيضا : لا يأخُذُ مِنْ شرارِ المال ولا مَعِيبِهِ ؛ نظرًا للفقراء ؛ فلو طابَتْ نفسُ رَبِّ المال بشيءٍ من كرائم أمواله ؛ جاز للمُصَدِّقِ أخذُهَا منه ، ولو أن المُصَدِّقُ رأى أنْ يَأْخُذَ مَعِيبَةً على وجه النظر والمصلحةِ للفقراء جاز . و ( قوله : وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ ) الروايةُ الصحيحة في فإنَّه بضمير المذكَّر ؛ على أن يكونَ ضميرَ الأمر والشأن ، ويَحْتملُ : أنْ يعودَ على مذكَّرِ الدعوة ؛ فإنَّ الدعوةَ دعاءٌ . ووقع في بعض النسخ : فإنَّها بهاء التأنيث ، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة . ويستفادُ منه : تحريمُ الظُّلْمِ ، وتخويفُ الظالم ، الدعاء للمظلوم عليه ، والوَعْدُ الصِّدْقُ بأنَّ الله تعالى يستجيبُ للمظلومِ فيه ، غيْرَ أنَّهُ قد تعجِّلُ الإجابةَ فيه ، وقد يؤخِّرها إملاءً للظالم ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : إِنَّ اللهَ يُمْلِي للِظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ، ثُمَّ قرأ : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ، وكما قد رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرْفَعُ دَعْوَةَ المَظْلُومِ عَلَى الغَمَامِ ، وَيَقُولُ لَهَا : لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَو بَعْدَ حِينٍ .