باب أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ
) بَابُ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ 19 - [ 16 ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ َقَالَ : إِنَّكَ سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أهل كِتَابٍ ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ عز وجل ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ، فَإِذَا فَعَلُوا ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا ، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مُعَاذٍ ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أهل الْكِتَابِ ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ . وَذَكَرَ الحَدِيثَ نَحْوَهُ ، وَزَادَ : وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ .
( 6 ) وَمِنْ بَابِ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ ( قوله : إِنَّكَ سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أهل كِتَابٍ ) يعني به : اليهودَ والنصارى ؛ لأنهم كانوا في اليمنِ أكثرَ مِنْ مشركي العَرَبِ أو أغلَبَ ، وإنما نبَّهه على هذا ؛ ليتهيَّأَ لمناظرتهم ، ويُعِدَّ الأدلَّةَ لإفحامهم ؛ لأنَّهم أهلُ عِلْمٍ سابقٍ ، بخلافِ المُشْرِكين وعَبَدَةِ الأوثان . و ( قوله : فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ ) قد تقدَّم أنَّ أصلَ العبادةِ التذلُّلُ والخضوع ، وسُمِّيَتْ وظائفُ الشرعِ على المكلَّفين : عباداتٍ ؛ لأنَّهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذلِّلين لله تعالى . والمراد بالعبادة هنا : هو النطقُ بشهادة أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله ؛ كما جاء في الرواية الأخرى مفسَّرًا : فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ .
و ( قوله : فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ ، فَأَخْبِرْهُمْ ) أي : إنْ أطاعوا بالنطق بذلك ، أي : بكلمتي التوحيد ؛ كما قال في الرواية الأخرى : فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا بذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ ، فسمَّى الطواعية بذلك والنطقَ به : معرفةً ؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن المعرفة . وهذا الذي أَمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - به معاذًا ، هو الدَّعْوَةُ قبلَ القتالِ ؛ التي كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُوصِي بها أُمَرَاءَهُ ، وقد اختُلِفَ في حُكْمها على ما يأتي في الجهاد . وعلى هذا فلا يكونُ في حديث معاذٍ حُجَّةٌ لمن تمسَّكَ به من المتكلِّمين على أنَّ أوَّلَ واجبٍ على كلِّ مكلَّفٍ : معرفةُ الله تعالى بالدليل والبرهان ، بل هو حُجَّةٌ لمن يقول : إنَّ أَوَّلَ الواجباتِ التلفُّظُ بكلمتَيِ الشهادةِ ، مُصَدِّقًا بها .
وقد اختلف المتكلِّمون في أوَّل الواجبات على أقوالٍ كثيرةٍ ، منها ما يَشْنُعُ ذكره ، ومنها ما ظَهَرَ ضعفه ، والذي عليه أئمَّةُ الفتوى ، وبهم يُقْتَدَى كمالكٍ ، والشافعيِّ ، وأبي حنيفةَ ، وأحمدَ بن حنبل ، وغيرِهِمْ من أئمَّةِ السلف : أنَّ أوَّلَ الواجباتِ على المكلَّف : الإيمانُ التصديقيُّ الجَزْمِيُّ الذي لا رَيْبَ معه بالله تعالى ورسلِهِ وكُتُبِه ، وما جاءتْ به الرسلُ ، على ما تقرَّرَ في حديثِ جبريلَ ، كيفما حصَلَ ذلك الإيمان ، وبأيِّ طريقٍ إليه تُوُصِّلَ ، وأما النطقُ باللسان : فمُظْهِرٌ لما استَقَرَّ في القلب من الإيمان ، وسَبَبٌ ظاهرٌ تترتَّبُ عليه أحكامُ الإسلام . وتفصيلُ ما أجملناه يستدعي تفصيلاً وتطويلاً يُخْرِجُ عن المقصود ، ولعلَّنَا بِعَوْنِ الله تعالى نكتُبُ في هذه المسألة جزءًا ؛ فإنها حَرِيَّةٌ بذلك . وقد احتَجَّ بهذا الحديث مَنْ قال بأنَّ الكفَّارَ ليسوا مخاطَبِينَ بفروع الشريعة ؛ وهو أحدُ القولَيْنِ لأصحابنا وغيرِهم ؛ من حيثُ إنّهُ - عليه الصلاة والسلام - إنما خاطبهم بالتوحيد أوَّلاً ، فلمَّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاةُ والزكاة ، وهذا لا حجة فيه ؛ لوجهين : أحدهما : أنّه لم يَنُصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أنَّه إنما قدّم الخطابَ بالتوحيد لِمَا ذكروه ، بل يَحْتَمِلُ ذلك ، ويحتملُ أن يقال : إنَّه إنَّما قدَّمه لكونِ الإيمانِ شَرْطًا مصحِّحًا للأعمالِ الفروعيَّة ، لا للخطابِ بالفروع ؛ إذ لا يَصِحُّ فِعْلُهَا شرعًا إلا بتقدُّم وجوده ، ويصحُّ الخطابُ بالإيمانِ وبالفروعِ معًا في وقتٍ واحد ، وإنْ كانتْ في الوجودِ متعاقبةً ؛ كما بيَّناه في الأصول ؛ وهذا الاحتمالُ أظهَرُ مما تمسَّكوا به ، ولو لم يكنْ أظهَرَ ، فهو مساو له ؛ فيكونُ ذلك الخطابُ مجمَلاً بالنسبةِ إلى هذا الحكم .
وثانيهما : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنما رتَّب هذه القواعدَ ؛ ليبيِّن الأوكَدَ فالأوكد ، والأهَمَّ فالأهم ؛ كما بيَّنَّاه في حديثِ ابن عمر الذي قبل هذا ، والله تعالى أعلم . واقتصارُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذِكْرِ القواعد الثلاث ؛ لأنَّها كانتْ هي المتعيِّنَةَ عليهم في ذلك الوقتِ المتأكِّدَ فيه ؛ ولا يُظَنُّ أنّ الصومَ والحجَّ لم يكونا فُرِضَا إذْ ذاك ؛ لأنَّ إرسالَ معاذٍ إلى اليمن كان في سنة تِسْعٍ ، وقد كان فُرِضَ الحَجُّ ، وأما الصوم : ففُرِضَ في السنة الثانية من الهجرة ، ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاذٌ باليمن على الصحيح . وقولُ مَنْ قال : إنَّ الرواةَ سَكَتُوا عن ذكر الصومِ والحجِّ ؛ قولٌ فاسد ؛ لأنَّ الحديث قد اشتهر ، واعتنى الناسُ بنقله سلفًا وخلفًا ؛ فلو ذكر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - له شيئًا مِن ذلك لَنُقِلَ .
و ( قوله : إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ) دليلٌ لمالك على أنَّ الزكاةَ لا تجبُ قِسْمتها على الأصنافِ المذكورين في الآية ، وأنَّه يجوزُ للإمامِ أن يصرفها إلى صِنْفٍ واحد من الأصناف المذكورين في الآية ؛ إذا رآه نَظَرًا ومصلحةً دينيَّة ، وسيأتي هذا كاملا في كتاب الزكاة ، إن شاء الله تعالى . وفيه دليلٌ لمن يقول : يدفعها مَنْ وجبَتْ عليه للإمامِ العدل ، الذي يضعها مواضعها ، ولا يجوزُ لمن وجبَتْ عليه أن يَلِيَ تفرقتَهَا بنفسه إذا أقام الإمامُ من تُدْفَعُ إليه ، ومن ذلك تفصيلٌ يُعْرَفُ في الفروع . و ( قوله : وَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ) أي : خيارَهَا ونفائسَهَا ؛ حذَّرَهُ مِنْ ذلك ؛ نظرًا لأربابِ الأموال ، ورِفْقًا بهم ، وكذلك أيضا : لا يأخُذُ مِنْ شرارِ المال ولا مَعِيبِهِ ؛ نظرًا للفقراء ؛ فلو طابَتْ نفسُ رَبِّ المال بشيءٍ من كرائم أمواله ؛ جاز للمُصَدِّقِ أخذُهَا منه ، ولو أن المُصَدِّقُ رأى أنْ يَأْخُذَ مَعِيبَةً على وجه النظر والمصلحةِ للفقراء جاز .
و ( قوله : وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ ) الروايةُ الصحيحة في فإنَّه بضمير المذكَّر ؛ على أن يكونَ ضميرَ الأمر والشأن ، ويَحْتملُ : أنْ يعودَ على مذكَّرِ الدعوة ؛ فإنَّ الدعوةَ دعاءٌ . ووقع في بعض النسخ : فإنَّها بهاء التأنيث ، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة . ويستفادُ منه : تحريمُ الظُّلْمِ ، وتخويفُ الظالم ، الدعاء للمظلوم عليه ، والوَعْدُ الصِّدْقُ بأنَّ الله تعالى يستجيبُ للمظلومِ فيه ، غيْرَ أنَّهُ قد تعجِّلُ الإجابةَ فيه ، وقد يؤخِّرها إملاءً للظالم ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : إِنَّ اللهَ يُمْلِي للِظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ، ثُمَّ قرأ : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ، وكما قد رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرْفَعُ دَعْوَةَ المَظْلُومِ عَلَى الغَمَامِ ، وَيَقُولُ لَهَا : لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَو بَعْدَ حِينٍ .