باب إِطْلاَقِ اسْمِ الإِْيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِسْلاَمًا
[ 15] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَذَكَر نَحْو مَا تَقَدَّمَ ، وَفِيهِ : فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ : اعْبُدُوا اللهَ ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ، وَآتُوا الزَّكَاةَ ، وَصُومُوا رَمَضَانَ ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْغَنَائِمِ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ : عَنِ الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالْمُزَفَّتِ ، وَالنَّقِيرِ ، قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللهِ ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ ؟ قَالَ : بَلَى ؛ جِذْعٌ تَنْقُرُونَهُ ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ - أو قَالَ : مِنَ التَّمْرِ - ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ - أو إِنَّ أَحَدَهُمْ - لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ ، قَال : وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ ، وَكُنْتُ أَخْبَأُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقُلْتُ : فَفِيمَ نَشْرَبُ يا رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ : فِي أَسْقِيَةِ الأَدَمِ الَّتِي تُلاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا ، فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللهِ ، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ ، وَلاَ تَبْقَى فيِهَا أَسْقِيَةُ الأَْدَمِ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ! وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ! وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ! قَالَ : وَقَالَ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - لأُِشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ : إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ : الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ . و ( قوله : وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ) أي : عن الانتباذِ في هذه الأواني الأربع ؛ فالمنهيُّ عنه واحدٌ بالنوع ، وهو الانتباذُ ، ثمَّ إنَّه تعدَّد بحَسَبِ هذه الأوعية الأربعِ التي هي : الدُّبَّاء ، والحَنْتَم ، والمزفَّت ، والنَّقِير ، وخَصَّ هذه بالنهي ؛ لأنَّها أوانيهم التي كانوا ينتبذون فيها : فالدُّبَّاء ممدودٌا ، وهي : القَرْعَةُ كانت يُنْبَذُ فيها فيضَرَّى ؛ قاله الهروي . والحَنْتَمُ : أَصَحُّ ما قيلَ فيها : إنَّها كانت جِرَارًا مَطْلِيَّةً بالحَنْتَمِ المعمولِ من الزجاجِ ، كانت الخمرُ تُحْمَلُ فيها ، ونُهُوا عن الانتباذ فيها ؛ لأنَّها تعجِّلُ إسكارَ النبيذ كالدُّبَّاء ، وقال عطاءٌ : كانت تُعْمَلُ مِنْ طين يعجن بالدم والشعْر ؛ وعلى هذا يكونُ النهيُ عنها ؛ لأجل أصل النجاسة ، والأوَّل أعرفُ وأصحُّ .
والمُزَفَّت : المطليُّ بالقارِ ، وهو نوعٌ من الزِّفْت . والنَّقِيرُ : مفسَّر في الحديث . والجِذْع : أصل النخلة ، ويجمع على جذوع .
وتَقْذِفُون : تجعلون وترمون ، وأصل القذف : الرمي . والقُطَيْعَاء : نوعٌ من التمر يقال له : الشِّهرِيز . وفي رواية أخرى : وتُدِيفُونَ مِنَ القُطَيْعَاءِ ، والرواية : مضموم التاء رباعيًّا ، وبالدال المهملة ، وقد حكى ابن دُرَيْد : دُفْتُ الدَّوَاءَ وغيرَهُ بالماء أَدُوفُهُ ، بإهمال الدال ، وحكى غيره أنه يقال : ذُفْتُه أَذُوفُهُ ، وسُمٌّ مَذُوفٌ ومَذِيفٌ ، ومُذَوَّوفٌ ، ومُذَافٌ ، بالذال المعجمة ، وحكى غيره أنه يقال : أَدافَ الدواءَ بالدواء ؛ فالروايةُ على هذا صحيحةٌ ، ومعناه : خَلَطَ ومزَجَ .
والأَسْقِية : جمعُ سِقَاءٍ ، وهو الإناءُ من الجِلْدِ . والأَدَمُ : جمع أَديم ، وهو الجلدُ أيضًا . و ( تُلاَثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا ) أي : تُشَدُّ وتُربَط .
قال القُتَبِيُّ : أصلُ اللَّوْثِ : الطَّيُّ ، ولُثْتُ العمامةَ : لَفَفْتُها ؛ وهذا نحو ممَّا يقال : عليكم بالمُوكَى بالقصر ، أي : السقاء الذي يُرْبَطُ فوه بالوِكَاء ، وهو الخيط . و الجِرْذَان جمعُ جُرَذٍ ، وهو الفأر ، وإنما حضَّهم على الانتباذ في الأسقية ؛ لأنها إذا غلا فيها النبيذُ انشقَّتْ لرقَّةِ الجلود خلافِ الأواني المذكورةِ ؛ قيلُ : فإنها تعجِّل الشدَّةَ وتُخْفِيهَا . و ( قولهم : إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ ، وَلاَ تَبْقَى فيِهَا أَسْقِيَةُ الأَْدَمِ ) أي : لأنَّ الجِرْذَانَ تأكلها ؛ ولذلك قال لهم : وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ ، ولم يعذرهم بذلك ؛ لأنَّهم يمكنهم التحرُّزُ بتعليق الأَسْقية ، أو باتِّخَاذِ ما يُهلِكُ الفئران مِنْ حيوانٍ أو غيره ، والله تعالى أعلم .
وقد تمسَّكَ بعض أهل العلم بظاهر هذا النهي عن الانتباذ في تلك الظروف ؛ فحمله على التحريم ، ومِمَّنْ قال هذا : ابن عمر ، وابن عباس ، على ما يأتي في الأشربة ؛ فسنبيِّن هنالك - إنْ شاء الله تعالى - أنَّ ذلك منسوخٌ بقوله عليه الصلاة والسلام : كنتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الاِنْتِبَاذِ إِلاَّ فِي الأسِقَية ، فَانْتَبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَلاَّ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا . وأشجُّ عبد القيس اسمه : المنذر بن عائذ ، بالذال المعجمة ، وقيل : المنذر بن الحارث ، وقيل : هو عبد الله بنُ عَوْف ، وقيل : قيس ، والأوَّلُ أصحُّ . وقد روى أبو داودَ ، من حديثِ أُمِّ أَبَانَ بنتِ الوازعِ بن زارع ، عن جَدِّها زارع ، وكان في وَفْدِ عبد القيس ، قال : فلمَّا قَدِمْنَا المدينةَ ، تبادَرْنَا مِنْ رواحلنا نُقبِّلُ يدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَرِجْلَهُ ، وانتظَرَ المنذرُ حتى أتى عَيْبَتَهُ ، فَلَبِسَ ثوبه ، ثم أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له : إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ ورسوله : الحِلْمُ ، والأَنَاةُ ، فَقَالَ : يَا رسولَ الله ، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا ، أَمِ اللهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا ؟ فَقَالَ : بَلِ اللهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا ، قَالَ : الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ .
والحِلْمُ هنا : هو العَقْلَ ، وهو بكسر الحاء ؛ يقال منه : حَلُمَ الرجلُ يَحْلُمُ ، بضم اللام : إذا صار حليمًا ، وتحلَّم : إذا تكلَّف ذلك . والأناة : الرفقُ والتثبُّت في الأمور ؛ يقال منه : تأنَّى الرجل يتأنَّى تَأَنِّيًا ؛ ومنه قولُ الشاعر : أَنَاةً وحِلْمًا وانْتِظَارًا بِهِمْ غَدًا وقد يقال الحِلْمُ على الأناة . وقد ظهَرَ من حديث أبي داود : أنّ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك للأشَجِّ ؛ لِمَا ظَهَرَ له منه مِنْ رِفْقِهِ وتَرْكِ عجلته .
وقد رُوي في غير كتاب أبي داود : أنَّه لمَّا بادَرَ قومُهُ إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - تأنَّى هو ، حتَّى جمَعَ رحالَهُمْ ، وعقَلَ ناقته ، ولَبِسَ ثيابًا جُدُدًا ، ثم أقبَلَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على حالِ هدوءٍ وسكينة ، فأجلَسَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى جانبه ، ثم إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لِوَفْدِ عبد القيس : تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى قَوْمِكُمْ ؟ فقال القومُ : نَعَمْ ، فقال الأَشَجُّ : يا رسولَ الله ، إِنَّكَ لم تُزَاوِلِ الرَّجُلَ عَلَى أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْفُسِنَا ، وتُرْسِلُ معنا مَنْ يَدْعُوهُمْ ، فمَنِ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا ، ومَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ ، قال : صَدَقْتَ ؛ إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ . الحديثَ . فالأُولى : هي الأناة ، والثانية : هي العقل .
وفيه من الفقه : جَوَازُ مدحِ الرجلِ مشافهةً بما فيه إذا أُمِنَتْ عليه الفتنةُ ، والأصلُ منعُ ذلك ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : إِيَّاكُمْ والمَدْح فَإِنَّهُ الذَّبْح ، ولقوله للمادح : وَيْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ ، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى . و ( قوله : وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلك ) قيل : اسمُ هذا الرجل : جَهمُ بن قُثَمَ ؛ قاله ابن أبي خَيْثَمَةَ ، وقيل : كانت الجراحةُ في ساقه . قال المؤلِّف رحمه الله تعالى : وهذا الرجل ليس هو أشج عبد القيس ؛ لأن اسمهما مختلف كما ذكر هنا وفيما تقدم ؛ ولأنَّ الأصل في الشِّجاجِ لا يكون إلا في الرأس والوجه .
وفي الصحاح : رَجُلٌ أَشَجُّ بيِّنُ الشَّجَجِ : إذا كان في جبينه أَثَرُ الشَّجَّةِ ؛ وعلى هذا : يدُلُّ كونُ هذا الرجل غلب عليه الأشَجُّ ؛ لأنَّهُ إنَّما يغلبُ على الإنسان ما كان ظاهرًا من أمره ، ولمَّا كانت ظاهرةً في وجهه ، نسَبَهُ إليها كُلُّ من كان رآه منه ؛ فغلب عليه ذلك ، ولو كانت في ساقه ، لَمَا غلَبَ عليه ذلك ، والله أعلم . وأصلُ الشَّجِّ القطعُ والشَّقُّ ؛ ومنه قولهم : شَجَّتِ السفينةُ البحرَ ؛ أي : شَقَّتْهُ ، وشَجَجْتُ المفازة : قطعتُهَا ؛ قال الشاعر : تَشُجُّ بِيَ العَوْجَاءُ كُلَّ تَنُوفَةٍ كَأَنَّ لَهَا بَوًّا بِنِهيٍ تُغَاوِلُه وتعريف النبي - صلى الله عليه وسلم - بحالِ ذلك الرجل يَدُلُّ على أنَّه عَرَفَهُ بعينه ؛ غير أنه لم يواجههُ بذلك ؛ حُسْنَ عِشْرةٍ منه - صلى الله عليه وسلم - على مقتضى كَرَمِ خُلُقه ؛ فإنّهُ كَانَ لاَ يُوَاجِهُ أَحَدًا بِمَا يَكْرُهُه . وإنَّما خَصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذه الأربعَ الأواني بالذكر ؛ لأنها أغلب أوانيهم ، ويلحق بها في النهي ما كان في معناها ؛ كأواني الزُّجَاج ، والحديد ، والنُّحَاس ، وغير ذلك مما تعجِّل الإسكار ؛ بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في جواب قولهم : فِبمَ نَشْرَبُ يَا رسولَ الله ؟ فَقَالَ : في أَسْقِيةِ الأَدَمِ ، وبدليلِ قوله في حديث بُرَيْدَةَ : وكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِي سِقَاءٍ ، ولأنَّ ما عدا تلك الأربعَ في معناها ، فَيُلْحَقُ بها على طريقة نَفْيِ الفارق ، والله أعلم .