باب إِطْلاَقِ اسْمِ الإِْيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِسْلاَمًا
) بَابُ إِطْلاَقِ اسْمِ الإِْيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِسْلاَمًا 17- [ 14 ] عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، قَالَ : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَسَأَلَتْهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ؟ فَقَالَ : إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : مَنِ الْوَفْدُ ؟ - أو : مَنِ الْقَوْمُ ؟ - قَالُوا : رَبِيعَةُ ، قَالَ : مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أو بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلا النَّدَامَى ، قَالَ : فَقَالُوا : يَا رسولَ الله ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ ، وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهرِ الْحَرَامِ ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ ، قَالَ : فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ؛ قَالَ : أَمَرَهُمْ بِالإِْيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ ، وَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِْيمَانُ بِاللهِ ؟ قَالُوا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالْمُزَفَّتِ - وَرُبَّمَا قَالَ : الْمُقَيَّرِ ، وَرُبَّمَا قَالَ : النَّقِيرِ - وَقَالَ : احْفَظُوهُ ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ . وَفِي رِوَايَةٍ : مَنْ وَرَاءَكُمْ . ( 5 ) وَمِنْ بَابُ إِطْلاَقِ اسْمِ الإِْيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِسْلاَمًا معنى جَعَلَ في هذه الترجمة : سمّى ، كما قال تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ويصلُحُ أن يكون بمعنى : صيَّر ؛ كما تقول العرب : جعلتُ حُسنَ فلانٍ قبحًا ، أي : صيَّرتُهُ ، وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام من حديث جبريل .
( قوله : أبو جمرة ) هذا الذي يروي عن ابن عبَّاسٍ حديثَ وَفْدِ عبد القَيْس ، هو بالجيم والراء ، واسمه : نَصْرُ بنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ ، وقد روى عن ابنِ عبَّاسٍ رجلٌ آخر يقالُ له : أبو حَمْزةَ - بالحاء المهملة والزاي - واسمه : عِمْرَانُ بنُ أبي عطاءٍ القَصَّابُ . و ( قوله : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وبَيْنَ النَّاسِ ) أي : أبلِّغُ كلامه ، وأفسِّره لِمَنْ لا يفهمه ، وعُرْفُ الترجمةِ : التعبيرُ بلغةٍ عن لغةٍ لمن لا يفهم ، وقيل كان أبو جمرة يتكلَّم بالفارسيَّة . وفيه دليلٌ على أنَّ ابنَ عبَّاس كان يكتفي في الترجمة بواحد ؛ لأنَّهُ مُخْبِرٌ ، وقد اختُلِفَ فيه ، فقيل : لا يكفي الواحدُ ، بل لا بدَّ من اثنين ؛ لأنَّها شهادة .
و ( قوله : فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَسَأَلَتْهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ) وهي : جمعُ جَرَّةٍ ، وهي : قِلاَلٌ من فَخَّارٍ ، غير أنها مَطلِيَّةٌ بالزجاج ، وهو الحَنْتَمُ ، ونبيذُ الجرِّ : هو ما يُنْبَذُ فيها من التمر وغيره . وإنما سأَلَتْهُ عن حكم النبيذ في الجِرَارِ : هل يَحِلُّ أم لا ؟ فذكَرَ لها ما يدُلُّ على منْع ذلك ، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصَّته . ففيه : ما يدلُّ على أن المفتي يجوز له أن يذكر الدليلَ مستغنيًا به عن النصِّ على الفتيا إذا كان السائلُ بصيرًا بموضع الحُجَّة .
و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : مَنِ القَوْمُ ؟ أو مَنِ الْوَفْدُ ؟ ) هذا شَكٌّ من بعض الرواة . و الوَفْد : الوافدون ، وهم القادمون والزائرون ، يقال : وَفَدَ يَفِدُ ، فهو وافد ، والجمع : وَافِدونَ وَوُفُود ، والقوم وَفْدٌ ، وقال ابنُ عبَّاسِ - رضي الله عنهما - في قوله تعالى : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴾رُكْبانًا . و ( قوله : مَرْحَبًا ) هو من الرُّحْب - بضمِّ الراء - وهو السعة ، والرَّحْبُ - بفتح الراء - : هو الشيءُ الواسع ، وهو منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ ، لا يُستعمل إظهارُهُ ، أي : صادفْتَ رُحْبًا ، أو أتيتَ رَحْبًا ؛ فاسْتَأْنِسْ ولا تَسْتَوْحِشْ .
والخَزَايَا جمع خَزْيَان ؛ مثلُ : نَدْمَان ونَدَامَى ، وسَكْران وسَكَارَى ؛ كما قال تأَبَّطَ شَرًّا : . .. . وَالْمَوْتُ خَزْيَانُ يَنْظُرُ خَزِيَ الرجلُ يَخْزَى خِزْيًا ؛ إذا ذَلَّ ، وخَزَايَةً : إذَا خَجِلَ واستحيى .
والنَّدَامَى هنا : جمعُ نادمٍ ؛ لكنَّه على غير قياس ؛ لأنَّ قياس نَدَامَى أن يكون جمع نَدْمَان ، كما قلناه ، والندمان : هم المُجَاليِسُ على الخمر وساقيها ؛ كما قال الشاعر : فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالأَْكْبَرِ اسْقِنِي وَلاَ تَسْقِني بِالأَْصْغَرِ المُتَثَلِّمِ وليس مرادًا هاهنا ، وإِنَّمَا جَمَعَ نَادِماً هذا على نَدَامَى ؛ إتباعًا لخَزَايَا ؛ على عادتهم في إتباع اللفظِ اللفظَ ، وإنْ لم يكنْ بمعناه ؛ كما قالوا : إنِّي لآتيه بالغَدَايَا والعَشَايَا ؛ فجمعوا الغُدْوَةَ : غَدَايَا ؛ لمَّا ضمَّوه إلى العشايا ؛ كما قال شاعرهم : هَتَّاكِ أَخْبِيَةٍ وَلاجِ أَبْويَةٍ . فجمَعَ البابَ على أَبْوِيةً ، لَمَّا أتبعَهُ أَخْبِيَة ، ولو أفرده لما جاز ذلك ، ومن هذا النوع : قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - للنساء المتَّبعات للجنازة : ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ ، ولولا مراعاةُ الإتباع قال : مَوْزُورات بالواو ؛ لأنه من الوِزْرِ . وقال القَزَّاز في جامعه : يقال في النادم : نَدْمَانُ ؛ فيكون نَدَامَى على القياس ، ومعنى هذا القول : التأنيسُ ، والإكرامُ والثناءُ عليهم بأنَّهم بادروا بإسلامهم طائِعِينَ من غيرِ خِزْيٍ لَحِقَهُمْ من قَهرٍ ولا سِبَاء ، ثُمَّ إنَّهم لمَّا أسلموا كذلك احْتُرِمُوا وأُكْرِموا وأُحِبُّوا ، فلم يَنْدَمُوا على ذلك ، بل انشرحَتْ صدورهم للإسلام ، وتنوَّرَتْ قلوبُهُمْ بالإيمان .
وغَيْرَ خزايا : منصوبٌ على الحال ، أي : أتيتُمْ في هذه الحال . وروي : ولا الندامى ، ولا ندامى ، معرَّفًا وغير مُعَرَّف ؛ وهما بمعنىً واحدٍ . والشُّقَّة البعيدة : المسافةُ البعيدة الصعبة .
والحَيُّ : القبيل ، وربيعة : هو خبَرُ مبتدأ محذوف ؛ أي : نحنُ بنو ربيعة . و ( قوله : وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهرِ الْحَرَامِ ) كذا الرواية الصحيحة بتعريف الحرام ، وإضافة الشهر إليه ، وهو من باب إضافةِ الشيء إلى صفته ؛ كما قالوا : مسجدُ الجامع ، وصلاةُ الأُولَى ؛ وقال تعالى : وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وهو على تقدير محذوف ؛ فكأنّه قال : شَهرٌ الوقتِ الحرامِ ، ومسجدُ المكانِ الجامعِ ، ولدارُ الحالةِ الآخِرَةِ ، ونحوه . ويعنون بشَهرِ الحرامِ : رجبًا ؛ لأنَّه متفردٌ بالتحريم من شهور الحِلِّ ، بخلاف سائر الأشهر الحُرُم ؛ فإنَّها متوالية ؛ ولذلك قال فيها : ثلاثةٌ سَرْد ، وواحدٌ فَرْد ، يعنون به : رجبًا ، وهو الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنَّهُ شَهرُ مُضَرَ ، وإنما نسبُهُ إليهم : إمَّا لأنَّها انفردَتْ بابتداء احترامه ، أو لتخصيص الاحترامِ به ، أو بزيادةِ التعظيمِ له على غيرهم ، والله تعالى أعلم .
وقد وقع في بعض النسخ : في شهرٍ حَرَامٍ ، وهو يصلُحُ لرجبٍ وحدَهُ ، ولجميعِ الأشهُرِ الحُرُمِ ، وحاصلُ قولهم هذا أنه اعتذارٌ عن امتناعِ تكرُّرِ قدومهم عليه . و ( قوله : فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا ، نَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ ) قيّدناه على مَنْ يُوثَقُ بعلمِه : نُخْبِر بهُ مرفوعًا ، وندخل مرفوعًا ومجزومًا ؛ فرفعهما على الصفة لأَمْر ، وجزمُ ندخُلْ على جوابِ الأمرِ المتضمِّنِ للجزاء ؛ فكأنَّه قال : إنْ أمرتَنَا بأمرٍ واضحٍ ، فعلنا به ، ورجَوْنَا دخولَ الجنة بذلك الفعل . والقولُ الفصلُ : هو الواضحُ البليغُ الذي يَفْصِلُ بين الحقِّ والباطل ؛ كما قال تعالى : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾.
و ( قوله : فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍٍ ) ثُمَّ إنَّه ذكر خمسًا : فقيل في ذلك : إنَّ أَوَّلَى الأربعِ الموعود بها : هو إقامُ الصلاة ، في ذكَرَ كلمةَ التوحيد ؛ تبرُّكًا بها ، وتشريفًا لها .. . كما قيل ذلك في قوله تعالى : ُ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ في قولِ كثيرٍ من أهل العلم . وقيل : إنما قصد إلى ذِكْرِ الأركان الأربع التي هي : التوحيدُ ، والصلاة ، والصوم ، والزكاة ، ثم ظهر له أنَّهُمْ أهلُ غزو وجهاد ، فَبَيَّنَ لهم وجوبَ أداءِ الخُمُسِ ، والله أعلم .
وإنما لم يذكُرْ لهم الحجَّ ؛ لأنَّهم لم يكنْ لهم إليه سبيلٌ من أجلِ كُفَّارِ مُضَرَ ، أو لأَنَّ وجوبَ الحجِّ على التراخي ، والله تعالى أعلم . وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام ، وأنَّهما حقيقتان متباينتانِ في الأصل ، وقد يُتَوَسَّعُ فَيُطْلَقُ أحدها على الآخر ، كما جاء هنا ؛ فإنَّهُ أطلَقَ الإيمانَ على الإسلام ؛ لأنَّهُ عنه يكون غالبًا ، وهو مُظْهِرُهُ .