باب مَبَانِي الإِْسْلاَمِ
) بَابُ مَبَانِي الإِْسْلاَمِ 16 - [ 13 ] عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَصِيَامِ رَمَضَانَ ، وَالْحَجِّ . فَقَالَ رَجُلٌ : الْحَجِّ ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : لا ، صِيَامِ رَمَضَانَ ، وَالْحَجِّ ، هكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - .
وَفِي أُخْرَى : بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ : عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ ، ويُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ . الحَدِيثَ . ( 4 ) وَمِنْ بَابِ مَبَانِي الإِْسْلاَمِ ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ) يعني : أن هذه الخمس أساسُ دين الإسلام ، وقواعدُه عليها تنبني ، وبها تقوم ، وإنما خَصَّ هذه بالذكر ولم يذكُرْ معها الجهاد ، مع أنه به ظهر الدين ، وانقمع به عُتَاةُ الكافرين ؛ لأنَّ هذه الخمس فرضٌ دائم على الأعيان ، ولا تسقطُ عمَّن اتَّصَفَ بشروط ذلك ، والجهادُ من فروض الكفايات ، وقد يسقُطُ في بعض الأوقات ، بل وقد صار جماعةٌ كثيرةٌ إلى : أنّ فرضَ الجهاد قد سقَطَ بعد فتح مكَّة ، وذُكرَ أنَّه مذهبُ ابنِ عمر ، والثوري ، وابن سِيرِينَ ، ونحوُهُ لسُحْنُون من أصحابنا ، إلا أن ينزلَ العَدُو بقوم ، أو يأمر الإمامُ بالجهاد ، فيلزمُ عند ذلك .
وقد ظهَرَ مِنْ عدولِ ابن عمر عن جواب الذي قال له : ألا تغزو ؟ إلى جوابه بقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ، أنَّه كان لا يرى فرضيَّةَ الجهاد في ذلك الوقت خاصَّةً ، أو على أنَّهُ يرى سقوطَهُ مطلقًا ؛ كما نُقِلَ عنه . وحديث ابن عمر هذا قد روي من طرق : ففي بعضها : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلا اللهُ ، وفي بعضها : على أن تعْبَدَ اللهُ ، وتكْفَرَ بما دونه ، فالأُولَى نَقْلٌ للفظ ، والأخرى نقلُ بالمعنى ، والأصل نقل اللفظ ، وهو المتفق عليه . وقد اختُلِفَ في جواز نقل الحديثِ بالمعنى مِنَ العالِمِ بمواقعِ الكلم ، وتركيبها على قولين : الجواز ، والمنع .
وأما مَنْ لا يَعْرِف ، فلا خلافَ في تحريمِ ذلك عليه ، وقد أوضحنا المسألةَ في الأصول . وقد وقع في بعضِ الرواياتِ في الأصل تقديمُ الحجِّ على الصوم ، وهي وَهَمٌ ، والله أعلم ؛ لأنَّ ابن عمر لمَّا سَمِعَ المستعيدَ يُقدِّمُ الحجَّ على الصوم ، زجَرَهُ ونهاه عن ذلك ، وقدَّم الصومَ على الحجِّ ، وقال : هكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - . ولا شك في أنَّ نقل اللفظ كما سُمِعَ هو الأَوْلَى والأسلم ، والأعظم للأجر ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ، ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هو أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ .
ويَحْتَمِلُ أن يكون محافظةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على ترتيب هذه القواعد ؛ لأنَّها نزلَتْ كذلك : الصلاةُ أولاً ، ثُمَّ الزكاةُ ، ثُمَّ الصوم ، ثُمَّ الحج . وَيَحْتَمِلُ ذلك أنْ يكونَ لإفادة الأوكد فالأوكد ؛ فقد يَسْتَنْبِطُ الناظرُ في ذلك الترتيب تقديمَ الأوكدِ على ما هو دونَهُ إذا تعذَّر الجمعُ بينهما ؛ كمن ضاق عليه وقتُ الصلاة ، وتعيَّن عليه في ذلك الوقتِ أداءُ الزكاة لضرورة المستَحِقِّ ؛ فيبدأ بالصلاة ، أو كما إذا ضاق وقتُ الصلاة على الحَاجِّ ، فيتذكَّرُ العشاءَ الآخرة ، وقد بقي عليه مِنْ وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعلَهُ فاته الوقوفُ بِعَرَفَةَ ، فقد قال بعضُ العلماء : إنَّه يبدأُ بالصلاة وإنْ فاته الوقوفُ ؛ نظرًا إلى ما ذكرناه ، وقيل : يبدأ بالوقوف ؛ للمشقَّةِ في استئناف الحَجِّ . ومن ذلك : لو رجلٌ بزكاةٍ فرَّط في أدائها ، وبكفَّارةِ فِطْرٍ من رمضان ، وضاقَ الثلثُ عنهما ، بدَأَ بالزكاة أولا لأوكديَّتها على الصوم ، وكذلك : لو بكفَّارةِ الفطر وبَهديٍ واجبٍ في الحَجِّ ، قدَّمَ كَفَّارَةَ الفِطْر ؛ وهذا كلُّه على أصل مالك ، فإنَّ ذلك كلَّه يُخْرَجُ من الثلث ، وأمّا مَنْ ذهب إلى أنَّ ذلك يُخْرَجُ من رأس المال ، فلا تفريعَ على ذلك بشيء ممَّا ذكرناه ، والله تعالى أعلم .