[ 45 ] - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ . قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - شَكَّ الْأَعْمَشُ - قَالَ : لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : افْعَلُوا . قَالَ : فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ . قَالَ : فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبَسَطَهُ ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ . قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ . قَالَ : وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ . قَالَ : وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَسْرَةٍ ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ . قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ ، ثُمَّ قَالَ : خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ . قَالَ : فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَأوهُ . قَالَ : فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؛ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنْ الْجَنَّةِ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا كَانَ يَوْمُ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( يَوْمُ غَزْوَةِ تَبُوكَ ) ، وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ هُنَا الْوَقْتُ وَالزَّمَانُ لَا الْيَوْمُ الَّذِي هُوَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَيْسَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ أَوْ أَكْثَرِهَا ذِكْرُ الْيَوْمِ هُنَا . وَأَمَّا الْغَزْوَةِ فَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا : الْغَزَاةُ . وَأَمَّا ( تَبُوكُ ) فَهِيَ مِنْ أَدْنَى أَرْضِ الشَّامِ . وَالْمَجَاعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ ، وَهُوَ الْجُوعُ الشَّدِيدُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا ) النَّوَاضِحُ مِنَ الْإِبِلِ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الذَّكَرُ مِنْهَا نَاضِحٌ ، وَالْأُنْثَى نَاضِحَةٌ . قَالَ صَاحِبُ " التَّحْرِيرِ " : قَوْلُهُ ( وَادَّهَنَّا ) لَيْسَ مَقْصُودُهُ مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنَ الِادِّهَانِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : اتَّخَذْنَا دُهْنًا مِنْ شُحُومِهَا . وَقَوْلُهُمْ : ( لَوْ أَذِنْتَ لَنَا ) هَذَا مِنْ أَحْسَنِ آدَابِ خِطَابِ الْكِبَارِ وَالسُّؤَالِ مِنْهُمْ ، فَيُقَالُ : لَوْ فَعَلْتَ كَذَا أَوْ أَمَرْتَ بِكَذَا ، لَوْ أَذِنْتَ فِي كَذَا وَأَشَرْتَ بِكَذَا . وَمَعْنَاهُ : لَكَانَ خَيْرًا ، أَوْ : لَكَانَ صَوَابًا وَرَأْيًا مَتِينًا ، أَوْ مَصْلَحَةً ظَاهِرَةً ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا . فَهَذَا أَجْمَلُ مِنْ قَوْلِهِمْ لِلْكَبِيرِ : افْعَلْ كَذَا ؛ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مِنَ الْغُزَاةِ أَنْ يُضَيِّعُوا دَوَابَّهُمُ الَّتِي يَسْتَعِينُونَ بِهَا فِي الْقِتَالِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ ، وَلَا يَأْذَنُ لَهُمْ إِلَّا إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً أَوْ خَافَ مَفْسَدَةً ظَاهِرَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ ) فِيهِ جَوَازُ الْإِشَارَةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَالرُّؤَسَاءِ ، وَأَنَّ لِلْمَفْضُولِ أَنْ يُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ مَا رَأَوْهُ إِذَا ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ عِنْدَهُ ، وَأَنْ يُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِإِبْطَالِ مَا أَمَرُوا بِفِعْلِهِ . وَالْمُرَادُ بِالظَّهْرِ هُنَا الدَّوَابُّ ، سُمِّيَتْ ظَهْرًا لِكَوْنِهَا يُرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهَا أَوْ لِكَوْنِهَا يُسْتَظْهَرُ بِهَا وَيُسْتَعَانُ عَلَى السَّفَرِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ تَعَالَى لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ ، لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ الَّتِي رَأَيْنَا ، وَفِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : يَجْعَلُ فِي ذَلِكَ بَرَكَةً أَوْ خَيْرًا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ؛ فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ بِهِ لِأَنَّهُ فَضْلَةٌ . وَأَصْلُ الْبَرَكَةِ كَثْرَةُ الْخَيْرِ وَثُبُوتُهُ ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ : ثَبَتَ الْخَيْرُ عِنْدَهُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَدَعَا بِنِطَعٍ ) فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ مَشْهُورَةٌ ، أَشْهُرُهَا : كَسْرُ النُّونِ مَعَ فَتْحِ الطَّاءِ . وَالثَّانِيَةُ بِفَتْحِهِمَا ، وَالثَّالِثَةُ بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ إِسْكَانِ الطَّاءِ ، وَالرَّابِعَةُ بِكَسْرِ النُّونِ مَعَ إِسْكَانِ الطَّاءِ . قَوْلُهُ : ( وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ ) يُقَالُ : فَضِلَ وَفَضَلَ ؛ بِكَسْرِ الضَّادِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ قَطْعًا · ص 182 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب مَنْ لَقِيَ اللهَ تَعَالَى عَالِمًا بِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ · ص 197 27- [ 22 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَسِيرٍ ، قَالَ : فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ ، حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ ، قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ! لَو جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ ، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا ، قَالَ : فَفَعَلَ ، قَالَ : فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ ، قَالَ : وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ ، قُلْتُ : وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَاةِ ؟ قَالَ : يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، قَالَ : فَدَعَا عَلَيْهَا ، حَتَّى مَلأ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ ، قَالَ : فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا ، إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رسولَ الله ، إِنْ فَعَلْتَ ، قَلَّ الظَّهرُ ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ . وفيها : حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِالْبَرَكَةِ ، ثُمَّ قَالَ لَهم : خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ ، قَالَ : فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤوهُ ، قَالَ : فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ . و ( قوله : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَسِيرٍ ، فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ ) المسير : السيرُ ، يريدُ به السفر ، ونَفدَتْ : فَرَغَتْ وفَنِيَتْ ؛ ومنه قولُهُ تعالى : ُ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي . والحمائلُ جمع حَمُولَةٍ بفتح الحاء ؛ ومنه قوله تعالى حَمُولَةً وَفَرْشًا ، وهي : الإبلُ التي تُحْمَلُ عليها الأثقالُ ، وتسمَّى رواحلَ ؛ لأنها يُرْحَلُ عليها ، وتسمَّى نواضحَ ؛ إذا استُقِيَ عليها . والبعيرُ ناضحٌ ، والناقةُ ناضحةٌ ؛ قاله أبو عُبَيْد . و ( قوله : وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ ) كذا الرواية ، ووجهُهُ : وذو النَّوَى بنواه ، كما قال : وذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ . و ( قوله : حَتَّى مَلأ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ ) هكذا الرواية ، وصوابُهُ : مَزَاوِدَهُمْ ؛ فإنّها هي التي تُمْلَأُ بالأَزْوِدة ، وهي جمعُ زاد ، فسمَّى المزاودَ أزودةً باسمها ؛ لأنَّها تُجْعَلُ فيها على عادتهم في تَسْمِيَتِهِمُ الشيءَ باسمِ الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب ، وقد عبَّر عنها في الرواية الأخرى بالأَوْعِيَةِ . و ( قوله : حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ ) يعني : النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، كان هذا الهمُّ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكم النظر المَصْلَحيِّ لا بالوحي ؛ أَلاَ تَرَى كيف عرَضَ عمرُ بن الخطَّاب عليه مصلحةً أخرى ، ظهر للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رجحانُهَا ؛ فوافقَهُ عليها وعمل بها . ففيه : دليلٌ على العمل بالصالح ، وعلى سماعِ رأي أهلِ العَقْل والتجارب ، وعلى أنَّ الأزواد والمياه إذا نَفِدَتْ أو قلَّت ، جمَعَ الإمامُ ما بقي منها ، وقَوَّتَهُمْ به شرعًا سواءً ؛ وهذا كنحو ما مدَحَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأشعريِّين ، فقال : الأَشْعَرِيُّونَ إذا قَلَّ زَادُهُمْ ، جَمَعُوهُ ، فَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى . و ( قوله : لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ ) يعني : كلمتَيِ التوحيدِ المتقدِّمَتَيْنِ . ويُحْجَبُ : يُمْنَعْ ، ورويناه بفتح الباء ورفعها ، فالنصبُ بإضمار أنْ بعد الفاء في جواب النفي ، وهو الأظهر والأجود ، وفي الرفع إشكال ؛ لأنه يرتفعُ على أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوفٍ تقديره : فهو يُحْجَبُ ، وهو نقيضُ المقصود ، فلا يستقيمُ المعنى حتى تقدَّر لا النافيةُ ، أي : فهو لا يُحْجَبُ ، ولا تحذف لا النافية في مِثْلِ هذا ، والله أعلم . وظاهرُ هذا الحديث : أنَّ مَنْ لقي الله وهو يشهَدُ أنْ لا إله إلا الله وحده ، دخَلَ الجنة ، ولا يدخُلُ النار ، وهذا صحيحٌ فيمن لقي اللهَ تعالى بَرِيئا من الكبائر . فأمَّا مَنْ لقي الله تعالى مرتكبَ كبيرةٍ ولم يَتُبْ منها ، فهو في مشيئة الله تعالى التي دَلَّ عليها قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وقد جاءتِ الأحاديثُ الكثيرة الصحيحة المفيدةُ بكثرتها حصولَ العلم القطعيِّ : أنَّ طائفةً كثيرة مِنْ أهلِ التوحيد يَدْخُلُونَ النار ، ثُمَّ يُخْرَجُونَ منها بالشفاعةِ ، أو بالتفضُّلِ المعبَّرِ عنه بالقَبْضَةِ في الحديث الصحيح ، أو بما شاء الله تعالى ، فدلَّ ذلك على أنَّ الحديثَ المتقدِّمَ ليس على ظاهره ، فيتعيَّن تأويلُهُ ، ولأهل العلم فيه تأويلان : أحدهما : أنَّ هذا العموم يرادُ به الخصوصُ مِمَّنْ يعفو اللهُ تعالى عنه مِنْ أهلِ الكبائر ممَّن يشاء الله تعالى أن يَغْفِرَ له ابتداءً مِنْ غير توبةٍ كانت منهم ، ولا سَبَبٍ يقتضي ذلك غيرَ محضِ كَرَمِ الله تعالى وفضله ؛ كما دَلَّ عليه قوله تعالى : ُ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . وهذا على مذهبِ أهلِ السُّنَّة والجماعة ؛ خلافًا للمبتدعة المانعين تَفَضُّلَ الله تعالى بذلك ، وهو مذهبٌ مردودٌ بالأدلَّة القطعية العقليَّة والنقلية ، وبسطُ ذلك في عِلْمِ الكلام . وثانيهما : أنَّهم لا يُحْجَبون عن الجنّةِ بعد الخروج من النار ، وتكونُ فائدتُهُ الإخبارَ بخلودِ كلِّ مَنْ دخل الجنةَ فيها ، وأنَّه لا يُحْجَبُ عنها ، ولا عن شيءٍ مِنْ نعيمها ، والله تعالى أعلم .