باب مَنْ لَقِيَ اللهَ تَعَالَى عَالِمًا بِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ
[ 22 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَسِيرٍ ، قَالَ : فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ ، حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ ، قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ! لَو جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ ، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا ، قَالَ : فَفَعَلَ ، قَالَ : فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ ، قَالَ : وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ ، قُلْتُ : وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَاةِ ؟ قَالَ : يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، قَالَ : فَدَعَا عَلَيْهَا ، حَتَّى مَلأ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ ، قَالَ : فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا ، إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رسولَ الله ، إِنْ فَعَلْتَ ، قَلَّ الظَّهرُ ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ . وفيها : حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِالْبَرَكَةِ ، ثُمَّ قَالَ لَهم : خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ ، قَالَ : فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤوهُ ، قَالَ : فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ .
و ( قوله : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَسِيرٍ ، فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ ) المسير : السيرُ ، يريدُ به السفر ، ونَفدَتْ : فَرَغَتْ وفَنِيَتْ ؛ ومنه قولُهُ تعالى : ُ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي . والحمائلُ جمع حَمُولَةٍ بفتح الحاء ؛ ومنه قوله تعالى حَمُولَةً وَفَرْشًا ، وهي : الإبلُ التي تُحْمَلُ عليها الأثقالُ ، وتسمَّى رواحلَ ؛ لأنها يُرْحَلُ عليها ، وتسمَّى نواضحَ ؛ إذا استُقِيَ عليها . والبعيرُ ناضحٌ ، والناقةُ ناضحةٌ ؛ قاله أبو عُبَيْد .
و ( قوله : وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ ) كذا الرواية ، ووجهُهُ : وذو النَّوَى بنواه ، كما قال : وذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ . و ( قوله : حَتَّى مَلأ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ ) هكذا الرواية ، وصوابُهُ : مَزَاوِدَهُمْ ؛ فإنّها هي التي تُمْلَأُ بالأَزْوِدة ، وهي جمعُ زاد ، فسمَّى المزاودَ أزودةً باسمها ؛ لأنَّها تُجْعَلُ فيها على عادتهم في تَسْمِيَتِهِمُ الشيءَ باسمِ الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب ، وقد عبَّر عنها في الرواية الأخرى بالأَوْعِيَةِ . و ( قوله : حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ ) يعني : النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، كان هذا الهمُّ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكم النظر المَصْلَحيِّ لا بالوحي ؛ أَلاَ تَرَى كيف عرَضَ عمرُ بن الخطَّاب عليه مصلحةً أخرى ، ظهر للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رجحانُهَا ؛ فوافقَهُ عليها وعمل بها .
ففيه : دليلٌ على العمل بالصالح ، وعلى سماعِ رأي أهلِ العَقْل والتجارب ، وعلى أنَّ الأزواد والمياه إذا نَفِدَتْ أو قلَّت ، جمَعَ الإمامُ ما بقي منها ، وقَوَّتَهُمْ به شرعًا سواءً ؛ وهذا كنحو ما مدَحَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأشعريِّين ، فقال : الأَشْعَرِيُّونَ إذا قَلَّ زَادُهُمْ ، جَمَعُوهُ ، فَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى . و ( قوله : لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ ) يعني : كلمتَيِ التوحيدِ المتقدِّمَتَيْنِ . ويُحْجَبُ : يُمْنَعْ ، ورويناه بفتح الباء ورفعها ، فالنصبُ بإضمار أنْ بعد الفاء في جواب النفي ، وهو الأظهر والأجود ، وفي الرفع إشكال ؛ لأنه يرتفعُ على أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوفٍ تقديره : فهو يُحْجَبُ ، وهو نقيضُ المقصود ، فلا يستقيمُ المعنى حتى تقدَّر لا النافيةُ ، أي : فهو لا يُحْجَبُ ، ولا تحذف لا النافية في مِثْلِ هذا ، والله أعلم .
وظاهرُ هذا الحديث : أنَّ مَنْ لقي الله وهو يشهَدُ أنْ لا إله إلا الله وحده ، دخَلَ الجنة ، ولا يدخُلُ النار ، وهذا صحيحٌ فيمن لقي اللهَ تعالى بَرِيئا من الكبائر . فأمَّا مَنْ لقي الله تعالى مرتكبَ كبيرةٍ ولم يَتُبْ منها ، فهو في مشيئة الله تعالى التي دَلَّ عليها قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وقد جاءتِ الأحاديثُ الكثيرة الصحيحة المفيدةُ بكثرتها حصولَ العلم القطعيِّ : أنَّ طائفةً كثيرة مِنْ أهلِ التوحيد يَدْخُلُونَ النار ، ثُمَّ يُخْرَجُونَ منها بالشفاعةِ ، أو بالتفضُّلِ المعبَّرِ عنه بالقَبْضَةِ في الحديث الصحيح ، أو بما شاء الله تعالى ، فدلَّ ذلك على أنَّ الحديثَ المتقدِّمَ ليس على ظاهره ، فيتعيَّن تأويلُهُ ، ولأهل العلم فيه تأويلان : أحدهما : أنَّ هذا العموم يرادُ به الخصوصُ مِمَّنْ يعفو اللهُ تعالى عنه مِنْ أهلِ الكبائر ممَّن يشاء الله تعالى أن يَغْفِرَ له ابتداءً مِنْ غير توبةٍ كانت منهم ، ولا سَبَبٍ يقتضي ذلك غيرَ محضِ كَرَمِ الله تعالى وفضله ؛ كما دَلَّ عليه قوله تعالى : ُ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . وهذا على مذهبِ أهلِ السُّنَّة والجماعة ؛ خلافًا للمبتدعة المانعين تَفَضُّلَ الله تعالى بذلك ، وهو مذهبٌ مردودٌ بالأدلَّة القطعية العقليَّة والنقلية ، وبسطُ ذلك في عِلْمِ الكلام .
وثانيهما : أنَّهم لا يُحْجَبون عن الجنّةِ بعد الخروج من النار ، وتكونُ فائدتُهُ الإخبارَ بخلودِ كلِّ مَنْ دخل الجنةَ فيها ، وأنَّه لا يُحْجَبُ عنها ، ولا عن شيءٍ مِنْ نعيمها ، والله تعالى أعلم .