[ 57 ] ( 35 ) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ . ( 12 ) بَاب بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَأَفْضَلِهَا وَأَدْنَاهَا وَفَضِيلَةِ الْحَيَاءِ وَكَوْنِهِ مِنْ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ : ( أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْقَافِ . وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي أَوَّلِ الْمُقَدِّمَةِ فِي بَابِ النَّهْيِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ) هَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ " كَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلٍ " بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ " عَلَى الشَّكِّ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ رِوَايَةِ الْعَقَدِيِّ " بِضْعٌ وَسِتُّونَ " بِلَا شَكٍّ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلٍ " بِضْعٌ وَسَبْعُونَ " بِلَا شَكٍّ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ ، وَقَالَ فِيهِ : أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّاجِحَةِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ وَلِسَائِرِ الرُّوَاةِ " بِضْعٌ وَسِتُّونَ " . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : هَذَا الشَّكُّ الْوَاقِعُ فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ هُوَ مِنْ سُهَيْلٍ . كَذَا قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُهَيْلٍ " بِضْعٌ وَسَبْعُونَ " مِنْ غَيْرِ شَكٍّ . وَأَمَّا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ أَخْرَجَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْرَ أَنَّهَا فِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ " بِضْعٌ وَسَبْعُونَ " ، وَفِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ " بِضْعٌ وَسِتُّونَ " . وَقَدْ نَقَلْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكِتَابَيْنِ وَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رِوَايَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي طُرُقِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَاخْتَلَفُوا فِي التَّرْجِيحِ قَالَ : وَالْأَشْبَهُ بِالْإِتْقَانِ وَالِاحْتِيَاطِ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ الْأَقَلِّ . قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ ، وَإِيَّاهَا اخْتَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ ; فَإِنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ حَفِظَ الزِّيَادَةَ جَازِمًا بِهَا . قَالَ الشَّيْخُ : ثُمَّ إِنَّ الْكَلَامَ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الشُّعَبِ يَطُولُ ، وَقَدْ صُنِّفَتْ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٌ . وَمِنْ أَغْزَرِهَا فَوَائِدُ كِتَابِ ( الْمِنْهَاجُ ) لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ إِمَامِ الشَّافِعِيِّينَ بِبُخَارَى . وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ . وَحَذَا حَذْوَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ الْجَلِيلِ الْحَفِيلِ كِتَابِ " شُعَبُ الْإِيمَانِ " هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : الْبِضْعُ وَالْبِضْعَةُ بِكَسْرِ الْبَاءِ فِيهِمَا وَفَتْحِهَا ، هَذَا فِي الْعَدَدِ فَأَمَّا بَضْعَةُ اللَّحْمِ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ . وَالْبِضْعُ فِي الْعَدَدِ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالْعَشْرِ . وَقِيلَ : مِنْ ثَلَاثٍ إِلَى تِسْعٍ . وَقَالَ الْخَلِيلُ : الْبِضْعُ سَبْعٌ . وَقِيلَ : مَا بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلَى عَشَرَةٍ ، وَمَا بَيْنَ اثْنَيْ عَشَرَ إِلَى عِشْرِينَ . وَلَا يُقَالُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ . قُلْتُ : وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَشْهُرُ الْأَظْهَرُ . وَأَمَّا الشُّعْبَةُ فَهِيَ الْقِطْعَةِ مِنَ الشَّيْءِ . فَمَعْنَى الْحَدِيثِ : بِضْعٌ وَسَبْعُونَ خَصْلَةً . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ فِي اللُّغَةِ التَّصْدِيقُ ، وَفِي الشَّرْعِ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ . وَظَوَاهِرُ الشَّرْعِ تُطْلِقُهُ عَلَى الْأَعْمَالِ كَمَا وَقَعَ هُنَا ( أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ، وَآخِرُهَا ( إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ) ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ بِالْأَعْمَالِ ، وَتَمَامَهُ بِالطَّاعَاتِ ، وَأَنَّ الْتِزَامَ الطَّاعَاتِ وَضَمَّ هَذِهِ الشُّعَبِ مِنْ جُمْلَةِ التَّصْدِيقِ ، وَدَلَائِلُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهَا خُلُقُ أَهْلِ التَّصْدِيقِ فَلَيْسَتْ خَارِجَةً عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ وَلَا اللُّغَوِيِّ . وَقَدْ نَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ أَفْضَلَهَا التَّوْحِيدُ الْمُتَعَيِّنُ علَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَالَّذِي لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنَ الشُّعَبِ إِلَّا بَعْدَ صِحَّتِهِ . وَأَدْنَاهَا مَا يُتَوَقَّعُ ضَرَرُهُ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِهِمْ . وَبَقِيَ بَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ أَعْدَادٌ لَوْ تَكَلَّفَ الْمُجْتَهِدُ تَحْصِيلَهَا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ، وَشِدَّةِ التَّتَبُّعِ لَأَمْكَنَهُ . وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ . وَفِي الْحُكْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُرَادُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُعُوبَةٌ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَعْرِفَةُ أَعْيَانِهَا ، وَلَا يَقْدَحُ جَهْلُ ذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ إِذْ أُصُولُ الْإِيمَانِ وَفُرُوعُهُ مَعْلُومَةٌ مُحَقَّقَةٌ ، وَالْإِيمَانُ بِأَنَّهَا هَذَا الْعَدَدُ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاءِ : تَتَبَّعْتُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مُدَّةً ، وَعَدَدْتُ الطَّاعَاتِ فَإِذَا هِيَ تَزِيدُ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ شَيْئًا كَثِيرًا ، فَرَجَعَتُ إِلَى السُّنَنِ فَعَدَدْتُ كُلَّ طَاعَةٍ عَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْإِيمَانِ ، فَإِذَا هِيَ تَنْقُصُ عَنِ الْبِضْعِ وَالسَّبْعِينَ ، فَرَجَعَتْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَرَأَتْهُ بِالتَّدَبُّرِ وَعَدَدْتُ كُلَّ طَاعَةٍ عَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْإِيمَانِ فَإِذَا هِيَ تَنْقُصُ عَنِ الْبِضْعِ وَالسَّبْعِينَ ، فَضَمَمْتُ الْكِتَابَ إِلَى السُّنَنِ ، وَأَسْقَطَتِ الْمُعَادَ فَإِذَا كُلُّ شَيْءٍ عَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَنَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْإِيمَانِ تِسْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا تَنْقُصُ ، فَعَلِمْتُ أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَنِ . وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَمِيعَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ وَصْفِ الْإِيمَانِ وَشُعَبِهِ . وَذَكَرَ أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً أَيْضًا صَحِيحَةٌ ; فَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَذْكُرُ لِلشَّيْءِ عَدَدًا وَلَا تُرِيدُ نَفْيَ مَا سِوَاهُ . وَلَهُ نَظَائِرُ أَوْرَدَهَا فِي كِتَابِهِ ، مِنْهَا فِي أَحَادِيثِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ ) وَفِي الْأُخْرَى ( الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ) وَفِي الْأُخْرَى ( الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ أَوْ قَالَ كُلُّهُ خَيْرٌ ) الْحَيَاءُ مَمْدُودٌ وَهُوَ الِاسْتِحْيَاءُ . قَالَ الْإِمَامُ الْوَاحِدِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ الْحَيَاةِ ، وَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ : مِنْ قُوَّةِ الْحَيَاةِ فِيهِ لِشِدَّةِ عِلْمِهِ بِمَوَاقِعِ الْعَيْبِ . قَالَ : فَالْحَيَاءُ مِنْ قُوَّةِ الْحِسِّ وَلُطْفِهِ وَقُوَّةِ الْحَيَاةِ . وَرُوِّينَا فِي رِسَالَةِ الْإِمَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ عَنِ السَّيِّدِ الْجَلِيلِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الْآلَاءِ أَيِ النِّعَمِ ، وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى الْحَيَاءُ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ : إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ وَإِنْ كَانَ غَرِيزَةً لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَخَلُّقًا وَاكْتِسَابًا كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَقَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى اكْتِسَابٍ وَنِيَّةٍ وَعِلْمٍ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهَذَا ، وَلِكَوْنِهِ بَاعِثًا عَلَى أَفْعَالِ الْبِرِّ ، وَمَانِعًا مِنَ الْمَعَاصِي . وَأَمَّا كَوْنُ الْحَيَاءِ خَيْرًا كُلَّهُ ، وَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ فَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ صَاحِبَ الْحَيَاءِ قَدْ يَسْتَحْي أَنْ يُوَاجِهَ بِالْحَقِّ مَنْ يُجِلُّهُ ، فَيَتْرُكُ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ . وَقَدْ يَحْمِلُهُ الْحَيَاءُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ . وَجَوَابُ هَذَا مَا أَجَابَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْر بْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ هَذَا الْمَانِعُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ بِحَيَاءٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَخَوَرٌ وَمَهَانَةٌ وَإِنَّمَا تَسْمِيَتُهُ حَيَاءً مِنْ إِطْلَاقِ بَعْضِ أَهْلِ الْعُرْفِ أَطْلَقُوهُ مَجَازًا لِمُشَابَهَتِهِ الْحَيَاءَ الْحَقِيقِيَّ وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ ، وَنَحْوِ هَذَا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْجُنَيْدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَأَفْضَلِهَا وَأَدْنَاهَا وَفَضِيلَةِ الْحَيَاءِ وَكَوْنِهِ مِنْ الْإِيمَانِ · ص 201 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الإِيمَانُ شُعَبٌ وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْهَا · ص 215 ( 13 ) بَابٌ الإِيمَانُ شُعَبٌ ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْهَا 35- [ 29 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ . وَفِي رِوَايَةٍ : بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أو بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا : قَوْلُ لا إِلهَ إِلا اللهُ ، وَأَدْنَاهَا : إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِْيمَانِ . ( 13 ) وَمِنْ بَابِ الإِيمَانُ شُعَبٌ ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْهَا ( قوله : الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ) الإيمانُ في هذا الحديث يرادُ به : الأعمالُ ، بدليل أنَّه ذكَرَ فيه أعلى الأعمال ، وهو قولُ : لا إلهَ إلاَّ الله ، وأدناها ، أي : أقرَبَها ، وهو إماطةُ الأذى ، وهما عملان ؛ فما بينهما مِنْ قبيل الأعمال . وقد قدَّمنا القولَ في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً ، وأنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا مجازًا وتوسُّعًا ؛ لأنَّها عن الإيمان تكونُ غالبًا . والبِضْعُ والبِضْعَةُ واحدٌ ، وهو من العَدَدِ بكسر الباء ، وقد تُفْتَح وهو قليلٌ ؛ ذكره الجوهريُّ . فأمَّا مِنْ بَضْعِ اللحم فبِفَتْح الباء لا غير ، والبَضْعَةُ من اللحم ، بالفتح القطعةُ منه ، واستعملَتِ العربُ البِضْعَ في المشهور مِنْ كلامها : فيما بين الثلاثِ إلى العَشْر ، وقيل : إلى التِّسْع ، وقال الخليلُ : البِضْعُ : سبع ، وقيل : هو ما بين اثنَيْنِ إلى عَشْر ، وما بين عشَرَ إلى عشرين ، ولا يقالُ في أحدَ عشَرَ ، ولا في اثنَيْ عشر ، وقال الخليلُ أيضًا : هو ما بين نِصْفِ العَقْد ، يريد مِنْ واحدٍ إلى أربع . والشُّعْبَةُ في أصلها : واحدةُ الشُّعَب ، وهي أغصانُ الشجر ، وهي بضمِّ الشين ، فأمَّا شُعَبُ القبائل ، فواحدُهَا : شَعْبٌ بفتحها ، وقال الخليل : الشَّعْب : الاجتماعُ والافتراق . وفي الصحاح : هو من الأضداد . فيُراد بالشُّعْبة في الحديث الخَصْلة ، ويعني : أنَّ الإيمانَ ذو خصال معدودة ، وقد ذكَرَ الترمذيُّ هذا الحديثَ ، وسمَّى الشُّعْبة بابًا ، فقال : بِضْعٌ وستون أو بضع وسَبْعُونَ ، ولا يُلْتَفَتُ لهذا الشكِّ ؛ فإنَّ غيره من الثقات قد جَزَمَ بأنَّه بِضْعٌ وسبعون ، وروايةُ مَنْ جزَمَ أولى . ومقصودُ هذا الحديثِ : أنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا ، وأنَّها منحصرةٌ في ذلك العدد ، غيرَ أنَّ الشرع لم يُعيِّنْ ذلك العدد لنا ولا فصَّله . وقد تكلَّف بعضُ المتأخِّرين تعديدَ ذلك ؛ فتصفَّحَ خِصَالَ الشريعةِ وعدَّدها ، حتَّى انتهَى بها - في زعمه - إلى ذلك العَدَد ، ولا يصحُّ له ذلك ؛ لأنَّه يمكنُ الزيادةُ على ما ذكَرَ ، والنقصانُ ممَّا ذكَرَ ؛ ببيانِ التداخل . والصحيحُ : ما صار إليه أبو سُلَيْمان الخَطَّابيُّ وغيره : أنَّها منحصرةٌ في علمِ الله تعالى ، وعِلْمِ رسوله ، وموجودةٌ في الشريعة ، مفصَّلَةٌ فيها ، غير أنَّ الشرعَ لم يُوقِفْنَا على أشخاص تلك الأبواب ، ولا عيَّن لنا عدَدَهَا ، ولا كيفيَّةَ انقسامها ، وذلك لا يَضُرُّنَا في عِلْمنا بتفاصيلِ ما كُلِّفْنا به مِنْ شريعتنا ولا في عملنا ؛ إذْ كلُّ ذلك مفصَّلٌ مُبيَّنٌ في جملةِ الشريعة ، فما أُمِرْنَا بالعَمَلِ به عَمِلْنَاه ، وما نُهِينَا عنه انتهَيْنَا ، وإنْ لم نُحِطْ بِحَصْرِ أعداد ذلك ، والله تعالى أعلم . والحياءُ : انقباضٌ وحِشْمَةٌ يجدها الإنسانُ مِنْ نفسه عندما يُطَّلَعُ منه على ما يُسْتَقْبَحُ ويُذَمُّ عليه ، وأصلُهُ غريزيٌّ في الفطرة ، ومنه مكتسَبٌ للإنسان ؛ كما قال بعضُ الحكماء في العقل : رَأَيْتُ العَقْلَ عَقْلَيْنِ فَمَطْبُوعٌ وَمَصْنُوعُ وَلاَ يَنْفَعُ مَصْنُوعٌ إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ كَمَا لاَ تَنْفَعُ الْعَيْنُ وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعُ وهذا المكتَسَبُ : هو الذي جعلَهُ الشرعُ من الإيمان ، وهو الذي يُكلَّفُ به . وأمَّا الغريزيُّ فلا يكلَّفُ به ؛ إذْ ليس ذلك مِنْ كسبنا ، ولا في وُسْعنا ، ولم يكلِّفِ اللهُ نفسًا إلاَّ وسعها ؛ غير أنَّ هذا الغريزيَّ يَحْمِلُ على المكتسب ، ويُعِينُ عليه ؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ ، والحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ . وأوَّلُ الحياءِ وأَوْلاَه : الحياءُ من الله تعالى ، وهو ألاَّ يراك حيثُ نهاك ، وذلك لا يكونُ إلاَّ عن معرفةٍ بالله تعالى كاملة ، ومراقبةٍ له حاصلَة ، وهي المعبَّرُ عنها بقوله : أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ . وقد رَوَى الترمذيُّ مِنْ حديث ابن مسعود أَنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - قال : اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ ، فَقَالُوا : إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالحَمْدُ للهِ ، فَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ ، ولكنَّ الاسْتِحْياءَ من الله حقَّ الحَيَاءِ : أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى ، وَالْبطنَ وما وَعَى ، وَتَذْكُرَ المَوْتَ وَالْبِلَى ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ . قال الشيخ : وأهلُ المعرفة في هذا الحياءِ منقسمون ؛ كما أنّهم في أحوالهم متفاوتون كما تقدم ، وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جُمِعَ له كمالُ نوعَيِ الحياء ، فكان في الحياءِ الغريزيِّ أشدَّ حياءً من العَذْراء في خِدْرها ، وفي حيائِهِ الكسبيِّ في ذِرْوتها .