حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الإِيمَانُ شُعَبٌ وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْهَا

) بَابٌ الإِيمَانُ شُعَبٌ ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْهَا 35- [ 29 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ . وَفِي رِوَايَةٍ : بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أو بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا : قَوْلُ لا إِلهَ إِلا اللهُ ، وَأَدْنَاهَا : إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِْيمَانِ . ( 13 ) وَمِنْ بَابِ الإِيمَانُ شُعَبٌ ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْهَا ( قوله : الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ) الإيمانُ في هذا الحديث يرادُ به : الأعمالُ ، بدليل أنَّه ذكَرَ فيه أعلى الأعمال ، وهو قولُ : لا إلهَ إلاَّ الله ، وأدناها ، أي : أقرَبَها ، وهو إماطةُ الأذى ، وهما عملان ؛ فما بينهما مِنْ قبيل الأعمال .

وقد قدَّمنا القولَ في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً ، وأنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا مجازًا وتوسُّعًا ؛ لأنَّها عن الإيمان تكونُ غالبًا . والبِضْعُ والبِضْعَةُ واحدٌ ، وهو من العَدَدِ بكسر الباء ، وقد تُفْتَح وهو قليلٌ ؛ ذكره الجوهريُّ . فأمَّا مِنْ بَضْعِ اللحم فبِفَتْح الباء لا غير ، والبَضْعَةُ من اللحم ، بالفتح القطعةُ منه ، واستعملَتِ العربُ البِضْعَ في المشهور مِنْ كلامها : فيما بين الثلاثِ إلى العَشْر ، وقيل : إلى التِّسْع ، وقال الخليلُ : البِضْعُ : سبع ، وقيل : هو ما بين اثنَيْنِ إلى عَشْر ، وما بين عشَرَ إلى عشرين ، ولا يقالُ في أحدَ عشَرَ ، ولا في اثنَيْ عشر ، وقال الخليلُ أيضًا : هو ما بين نِصْفِ العَقْد ، يريد مِنْ واحدٍ إلى أربع .

والشُّعْبَةُ في أصلها : واحدةُ الشُّعَب ، وهي أغصانُ الشجر ، وهي بضمِّ الشين ، فأمَّا شُعَبُ القبائل ، فواحدُهَا : شَعْبٌ بفتحها ، وقال الخليل : الشَّعْب : الاجتماعُ والافتراق . وفي الصحاح : هو من الأضداد . فيُراد بالشُّعْبة في الحديث الخَصْلة ، ويعني : أنَّ الإيمانَ ذو خصال معدودة ، وقد ذكَرَ الترمذيُّ هذا الحديثَ ، وسمَّى الشُّعْبة بابًا ، فقال : بِضْعٌ وستون أو بضع وسَبْعُونَ ، ولا يُلْتَفَتُ لهذا الشكِّ ؛ فإنَّ غيره من الثقات قد جَزَمَ بأنَّه بِضْعٌ وسبعون ، وروايةُ مَنْ جزَمَ أولى .

ومقصودُ هذا الحديثِ : أنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا ، وأنَّها منحصرةٌ في ذلك العدد ، غيرَ أنَّ الشرع لم يُعيِّنْ ذلك العدد لنا ولا فصَّله . وقد تكلَّف بعضُ المتأخِّرين تعديدَ ذلك ؛ فتصفَّحَ خِصَالَ الشريعةِ وعدَّدها ، حتَّى انتهَى بها - في زعمه - إلى ذلك العَدَد ، ولا يصحُّ له ذلك ؛ لأنَّه يمكنُ الزيادةُ على ما ذكَرَ ، والنقصانُ ممَّا ذكَرَ ؛ ببيانِ التداخل . والصحيحُ : ما صار إليه أبو سُلَيْمان الخَطَّابيُّ وغيره : أنَّها منحصرةٌ في علمِ الله تعالى ، وعِلْمِ رسوله ، وموجودةٌ في الشريعة ، مفصَّلَةٌ فيها ، غير أنَّ الشرعَ لم يُوقِفْنَا على أشخاص تلك الأبواب ، ولا عيَّن لنا عدَدَهَا ، ولا كيفيَّةَ انقسامها ، وذلك لا يَضُرُّنَا في عِلْمنا بتفاصيلِ ما كُلِّفْنا به مِنْ شريعتنا ولا في عملنا ؛ إذْ كلُّ ذلك مفصَّلٌ مُبيَّنٌ في جملةِ الشريعة ، فما أُمِرْنَا بالعَمَلِ به عَمِلْنَاه ، وما نُهِينَا عنه انتهَيْنَا ، وإنْ لم نُحِطْ بِحَصْرِ أعداد ذلك ، والله تعالى أعلم .

والحياءُ : انقباضٌ وحِشْمَةٌ يجدها الإنسانُ مِنْ نفسه عندما يُطَّلَعُ منه على ما يُسْتَقْبَحُ ويُذَمُّ عليه ، وأصلُهُ غريزيٌّ في الفطرة ، ومنه مكتسَبٌ للإنسان ؛ كما قال بعضُ الحكماء في العقل : رَأَيْتُ العَقْلَ عَقْلَيْنِ فَمَطْبُوعٌ وَمَصْنُوعُ وَلاَ يَنْفَعُ مَصْنُوعٌ إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ كَمَا لاَ تَنْفَعُ الْعَيْنُ وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعُ وهذا المكتَسَبُ : هو الذي جعلَهُ الشرعُ من الإيمان ، وهو الذي يُكلَّفُ به . وأمَّا الغريزيُّ فلا يكلَّفُ به ؛ إذْ ليس ذلك مِنْ كسبنا ، ولا في وُسْعنا ، ولم يكلِّفِ اللهُ نفسًا إلاَّ وسعها ؛ غير أنَّ هذا الغريزيَّ يَحْمِلُ على المكتسب ، ويُعِينُ عليه ؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ ، والحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ . وأوَّلُ الحياءِ وأَوْلاَه : الحياءُ من الله تعالى ، وهو ألاَّ يراك حيثُ نهاك ، وذلك لا يكونُ إلاَّ عن معرفةٍ بالله تعالى كاملة ، ومراقبةٍ له حاصلَة ، وهي المعبَّرُ عنها بقوله : أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ .

وقد رَوَى الترمذيُّ مِنْ حديث ابن مسعود أَنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - قال : اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ ، فَقَالُوا : إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالحَمْدُ للهِ ، فَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ ، ولكنَّ الاسْتِحْياءَ من الله حقَّ الحَيَاءِ : أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى ، وَالْبطنَ وما وَعَى ، وَتَذْكُرَ المَوْتَ وَالْبِلَى ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ .

قال الشيخ : وأهلُ المعرفة في هذا الحياءِ منقسمون ؛ كما أنّهم في أحوالهم متفاوتون كما تقدم ، وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جُمِعَ له كمالُ نوعَيِ الحياء ، فكان في الحياءِ الغريزيِّ أشدَّ حياءً من العَذْراء في خِدْرها ، وفي حيائِهِ الكسبيِّ في ذِرْوتها .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث