حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب مَنْ يَذُوقُ طَعْمَ الإِْيمَانِ وَحَلاَوَتَهُ

[ 28 ] وعَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ تعالى ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ . و( قوله : ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ ) إنما خصَّ هذه الثلاثَ بهذا المعنى ؛ لأنَّها لا توجدُ إلا ممَّن تنوَّرَ قلبُه بأنوار الإيمان واليقين ، وانكشَفَتْ له محاسنُ تلك الأمور التي أوجَبَتْ له تلك المَحَبَّةَ التي هي حالُ العارفين . و ( قوله : مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ) دليلٌ على جواز إضافةِ المحبَّةِ لله تعالى ، وإطلاقِهَا عليه ، ولا خلافَ في إطلاقِ ذلك عليه صحيح مُحِبًّا ومحبوبًا ؛ كما قال تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وهو في السُّنَّة كثير .

ولا يختلف النُّظَّار من أهل السُّنَّة وغيرِهِمْ : أنَّها مُؤَوَّلةٌ في حق الله تعالى ؛ لأنَّ المحبة المتعارَفَةَ في حقِّنا إنَّما هي مَيْلٌ لما فيه غَرَضٌ يَسْتَكْمِلُ به الإنسانُ ما نقصَهُ ، وسكونٌ لما تَلْتَذُّ به النفس ، وتكمُلُ بحصوله ، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك . وقد اختلف أئمَّتنا في تأويلها في حَقِّ الله تعالى : فمنهم مَنْ صرفها إلى إرادتِهِ تعالى إنعامًا مخصوصًا على مَنْ أخبَرَ أنَّه يحبُّه من عباده ؛ وعلى هذا تَرْجِعُ إلى صفة ذاته . ومنهم : مَنْ صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام ؛ وعلى هذا فتكون من صفات الفعل .

وعلى هذا المنهاج : يتمشَّى القولُ في الرحمة والنَّعْمَة والرضا ، والغضبِ والسَّخَط وما كان في معناها ، ولِبَسْطِ ذلك موضعٌ آخر . فأما محبَّةِ العبد لله تعالى فقد تأوَّلها بعضُ المتكلِّمين ؛ لأنَّهم فسَّروا المحبَّة بالإرادةُ ، والإرادة إنما تتعلَّق بالحادث لا بالقديم ، ومنهم مَنْ قال : لأنَّ محبتَنا إنَّما تتعلَّق بمستَلَذٍّ محسوسٍ ، واللهُ تعالى منزَّهٌ عن ذلك . وهؤلاءِ تأوَّلوا محبةَ العبدِ لله تعالى بطاعتِهِ له ، وتعظيمِهِ إياه ، وموافقتِهِ له على ما يريد منه .

وأما أربابُ القلوب ، فمنهم مَنْ لم يتأوَّلْ محبَّةَ العبدِ لله تعالى ، حتى قال : المحبةُ لله تعالى هي الميلُ الدائم بالقلبِ الهائم ، وقال أبو القاسم القُشَيْرِيُّ : أما محبةُ العبدِ لله تعالى ، فحالةٌ يجدها العبدُ من قلبه تَلْطُفُ عن العبارة ، وقد تحملُهُ تلك الحالةُ على التعظيمِ لله تعالى ، وإيثارِ رضاه ، وقلَّةِ الصبر عنه ، والاحتياج إليه ، وعَدَمِ الفرَارِ عنه ، ووجودِ الاستئناسِ بدوامِ ذكره .

قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : فهؤلاءِ قد صرَّحوا بأنَّ محبَّة العبد لله تعالى : هي مَيْلٌ من العبد وتَوَقَان ، وحالٌ يَجِدُها المُحِبُّ مِنْ نفسه مِنْ نوعِ ما يجده في محبوباتِهِ المعتادةِ له ، وهو صحيحٌ . والذي يوضِّحه : أنَّ الله تعالى قد جَبَلَنا على الميل إلى الحُسْنِ والجمال والكمال ، فبقدر ما ينكشفُ للعاقل من حُسْنِ الشيء وجمالِهِ ، مالَ إليه وتعلَّقَ قلبُهُ به حتى يُفْضِيَ الأمرُ إلى أنْ يستولي ذلك المعنَى عليه ؛ فلا يَقْدِرُ على الصبر عنه ، وربَّما لا يشتغلُ بشيءٍ دونه . ثم الحُسْنُ والكمالُ نوعان : محسوسٌ ، ومعنويٌّ : فالمحسوسُ : كالصور الجميلة المشتهاة لنيلِ اللذَّةِ الجِسْمَانية ، وهذا في حقِّ الله تعالى محالٌ قطعًا .

وأما المعنويُّ : فكمَنِ اتَّصَفَ بالعلومِ الشريفة ، والأفعالِ الكريمة ، والأخلاقِ الحميدة ، فهذا النوعُ تميلُ إليه النفوسُ الفاضلة ، والقلوب الكاملة ميلاً عظيمًا ؛ فترتاحُ لذكرِه ، وتتنعم بخُبْرِهِ وخَبَرِهِ ، وتهتزّ لسماعِ أقوالِه ، وتتشوَّف لمشاهدة أحواله ، وتلتذُّ بذلك لذةً رُوحَانيةً لا جِسْمَانِيَّةً ، كما تجده عند ذِكْرِ الأنبياءِ والعُلَمَاء والفُضْلاَءِ والكُرَمَاء من الميلِ واللذَّة والرِّقَّة والأنس ، وإنْ كنَّا لا نَعْرِفُ صورهم المحسوسة ، وربَّما قد نَسْمَعُ أنَّ بعضَهم مِنْ غير الأنبياء قبيحُ الصورة الظاهرة أو أعمَى أو أجْذَم ، ومع ذلك : فذلك الميلُ والأُنْسُ والتشوُّقُ موجودٌ لنا ؛ ومَنْ شَكَّ في وِجْدانِ ذلك ، أو أنكَرَهُ ، كان عن جِبِلَّةِ الإنسانيَّةِ خارجَا ، وفي غِمَارِ المعتوهين والجَا . وإذا تقرَّر ذلك : فإذا كان هذا الموصوفُ بذلك الكمال قد أحسنَ إلينا ، وفاضَتْ نعمُهُ علينا ، ووصَلَنَا ببِرِّه ، وعطفِهِ ولُطْفِه ، تضاعَفَ ذلك الميلُ ، وتجدَّد ذلك الأُنْس ، حتَّى لا نصبرَ عنه ، بل يستغرقنا ذلك الحالْ ، إلى أن نُذْهَلَ عن جميعِ الأشغالْ ، بل ويطرأُ على الْمُشتَهرِ بذلك نوعُ اختلالْ . وإذا كان ذلك في حَقِّ مَنْ كمالُهُ وجمالُهُ مُقيَّدًا مَشُوبًا بالنقص مُعَرَّضًا للزوالْ ، كان مَن كمالُهُ وجمالُهُ واجبًا مطلقًا لا يشوبُهُ نقصٌ ولا يعتريه زوال ، وكان إنعامُهُ وإحسانُهُ أكثرَ بحيثُ لا ينحصرُ ولا يُعَدّ ، أولَى بذلك الميل وأحقَّ بذلك الحبّ ، وليس ذلك إلاَّ لله وحده ، ثُمَّ لَِمْن خصَّه الله تعالى بما شاء مِنْ ذلك الكمال ، وأكملُ نوع الإنسان محمَّدٌ عليه أفضل الصلاةِ والسلام .

فَمَنْ تَحَقَّق ما ذكرْناه ، واتّصَفَ بما وصفْناه ، كان اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سواهما ، ومن كان كذلك تأهَّلَ للقائهما ، بالاتِّصَافِ بما يُرْضِيهما ، واجتنابِ ما يُسخِطُهُمَا ؛ ويستلزمُ ذلك كلُّه الإقبالَ بالكُلِّيَّة عليهما ، والإعراضَ عمَّا سواهما إلاّ بإذنهما وأمرهما ، ولتفصيلِ ذلك موضعٌ آخر . و ( قوله : وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ ) يعني : بالمرء هنا : المُسْلِمَ المؤمنَ ؛ لأنَّه هو الذي يمكنُ أن يُخْلَصَ لله تعالى في محبَّتِه ، وأن يُتَقَرَّبَ لله تعالى باحترامِهِ وحُرْمَتِه ؛ فإنه هو الموصوفُ بالأخوَّة الإيمانيَّة ، والمحبَّة الدينيَّة ؛ كما قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، وكما قال تعالى : فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا . وقد أفاد هذا الحديثُ : أنَّ محبَّةَ المؤمنِ الموصِّلَةَ لحلاوة الإيمان لا بدَّ أن تكونَ خالصةً لله تعالى ، غيرَ مشوبةٍ بالأَغراض الدنيويَّة ، ولا الحظوظِ البشريَّة ؛ فإنَّ مَنْ أحبَّه لذلك ، انقطعَتْ محبَّته إنْ حصَلَ له ذلك الغرَضُ أو يئِسَ مِنْ حصوله .

ومحبَّةُ المؤمن وظيفةٌ متعيِّنة على الدوام ، وُجِدَتِ الأغْراضُ أو عُدِمَتْ ، ولمَّا كانتِ المحبَّةُ للأغراضِ هي الغالبة ، قَلَّ وِجْدانُ تلك الحلاوة ، بل قد انعدم ، لا سيَّما في هذه الأزمانْ التي قد امَّحَى فيها أكثَرُ رسومِ الإيمانْ . وعلى الجملة : فمحبَّةُ المؤمنين من العباداتْ ، التي لا بُدَّ فيها من الإخلاصِ في حُسْنِ النيَّاتْ . و ( قوله : وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ) معنى يُقْذَفَ : يُرْمَى ، والقذفُ : الرمي .

وهذه الكراهةُ مُوحيَةٌ ؛ لما انكشَفَ للمؤمن من محاسن الإسلام ، ولِمَا دخَلَ قلبَهُ من نور الإيمانْ ، ولِمَا خلّصه الله مِنْ رذائلِ الجهالاتِ وقُبْحِ الكفرانْ ، والحمدُ لله .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث