[ 111 ] ( 60 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا . - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ : يَا كَافِرُ ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ . ( 26 ) بَاب بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ : يَا كَافِرُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ ، وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ . وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا ، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ . وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ ، أَوْ قَالَ : عَدُوَّ اللَّهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ ) . هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا عَدَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ ; وَذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَا يَكْفُرَ الْمُسْلِمُ بِالْمَعَاصِي كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا . وَكَذَا قَوْلُهُ لِأَخِيهِ : كَافِرُ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ بُطْلَانِ دِينِ الْإِسْلَامِ . وَإِذَا عُرِفَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ أَوْجُهٌ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ ، وَهَذَا يُكَفَّرُ . فَعَلَى هَذَا مَعْنَى ( بَاءَ بِهَا ) أَيْ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ، وَكَذَا حَارَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَعْنَى رَجَعَتْ عَلَيْهِ أَيْ : رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ . فَبَاءَ وَحَارَ وَرَجَعَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : مَعْنَاهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ نَقِيصَتُهُ لِأَخِيهِ وَمَعْصِيَةُ تَكْفِيرِهِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَهَذَا الْوَجْهُ نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ : أَنَّ الْخَوَارِجَ لَا يُكَفَّرُونَ كَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ . وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ : مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ يَئُولُ بِهِ إِلَى الْكُفْرِ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ ، كَمَا قَالُوا ، بَرِيدُ الْكُفْرِ ، وَيُخَافُ عَلَى الْمُكْثِرِ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَاقِبَةَ شُؤْمِهَا الْمَصِيرُ إِلَى الْكُفْرِ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَةَ الْإِسْفَرَايِنِيِّ فِي كِتَابِهِ ( الْمُخَرَّجُ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) : فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : إِذَا قَالَ لِأَخِيهِ ( يَا كَافِرُ ) وَجَبَ الْكُفْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا . وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ : مَعْنَاهُ فَقَدْ رَجَعَ عَلَيْهِ تَكْفِيرُهُ ; فَلَيْسَ الرَّاجِعُ حَقِيقَةُ الْكُفْرِ بَلِ التَّكْفِيرُ ; لِكَوْنِهِ جَعَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ كَافِرًا ; فَكَأَنَّهُ كَفَّرَ نَفْسَهُ ; إِمَّا لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ هُوَ مِثْلَهُ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا كَافِرٌ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ دِينِ الْإِسْلَامِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ يَا كَافِرُ · ص 237 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب إِثْمِ مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ · ص 251 ( 22 ) بَابُ إِثْمِ مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ 60 - [ 50 ] عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ قَال : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأخِيهِ : كَافِرٌ ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وَإِلاّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ . ( 22 ) وَمِنْ بَابِ إِثْمِ مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ كَفَّرَ الأوَّلُ - مشدَّدا - ومعناه : نسبَهُ إلى الكفر ، وحكَمَ عليه به ، وكفَرَ الثاني - مخفَّفٌ - بمعنى : جحَدَ حقَّهُ ، ولم يقم به . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأخِيهِ : كَافِرٌ ) صوابُ تقييده : كافرٌ بالتنوين ، على أن يكون خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ ، أي : أنتَ كافر ، أو هو كافرٌ . وربَّما قيَّده بعضهم : كَافِرُ بغير تنوين ؛ فجعله منادًى مفردًا محذوفَ حرف النداء . وهذا خطأٌ ؛ إذ لا يحذفُ حرفُ النداء مع النكرات ولا مع المُبْهَمات ، إلاَّ فيما جرى مجرى المَثَل ؛ في نحو قولهم : أَطْرِقْ كَرَا ، وافْتَدِ مخنوقُ ، وفي حديث موسى : ثَوْبِي حَجَرُ ، ثَوْبِي حَجَرُ ، وهو قليلٌ . وأصلُ الكفر : التغطيةُ والستر ؛ ومنه سُمِّيَ الزارع : كافرًا ؛ ومنه قوله تعالى : أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ أي : الزُّرَّاع ، ومنه قول الشاعر : . . . . . . . . . . فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا أي : ستَرَ وغطَّى ، والغمام : السحاب . وأمَّا الكفر الواقعُ في الشرع ، فهو جحدُ المعلومِ منه ضرورةً شرعيَّةً ، وهذا هو الذي جَرَى به العُرْفُ الشرعيُّ ، وقد جاء فيه الكُفْرُ بمعنَى جَحْدِ المُنْعِم ، وتَرْكِ الشكرِ على النِّعَم ، وتركِ القيامِ بالحقوق ؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - للنساء : يكْفُرْنَ الإِحْسَانَ ، ويكْفُرْنَ العَشِيرَ ، أي : يَجْحَدْنَ حقوقَ الأزواج وإحسانهم ؛ ومِنْ هاهنا صحَّ أن يقال : كفرٌ دون كفرٍ ، وظُلْمٌ دون ظلمٍ ، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان . و ( قوله : فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ) أي : رجَعَ بإثمها ، ولازَمَ ذلك ؛ قال الهرويُّ : وأصلُ البَوء : اللزوم ؛ ومنه : أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، أي : أُقِرُّ بها وأُلْزِمها نفسي ، وقال غيره من أهل اللغة : إنَّ باء في اللغة : رجَعَ بِشَرٍّ . والهاءُ في بها راجعٌ إلى التكفيرةِ الواحدة التي هي أقلُّ ما يدلُّ عليها لفظ كافر . ويحتملُ أن يَعُودَ إلى الكلمة ، ونعني بهذا أنَّ المقولَ له كافر إن كان كافرًا كفراً شرعيًّا ، فقد صدَقَ القائلُ له ذلك ، وذهَبَ بها المقولُ له ، وإن لم يكنْ كذلك ، رجعَتْ للقائلِ مَعَرَّةُ ذلك القولِ وإثمُهُ . وأحدهما هنا يعني به : المقول له على كلِّ وجه ؛ لقوله : إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وأمَّا القائُل ، فهو المَعْنِيُّ بقوله : وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ . وبيانُهُ بما في حديث أبي ذرٍّ الذي قال فيه : مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالكُفْرِ ، أو قَالَ : عَدُو اللهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ ، إلاَّ حَارَ عَلَيْهِ ، أي : على القائل . وحار : رجع ، ويعني بذلك وِزْرَ ذلك وإثمَهُ .