[ 133 ] ( 81 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ : يَا وَيْلَهُ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ : يَا وَيْلِي - أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ . حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ .. بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَعَصَيْتُ فَلِي النَّارُ . ( 35 ) بَابُ بَيَانِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي الْبَابِ حَدِيثَانِ : أَحَدُهُمَا : ( إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ يَا وَيَلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ ) . وَالْحَدِيثُ الثَّانِي : ( إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةُ ) مَقْصُودُ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِذِكْرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ هُنَا أَنَّ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا تَرْكُهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ إِمَّا حَقِيقَةً وَإِمَّا تَسْمِيَةً . فَأَمَّا كُفْرُ إِبْلِيسَ بِسَبَبِ السُّجُودِ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ " ، قَالَ الْجُمْهُورُ : مَعْنَاهُ وَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْكَافِرِينَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَصَارَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِوُجُوبِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، خَارِجٌ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يُخَالِطِ الْمُسْلِمِينَ مُدَّةً يَبْلُغُهُ فِيهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهُ تَكَاسُلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا كَمَا هُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَالْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بَلْ يَفْسُقُ وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ حَدًّا كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ ، وَلَا يُقْتَلُ ، بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الثَّانِي الْمَذْكُورِ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ بِحَدِيثِ لَا يَحِلُّ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ وَلَيْسَ فِيهِ الصَّلَاةُ . وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَلَا يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى عَبْدٌ بِهِمَا غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ . حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَاحْتَجُّوا عَلَى قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ " ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ . وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عُقُوبَةَ الْكَافِرِ وَهِيَ الْقَتْلُ ، أَوْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَئُولُ بِهِ إِلَى الْكُفْرِ ، أَوْ أَنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ الْكُفَّارِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ ) فَمَعْنَاهُ آيَةُ السَّجْدَةِ . ( وَقَوْلُهُ يَا وَيْلَهُ ) هُوَ مِنْ آدَابِ الْكَلَامِ ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا عَرَضَ فِي الْحِكَايَةِ عَنِ الْغَيْرِ مَا فِيهِ سُوءٌ وَاقْتَضَتِ الْحِكَايَةُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ ، صَرَفَ الْحَاكِي الضَّمِيرَ عَنْ نَفْسِهِ تَصَاوُنًا عَنْ صُورَةِ إِضَافَةِ السُّوءِ إِلَى نَفْسِهِ . وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( يَا وَيْلِي ) يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ اللَّامِ وَكَسْرُهَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب بَيَانِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ · ص 252 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تَرْكُ الصَّلاَةِ جَحْدًا أو تَسْفِيهًا لِلأَْمْرِ كُفْرٌ · ص 272 81 - [ 64 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي ، ويَقُولُ : يَا وَيْلَهُ! - وَفِي رِوَايَةٍ : يَا وَيْلَتَا! - أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ ؛ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ ؛ فَلِيَ النَّارُ . و ( قوله : إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ ) أصلُ السجود في اللغة : الخضوعُ والخشوع ؛ قال زَيْدُ الخَيْلِ : بِجَمْعٍ تَصلي البُلْقُ فِي حَجَرَاتِه تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ أي : خاضعةً . ويقالُ أيضًا : على المَيْلِ ؛ يقال : سجَدَتِ النخلةُ ، أي : مالَتْ ، وسجدَتِ الناقةُ : طأطأَتْ رأسَهَا ، قال يعقوبُ : أسجَدَ الرجلُ : إذا طأطَأَ رأسه ، وسجَدَ : إذا وضع جبهتَهُ في الأرض ، وقال ابن دُرَيْد : أصلُ السجود : إدامةُ النظر مع إطراقٍ إلى الأرض . قال المؤلف - رحمه الله - : والحاصلُ أن أصلَ السجودِ : الخضوعُ ، وسُمِّيَتْ هذه الأحوالُ سجودًا ؛ لأنها تلازمُ الخضوع غالبًا ، ثم قد صار في الشرعِ عبارةً عن وضع الجبهة على الأرض على نحو مخصوصٍ . والسجودُ المذكور في هذا الحديث : هو سجودُ التلاوة ؛ لقوله : إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ . وقد اختُلِفَ في حُكْمه : فذهَبَ الجمهور : إلى أنَّه مندوبٌ وفضيلة ، وصار أبو حنيفة : إلى أنه واجب ؛ مستدلاًّ بهذا الحديث . ووجهه : أنَّ إبليس عصَى بترك ما أُمِرَ به من السجود ؛ فذُمَّ ولُعِنَ ، وابنُ آدم أطاعَ بفعله ؛ فمُدِحَ وأُثِيبَ بالجنَّة ؛ فلو تَرَكَهُ لعصى ؛ إذ السجودُ نوعٌ واحد ، فلزم من ذلك كونُ السجود واجبًا . والجوابُ : أنَّ ذمَّ إبليس ولَعْنَهُ لم يكنْ لأجلِ تَرْكِ السجود فقطْ ، بل لترك السجود عُتُوًّا على الله وكِبْرًا ، وتسفيهًا لأمره تعالى ، وبذلك كفَرَ ، لا بترك العملِ بمطلق السجود ؛ أَلاَ ترى قوله تعالى مُخبِرًا عنه بذلك حين قال : أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، وقال : لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ، وقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . سلَّمنا : أنَّه ذُمَّ على ترك السجود ، لكنْ لا نُسلِّمُ أنَّ السجودَ نوعٌ واحد ؛ فقد قال بعضُ المفسِّرين : إنَّ السجود الذي أمَرَ اللهُ به الملائكةَ إنَّما كان طأطأةَ الرأسِ لآدمَ تحيَّةً له ، وسجودُ التلاوة وَضْعُ الجبهة بالأرض على كيفيَّة مخصوصة ، فافترَقَا ؛ سلَّمنا : أنَّه نوعٌ واحد ؛ لكن منقسمٌ بالإضافة ، ومتغايرٌ بها ، فيصحُّ أن يُؤْمَرَ بأحدها ويُنْهَى عن الآخر ؛ كما يؤمَرُ بالسجود لله تعالى ويُنْهَى عن السجود للصنم ؛ فما أُمِرَ به الملائكةُ من السجود لآدم محرَّمٌ على ذُرِّيَّته ، كما قد حُرِّمَ ذلك علينا ؛ وكيف يُسْتَدَلُّ بوجوبِ أحدهما على وجوبِ الآخر ؟! وسيأتي القولُ في سجود القرآن في بابِهِ ، إنْ شاء الله تعالى . وبكاءُ إبليسَ المذكورُ في الحديث : ليس ندمًا على معصية ، ولا رجوعًا عنها ، وإنَّما ذلك لفرطِ حَسَده وغيظِهِ وألمِهِ مما أصابه مِنْ دخولِ أحدٍ من ذُرِّيَّةِ آدم الجنَّةَ ونجاتِهِ ، وذلك نحو ما يعتريه عند الأذانِ والإقامةِ ويومِ عرفة ؛ على ما يأتي إنْ شاء الله تعالى . و ( قوله : يَا وَيْلَتَا ) الويلُ : الهلاك ، وويلٌ : كلمةٌ تقال لمن وقَعَ في هلكة ، والألف في يا ويلتا : للندبةِ والتفجُّع .