[ 171 ] ( 106 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَابْنُ بَشَّارٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَار ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا ، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ . وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، وَهُوَ الْقَطَّانُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ . وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ : ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وفِيهِ ( أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) هُوَ أَبُو حَازِمٍ سَلْمَانُ [ 172 ] ( 107 ) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ . [ 173 ] ( 108 ) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا ، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ . وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ح . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ : وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ . [ 174 ] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أُرَاهُ مَرْفُوعًا ، قَالَ : ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَاقْتَطَعَهُ .. وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ . ( 46 ) بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الْإِزَارِ وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ ( وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ ، وَبَيَانِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ( وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمِ وَلَا يُزَكِّيهِمِ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّة ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ ) . أَمَّا أَلْفَاظُ أَسْمَاءِ الْبَابِ فَفِيهِ ( عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ . وَفِيهِ ( خَرَشَةُ ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ . وَفِيهِ ( أَبُو زُرْعَةَ ) وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ، وَتَقَدَّمَ مَرَّاتٍ الْخِلَافُ فِي اسْمِهِ ، وَأَنَّ الْأَشْهَرَ فِيهِ هَرَمٌ . وفِيهِ ( أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) هُوَ أَبُو حَازِمٍ سَلْمَانُ الْأَغَرُّ مَوْلَى عَزَّةَ . وفِيهِ ( أَبُو صَالِحٍ ) وَهُوَ ذَكْوَانُ ، تَقَدَّمَ . وَفِيهِ ( سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ ) هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدِّهِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيِّ فَإِنَّهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ . وَفِيهِ ( عَبْثَرٌ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ . وَأَمَّا أَلْفَاظُ اللُّغَةِ وَنَحْوُهَا فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ) هُوَ عَلَى لَفْظِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ . قِيلَ : مَعْنَى ( لَا يُكَلِّمُهُمْ ) أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ تَكْلِيمَ أَهْلِ الْخَيْرَاتِ ، وبِإِظْهَارِ الرِّضَا ، بَلْ بِكَلَامِ أَهْلِ السُّخْطِ وَالْغَضَبِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ . وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ : لَا يُكَلِّمُهُمْ كَلَامًا يَنْفَعُهُمْ وَيَسُرُّهُمْ ، وَقِيلَ : لَا يُرْسِلُ إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ بِالتَّحِيَّةِ . وَمَعْنَى ( لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ) أَيْ : يُعْرِضْ عَنْهُمْ . وَنَظَرُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لِعِبَادِهِ - رَحْمَتُهُ وَلُطْفُهُ بِهِمْ . وَمَعْنَى ( لَا يُزَكِّيهِمْ ) لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ : مَعْنَاهُ لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ . وَمَعْنَى ( عَذَابٌ أَلِيمٌ ) مُؤْلِمٌ . قَالَ الْوَاحِدِيُّ : هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي يَخْلُصُ إِلَى قُلُوبِهِمْ وَجَعُهُ . قَالَ : وَالْعَذَابُ كُلُّ مَا يُعْيِي الْإِنْسَانَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ . قَالَ : وَأَصْلُ الْعَذَابِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الْعَذْبِ وَهُوَ الْمَنْعُ . يُقَالُ : عَذَبْتُهُ عَذْبًا إِذَا مَنَعْتُهُ ، وَعَذُبَ عُذُوبًا أَيِ امْتَنَعَ ، وَسُمِّيَ الْمَاءُ عَذْبًا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَطَشَ ، فَسُمِّيَ الْعَذَابُ عَذَابًا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمُعَاقَبَ مِنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِ جُرْمِهِ ، وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ مِثْلِ فِعْلِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ ) فَمَعْنَاهُ الْمُرْخِي لَهُ ، الْجَارُّ طَرَفَهُ خُيَلَاءً . كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ ) وَالْخُيَلَاءُ الْكِبْرُ . وَهَذَا التَّقْيِيدُ بِالْجَرِّ خُيَلَاءَ يُخَصِّصُ عُمُومَ الْمُسْبِلِ إِزَارَهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَعِيدِ مَنْ جَرَّهُ خُيَلَاءَ . وَقَدْ رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَقَالَ : " لَسْتَ مِنْهُمْ " إِذْ كَانَ جَرُّهُ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ : وَذَكَرَ إِسْبَالَ الْإِزَارِ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ كَانَ عَامَّةَ لِبَاسِهِمْ ، وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْقَمِيصِ وَغَيْرِهِ حُكْمُهُ . قُلْتُ : وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( الْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ ) فَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ) وَيُقَالُ ( الْحَلِفُ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا . وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْإِسْكَانَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي أَوَّلِ إِصْلَاحِ الْمَنْطِقِ . وَأَمَّا ( الْفَلَاةُ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ فَهِيَ الْمَفَازَةُ وَالْقَفْرُ الَّتِي لَا أَنِيسَ بِهَا . وَأَمَّا تَخْصِيصُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( الشَّيْخَ الزَّانِي وَالْمَلِكَ الْكَذَّابَ وَالْعَائِلَ الْمُسْتَكْبِرَ ) بِالْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ : فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : سَبَبُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْتَزَمَ الْمَعْصِيَةَ الْمَذْكُورَةَ مَعَ بُعْدِهَا مِنْهُ ، وَعَدَمِ ضَرُورَتِهِ إِلَيْهَا ، وَضَعْفِ دَوَاعِيهَا عِنْدَهُ ; وَإِنْ كَانَ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ إِلَى هَذِهِ الْمَعَاصِي ضَرُورَةٌ مُزْعِجَةٌ ، وَلَا دَوَاعِي مُعْتَادَةٌ ، أَشْبَهَ إِقْدَامُهُمْ عَلَيْهَا الْمُعَانَدَةَ ، وَالِاسْتِخْفَافَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَصْدَ مَعْصِيَتِهِ لَا لِحَاجَةٍ غَيْرِهَا ; فَإِنَّ الشَّيْخَ لِكَمَالِ عَقْلِهِ وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِ بِطُولِ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ ، وَضَعْفِ أَسْبَابِ الْجِمَاعِ وَالشَّهْوَةِ لِلنِّسَاءِ ، وَاخْتِلَالِ دَوَاعِيهِ لِذَلِكَ ، عِنْدَهُ مَا يُرِيحُهُ مِنْ دَوَاعِي الْحَلَالِ فِي هَذَا وَيُخَلِّي سِرَّهُ مِنْهُ فَكَيْفَ بِالزِّنَا الْحَرَامِ ، وَإِنَّمَا دَوَاعِي ذَلِكَ الشَّبَابُ ، وَالْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ ، وَقِلَّةُ الْمَعْرِفَةِ ، وَغَلَبَةُ الشَّهْوَةِ لِضَعْفِ الْعَقْلِ ، وَصِغَرِ السِّنِّ . وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ لَا يَخْشَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مُدَاهَنَتِهِ وَمُصَانَعَتِهِ ; فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يُدَاهِنُ وَيُصَانِعُ بِالْكَذِبِ وَشِبْهِهِ مَنْ يَحْذَرُهُ ، وَيَخْشَى أَذَاهُ وَمُعَاتَبَتَهُ ، أَوْ يَطْلُبُ عِنْدَهُ بِذَلِكَ مَنْزِلَةً أَوْ مَنْفَعَةً ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْكَذِبِ مُطْلَقًا . وَكَذَلِكَ الْعَائِلُ الْفَقِيرُ قَدْ عَدِمَ الْمَالَ وَإِنَّمَا سَبَبُ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ وَالِارْتِفَاعِ عَلَى الْقُرَنَاءِ الثَّرْوَةُ فِي الدُّنْيَا لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا فِيهَا ، وَحَاجَاتُ أَهْلِهَا إِلَيْهِ ; فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَسْبَابُهَا فَلِمَاذَا يَسْتَكْبِرُ وَيَحْتَقِرُ غَيْرَهُ ؟ فَلَمْ يَبْقَ فِعْلُهُ ، وَفِعْلُ الشَّيْخِ الزَّانِي ، وَالْإِمَامُ الْكَاذِبُ ، إِلَّا لِضَرْبٍ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ ، فَمِنْهُمْ رَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ الْمُحْتَاجِ وَلَا شَكَّ فِي غِلَظِ تَحْرِيمِ مَا فَعَلَ ، وَشِدَّةِ قُبْحِهِ . فَإِذَا كَانَ مَنْ يَمْنَعُ فَضْلَ الْمَاءِ الْمَاشِيَةَ عَاصِيًا فَكَيْفَ بِمَنْ يَمْنَعُهُ الْآدَمِيَّ الْمُحْتَرَمَ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيهِ . فَلَوْ كَانَ ابْنُ السَّبِيلِ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ لَمْ يَجِبْ بَذْلُ الْمَاءِ لَهُ . وَأَمَّا الْحَالِفُ كَاذِبًا بَعْدَ الْعَصْرِ فَمُسْتَحِقٌّ هَذَا الْوَعِيدَ وَخَصَّ مَا بَعْدَ الْعَصْرِ لِشَرَفِهِ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمَّا مُبَايِعُ الْإِمَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَمُسْتَحِقٌّ هَذَا الْوَعِيدَ لِغِشِّهِ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامِهِمْ ، وَتَسَبُّبِهِ إِلَى الْفِتَنِ بَيْنَهُمْ بِنَكْثِهِ بَيْعَتَهُ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَوَقَعَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ) بِحَذْفِ الْهَاءِ وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَعْنَى ثَلَاثُ أَنْفُسٍ . وَجَاءَ الضَّمِيرُ فِي يُكَلِّمُهُمْ مُذَكَّرًا عَلَى الْمَعْنَى وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الْإِزَارِ وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ وَبَيَانِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ · ص 286 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ · ص 302 ( 34 ) بَابٌ مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ 106 - [ 82 ] عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاَثَ مِرَارٍ ، فقَالَ أبو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا ! مَنْ هُمْ يَا رسولَ الله ؟ قَالَ : الْمُسْبِلُ ، وَالْمَنَّانُ ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ . وفِي رِوَايَةٍ : الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ . ( 34 ) وَمِنْ بَابِ : مَنْ لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( قوله : لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ ) أي : بكلامِ مَنْ يرضى عنه . ويجوز : أن يكلِّمهم بما يكلِّمُ به مَنْ سَخِطَ عليه ؛ كما جاء في كتاب البخاري : يَقُولُ اللهُ لِمَانِعِ المَاءِ : اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي ؛ كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ ، وقد حكى الله تعالى أنَّه يقولُ للكافرين : اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ . وقيل : معناه : لا يكلِّمهم بغير واسطة ؛ استهانةً بهم . وقيل : معنى ذلك : الإعراضُ عنهم ، والغضَبُ عليهم . ونَظَرُ الله تعالى إلى عباده : رحمتُهُ لهم ، وعطفُهُ عليهم ، وإحسانُهُ إليهم ، وهذا النظَرُ هو المنفيُّ في هذا الحديث . و ( قوله : وَلَا يُزَكِّيهِمْ ) قال الزجَّاج : لا يُثْنِي عليهم ، ومن لم يُثْنِ عليه عذَّبه ، وقيل : لا يُطَهِّرهم مِنْ خُبْثِ أعمالهم ؛ لعظيمِ جُرْمهم . والعذاب الأليم : الشديدُ الألمِ المُوجِعُ . و ( قوله : المُسْبِلُ إِزَارَهُ ) أي : الجارُّهُ خُيَلاَءَ ؛ كما جاء في الحديث الآخر مقيَّدًا مفسَّرًا . والخُيَلاَء : الكِبْرُ والعُجْب . ويَدُلُّ هذا الحديثُ بمفهومه : على أنَّ مَنْ جَرَّ ثوبه على غير وجه الخيلاء ، لم يَدْخُلْ في هذا الوعيد ؛ ولمَّا سَمِعَ أبو بكر هذا الحديثَ ، قال : يا رسولَ الله ، إنَّ جَانِبَ إزاري يسترخي ، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : لَسْتَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ ؛ خرَّجه البخاري . وحُكْمُ الإزارِ والرداءِ والثوبِ في ذلك سواءٌ ؛ وقد روى أبو داود مِنْ حديثِ ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال : الإسْبَالُ في الإِزَارِ وَالقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ ؛ فَمَنْ جَرَّ مِنْهَا خُيَلاَءَ ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وفي طريقٍ أخرى قال ابن عمر : ما قاله رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الإزارِ ، فهو في القَمِيصِ . قال المؤلف - رحمه الله - : وقد بيَّن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحدَّ الأحسَنَ والجائزَ في الإزار الذي لا يجوزُ تعدِّيه ؛ فقال فيما رواه أبو داود ، والنَّسَائي من حديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ : أُزْرَةُ المُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ، لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ ، مَا أَسْفَلَ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ . والمَنَّان : فَعَّالٌ من المَنِّ ، وقد فسَّره في الحديث ، فقال : هو الَّذِي لاَ يُعْطِي شَيْئًا إِلاَّ منَّة ؛ أي : إلا امتَنَّ به على المُعْطَى له ، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاء ، مبطلٌ لأجرِ الصدقةِ والعطاء ، مُؤْذٍ للمُعْطَى له ؛ ولذلك قال تعالى : لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى . وإنَّما كان المَنُّ كذلك ؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن البُخْلِ ، والعُجْبِ ، والكِبْر ، ونسيانِ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه ؛ فالبخيلُ : يعظِّمُ في نفسه العَطِيَّةَ ، وإنْ كانتْ حقيرةً في نفسها ، والعُجْبُ : يحمله على النظرِ لنفسه بعين العَظَمة ، وأنَّه مُنْعِمٌ بمالِهِ على المعطَى له ، ومتفضِّلٌ عليه ، وإنَّ له عليه حَقًّا يجبُ عليه مراعاتُهُ ، والكِبْرُ : يحمله على أن يحتقر المُعْطَى له ، وإنْ كان في نفسه فاضلاً ، ومُوجِبُ ذلك كلِّه الجهلُ ، ونِسْيانُ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه ؛ إذْ قد أنعَمَ عليه مما يُعْطِي ، ولم يَحْرِمْهُ ذلك ، وجعله ممَّنْ يُعْطِي ، ولم يجعلْهُ ممَّن يَسْأَل ، ولو نظَرَ ببصيرة لعَلِمَ أنَّ المِنَّةَ للآخذ ؛ لِمَا يُزِيلُ عن المعطي مِنْ إثمِ المنعِ وذَمِّ المانع ، ومن الذنوب ، ولِمَا يحصُلُ له من الأجرِ الجزيل ، والثناءِ الجميل ، ولبسط هذا موضعٌ آخر . وقيل : المَنَّانُ في هذا الحديث : هو مِنَ المَنِّ الذي هو القَطْع ؛ كما قال الله تعالى : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي : غَيْرُ مقطوع ؛ فيكونُ معناه : البخيلَ بقطعِهِ عطاءَ ما يجبُ عليه للمستَحِقِّ ؛ كما قد جاء في حديثٍ آخر : البَخِيلُ المَنَّانُ ، فنَعَتَهُ به ، والتأويلُ الأوَّل أظهر .